الزهد الكبير للبيهقى 1
A
« الزاهد حقا لا يذم الدنيا، ولا يمدحها، ولا ينظر إليها، ولا يفرح بها إذا أقبلت، ولا يحزن عليها إذا أدبرت »
« أرغب الناس في الدنيا، وأخفاهم لها طلبا أكثرهم لها ذما عند طلابها، ولا سيما إذا كان ذمه للدنيا حرقة بها »
« عباد الرحمن، أما ما وكلكم الله به فتضيعون، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبون، ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين، أذوو عقول في طلب الدنيا، وبله عما خلقتم له؟ فكما ترجون الله بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عقاب الله بما تنتهكون من معاصي الله »
« العيش في أربع: اللباس، والطعام، والنوم، والنساء، فأما النساء: فوالله، ما أبالي امرأة رأيت أو جدارا، وأما اللباس: فوالله ما أبالي ما واريت به عورتي، وأما الطعام، والنوم: فقد غلباني، والله لأضار بهما جهدي »
« الدنيا أربعة أجزاء: المال، والنساء، والنوم، والطعام، أما المال والنساء: فلا حاجة لي بهما، وأما الآخران: فايم الله، لأضرن بهما، وقال: لأجعلن الهم واحدا »
« يا معشر الشباب، عليكم بالآخرة فاطلبوها ؛ فكثيرا رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحدا طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا »
« رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحدا، فأكل كسرة، ولبس خلقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة ؛ ابتغاء الرحمة، حتى يأتيه أجله وهو على ذلك »
« من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله دنياه وآخرته، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أودية هلك »
« من لم يكن الله في كل المعاني همه كان منقوصا من الله في كل المعاني حظه، فالله منتهى همة الهموم، فمن كان الله همه في كل المعاني لم يكن له سكون، ولا قرار إلا إلى الله، وذلك أن الله عز وجل لا مثل له، فيسكن إليه، وليس فوقه شيء له لينتهي منه إليه، ولذلك لا يحسن السكون إلا إليه »
« أول الزهد إخراج قدرها من القلب، وآخره خروج قدرها حتى لا يقوم لها في القلب قدر، ولا يخطر بباله رغبة فيها، ولا زهد فيها ؛ لأن الرغبة والزهد لا يكونان إلا فيما قام قدره في القلب »
« النظر إلى الدنيا بعين النقص، والإعراض عنها تعززا وتظرفا، فمن استحسن من الدنيا شيئا فقد نبه عن قدرها »
الدنيا مشغلة للقلب والبدن، وإن الزهد راحة للقلب والبدن، وإن الله سائلنا عن الذي نعمنا في حلاله، فكيف بما نعمنا في حرامه؟
« إن رأس ما هو مصلحك ومصلح به على يديك الزهد في الدنيا، وإنما الزهد باليقين، واليقين بالتفكر، والتفكر بالاعتبار، فإذا أنت فكرت في الدنيا لم تجدها أهلا أن تتبع بها نفسك، ووجدت نفسك أهلا أن تكرمها بهوان الدنيا، فإن الدنيا دار بلاء،
« الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات »
« خمس من أخلاق الزهاد: الشكر على الحلال، والصبر عن الحرام، ولا يبالي متى مات، ولا يبالي من أكل الدنيا، ويكون الفقر والغنى عنده سواء »
« ثلاثة من أعلام الصلاح في الغنى: الزهد من الحرام تاركا له، وإخراج الحقوق من المال أداء للغرض فيه، والتواضع لجميع الناس خوفا من الكبر، وثلاثة من أعلام الصلاح في الفقر: القناعة بالمقدور له من الرزق، وطلاقة الوجه إظهارا للشكر على النعم، وترك التواضع للمكثر طمعا فيه، وثلاثة من أعلام حب الآخرة: كثرة البكاء، والذكر لها، ودوام الشوق إليها، وبغض الدنيا من أجلها »
« اختلفوا علينا في الزهد بالعراق، فمنهم من قال: في مجانبة الناس، ومنهم من قال: ترك الشهوات »
« من زهد في نصيب نفسه من الراحة، وزهد في العز والرئاسة، ومن زهد في العز والرئاسة كتب اسمه في ديوان الولاية »
« ليس الزهد في الدنيا ترك الدنيا، إنما الزهد أن يزهد في كل ما سوى الله، هذا داود وسليمان عليهما السلام - قد ملكا الدنيا وكانا عند الله من الزاهدين »
« ليس الزاهد من ألقى غم الدنيا واستراح منها، وإنما تلك راحة، وإنما الزاهد من ألقى غمها وتعب فيها لآخرته »
« الزهد: ثلاثة أحرف، أما الزاي: فترك الزينة، وأما الهاء: فترك الهوى، وأما الدال: فترك الدنيا »
« سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم »
« أهل الزهد في الدنيا على طبقتين: فمنهم من يزهد في الدنيا ولا يفتح له في روح الآخرة، فهو في الدنيا مقل قد يئست نفسه من شهوات الدنيا ولم يفتح له في روح الآخرة، فليس شيء أحب إليه من الموت لما يرجو من روح الآخرة، ومنهم من زهد في الدنيا ويفتح له في الآخرة، فليس شيء أحب إليه من البقاء للتمتع بذكر الله عز وجل ألا بذكر الله تطمئن القلوب ورغبة في أن يذكر الله فيذكره ؛ لأن الميت ينقطع عمله، وقد قال تعالى: فاذكروني أذكركم، فقال: معناه اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي وثوابي »
« الزاهد من لم ير الدنيا وأهلها وما فيها، وإنما يرى الله وحده، فإذا كان كذلك لم يأخذ منها شيئا إلا من يد الله عز وجل »
« إياك أن تكون في المعرفة مدعيا، أو تكون بالزهد محترفا، أو تكون بالعبادة متعلقا » قيل له: فسر لنا ذلك رحمك الله، فقال: « أما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء معرى عن حقائقها كنت مدعيا، وإذا كنت في زهدك موصوفا بحالة فيك دون الأحوال كنت منحرفا - أو قال: محترفا - وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنجو من الله عز وجل بالعبادة لا بالله عز وجل كنت بالعبادة متعلقا لا بوليها والمنان بها عليك »
« ما رجع من رجع إلا من الطريق ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا، فازهد يا أخي في الدنيا تر العجب »
« اعلموا أن المحب لله عز وجل لا يعظم عنده الإيثار لله ؛ لأنه ليس شيء عنده أعظم من الله فينبغي للمحب لله أن يرى عليه أثر ذلك من رفض الدنيا لأنه من المحال أن يجتمع في القلب حب الله مع حب الدنيا، فمن أحب الله لم ينظر إلى ما يناله من الدنيا ولا تكون له حاجة إلى غير من أحب »
« كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء، منها تسعة أجزاء في الصمت، والعاشرة عزلة الناس، فإني عالجت نفسي على الصمت فلم أجدني أضبط كما أريد، فرأيت أن خير هذه العشرة عاشرها عزلة الناس »
« نعم صومعة الرجل المسلم بيته، يكف فيه نفسه، وبصره، وفرجه، وإياكم والمجالس في السوق، فإنها تلغي، وتلهي »
« من خالط الناس لا ينج من إحدى اثنتين، إما أن يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل، أو يسكت إن رأى منكرا، ويسمع من جليسه شيئا فيأثم فيه »
« من صفة الحكيم: حب خمول الذكر، وفيه ذهاب الوحشة وسقوط الأنس لغير الله، فإذا أنس الحكيم بالوحدة فقد اعتقد الإخلاص، حينئذ تحركه الحكمة للحق والصواب إن شاء الله »
« إذا أحب القلب الخلوة فقد أوصله حب الخلوة إلى الأنس بالله، ومن أنس بالله استوحش من غير الله، فلله در قلوب أنست بجلال الله، وارتعدت فرقا لهيبته »
« إذا رأيت الرجل قد ذكر في بلدة بالقراءة والنسك، وعلا فيها بالاسم، واضطرب به الصوت فلم يخرج منها فلا ترجو خيره »
« إن قدرت أن لا تعرف فافعل وما عليك، أن لا تعرف وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله عز وجل »
« كامل المروءة من بر والديه، وأصلح ماله، وأنفق من ماله، وحسن خلقه، وأكرم إخوانه، ولزم بيته »
« من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه فليعتزل الناس ؛ لأن هذا زمان عزلة ووحدة »
« من نظر في عيوب الناس، عمي عن عيوب نفسه، ومن عني بالنار والفردوس، شغل عن القال والقيل، ومن هرب من الناس، سلم من شرورهم ومن شكر زيد »
« ثلاثة من أعلام الخمول: ترك الكلام لمن يكفيه، ونفي الحرص في إظهار العلم عند القرناء، ووجدت الألم لكراهية الكلام عند المجاورة والموعظة »
« من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه، وخاليا من جميع الإرادات إلا مراد ربه، وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب، فإن لم يكن بهذه الصفة، فإن خلوته توقعه في فتنة وبلية »
« الدخول بين الزحام، وتحفظ سرك، أن لا يزاحموك، وتعتزل نفسك عن الآثام، حتى يكون سرك مربوطا بالرب عز وجل »،
« من عرف ربه وجد طعم العبودية ولذة الذكر والطاعة، فهو بين الخلق ببدنه قد نأى عنهم بالهموم والخطرات »
« جعل الشر كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا »
« إذا أحب العبد الدنيا فآثرها يقول الله عز وجل: لأنسينه معرفتي حتى يلقاني وهو لا يعرفني »
« بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، فبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك »
« إن البدن إذا سقم: لم ينجح فيه طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا راحة، كذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم تنجح فيه المواعظ »
« نظرت في أصل كل إثم، فلم أجد من كثرة امتحاني له إلا حب المال، فمن ألقى عنه حب المال فقد استراح »
لو سلمتم من الخطايا فلم تعملوا فيما بينكم وبين الله خطيئة، ولم تتركوا لله طاعة إلا أجهدتم أنفسكم في أدائها إلا حبكم الدنيا لوسعكم ذلك شرا، إلا أن يتجاوز الله عز وجل ويعفو
ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهد فيها فآثرناها، ورغبنا في طلبها، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها، ومنتكم فأقررتم خاضعين لأمانيها، تتمرغون في زهراتها، وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواتها، وتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها، وتحصنون بالجهل في مساكنها
« قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني »
