الخزانة العاشرة..
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:
الله ﷿ حكيمٌ عليمٌ، أخفى له قبول العمل، لتبقى القلوب على وجل؛ وأبقى باب التوبة مفتوحًا، ليبقى الإنسان على أمل؛ وجعل العبرة بالخواتيم، لئلا يغتر الإنسان بسابق العمل.
وأسعد حياة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وأشقى حياة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
والداعي العارف: هو الذي ينظر إلى النهايات السارة، لا إلى البدايات الشاقة، فيوسف ﷺ تحمل المشقات في البداية، ففاز في النهاية بالملك، والخلافة، وهداية إخوته: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وعباد الرحمن هم الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان وحال، وعباد الرحمن هم أهل العبادة من صلاةٍ وصيامٍ، وذكرٍ ودعاء.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
والله هو الرحمن الرحيم الذي استوى على العرش برحمته، فله فوقية الذات، فالله سبحانه فوق جميع مخلوقاته:﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وله فوقية القدر، فله الكمال المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٣ - ١٦].
وله سبحانه فوقية القهر؛ فهو القاهر فوق عباده، القاهر لكل أحد: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
هو سبحانه الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الملك الذي يفعل ما يشاء بقدرته، هو الخالق بلا مؤونة، المهلك بلا مخافة، والباعث بلا مشقة، أحدٌ غنيٌ عن كل أحد، واحدٌ يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
أوجدَ سبحانه كل شيءٍ من لا شيء، وقهر كل شيءٍ بقدرته، وأعطى كل أحدٍ بربوبيته، وعلم بكل شيءٍ فلا يخفى عليه شيءٍ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
هو الملك الذي بيده مقاليد كل شيء، نوَّر الشمس والقمر بقدرته، وأسال البحار والمياه والأنهار بقدرته، وجمَّد الأحجار والجبال بقدرته، وأحاط بكل شيءٍ بسمعه، وبصره، وعلمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك آمنتم بالله الواحد الأحد، وأحببتموه، وعظمتموه، وعبدتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن لا يعرف ربه، كيف يعرف قيمة أمره!!
فاعرف الحاكم قبل أن تعرف أحكامه، واعرف الآمر قبل أن تعرف أوامره، ثم أطعه بموجب تلك المعرفة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الشورى لمصلحة الدين، والصلاة جماعة لمصلحة العبد، وكلاهما لازم، فكما تجتمع الأمة في صلاة الجماعة، كذلك تجتمع للشورى لمصلحة الدين كل يوم: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨].
وأعظم تاج للإنسان في حياته أن يقول: أنا عبدٌ لله لا لغيره، كما قال عيسى ﷺ: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٢].
والحياة والموت بيد الله وحده، وما بين الحياة والموت من الأحوال كذلك بيد الله وحده؛ مثل الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وكل ما في الكون من الآيات والمخلوقات مَظهرٌ لقدرة الله، والخلق والأمر كله بيد الله، وكل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده بيده كل شيء، وذلك ليعرف الإنسان ربه، ثم يؤمن به، ويعبده وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والإيمان والتقوى هو المقصود، وجميع الوسائل والأسباب وسيلة للقيام بالمقصود، والوسائل لها أحكام المقاصد في الوجوب والأجور.
والأولاد أمانةٌ في أيدينا؛ نتعاهد تربيتهم البدنية والدينية ليُصبِحوا لنا صدقةً جاريةً إلى يوم القيامة.
قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له».
أخرجه مسلم)
ومن تعاهد تربية أولاده البدنية، وترك تربيتهم، الدينية صاروا سوسًا يأكل المال والعمل، يأكلون مالك في حياتك، ويرثون باقيه بعد موتك، ويأكلون أوقاتك كالسوس يأكل كل شيء.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨].
والأسواق جعلها الله لأسباب المعاش، والمساجد لأسباب المعاد، وإذا كانت الأمة تقضي أكثر الوقت في الأسواق مات الدين؛ لأن الأسواق إذا خلت من الدين كانت سوقًا للباطل، كما أن المساجد سوقًا للحق، وأحبُّ البقاع إلى الله في الأرض مساجدها، وأبغضها إليه أسواقها، لأن الشيطان يَركُز رايته في السوق، فيجعل هذا يكذب، وهذا يغش، وهذا يسرق، وهكذا: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فكل المساجد مصادر الخير، وكل الأسواق مصادر الشر،والمؤمن يجتهد ليكون السوق كالمسجد في الأعمال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٩].
والدنيا بحذافيرها متاع، وهي مطيةٌ للأعمال، فإن كانت الأعمال صالحة كانت زادًا إلى الجنة، وإن كانت الأعمال فاسدة كانت زادًا إلى النار.
والدنيا دار الابتلاء، والآخرة دار الجزاء، فالله خلق الدنيا وملأها ابتلاءً، وخلق الجنة وملأها من ألوان النعيم، وخلق النار وملأها من ألوان العذاب، فكل دار مُلئت بمقصدها:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿(١) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
أول شُعب العقل الإيمان بالله ﷿، ولزوم تقوى الله، وإصلاح السريرة، فإن من أصلح باطنه أصلح الله ظاهره، ومن فسد باطنه أفسد الشيطان ظاهره.
قال النبي ﷺ «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ».
متفق عليه.
وقُطبُ الطاعات في الدنيا إصلاح السرائر بالإيمان والتقوى، ومن اتخذ طاعة الله تجارة أتته الأرباح في كل وقتٍ من غير بضاعة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
والله سبحانه خلق الجن والإنس ليعبدوه، وخلق اللسان في الإنسان وفضّله على سائر الجوارح بأن أنطقه بتوحيده، وذكره، وتكبيره، فلا يليق بالعاقل أن يستعمله في غير ما خلق له مما أمره به مَنْ خلقه؛ من لزوم الذكر، والصدق، والدعاء، والدعوة، وغيرها من الطاعات والقربات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتَّى يَكونَ صِدِّيقًا.
وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
متفق عليه)
ومن خُلُقِ العاقل الحياء، ولزوم الحياء أصل العقل، والحياء مجانبة المكروه من الخصال، وهو نوعان:
حياءٌ من الله عند الهمّ بمعصية، وحياءٌ من الناس عند فعل ما يُكرَه ويَشين، وكلاهما محمود.
قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ممَّا أدرك النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْيِ فاصنَعْ ما شئتَ»أخرجه البخاري.
ومن لم يستحِ من الناس في العلن، فاعلم أنه لا يستحِيي من الله في السر؛ والحياء شعبةٌ من شعب الإيمان، وبحسب قوة الحياء تقلّ المعاصي، وتكثر الطاعات، وبحسب ضعف الحياء تكثر المعاصي.
قال رسول الله ﷺ: «الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ».
أخرجه مسلم.
والواجب على العاقل لزوم التواضع، واجتناب الكبر والعُجب، وأشد أنواع الكبر ذنبًا الاستكبار عن عبادة الله الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه، وتواضع العبد لربه نوعان:
الأول: تواضع العبد لربه عندما يفعل الطاعات، فلا يُعجب بها، بل يراها من فضل الله عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثاني: ازدراء العبد نفسه، واستحقاره لها، عند ذكره ما قارف من المعاصي والفواحش، حتى لا يرى أحدًا إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات، وفوقه في الجنايات: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقد أنزل الله القرآن تبيانًا لكل شيء، وكل حكمٍ موجودٌ في القرآن إما بالنص أو الاستنباط: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا، ويصدِّق بعضه بعضًا، ويدلُّ بعضه على بعض، ثنَّى الله فيه الأخبار والأحكام، والأوامر والمناهي، والقصص مرارًا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
ويليه في البيان سنة رسول الله ﷺ، وهي إما مؤكدةٌ لما ورد في القرآن، أو مُبينةٌ لما أُجمل فيه، أو تأتي بحكمٍ لم يُذكر في القرآن، وكلاهما وحيٌ من رب العالمين، وفقه الأئمة إنما خرج من رحم الأدلة الشرعية.
والسجود في القرآن نوعان:
الأول: سجود تسخير: وهو سجود جميع المخلوقات لله ﷿،كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦].
وقال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
الثاني: سجود تخيير: وهو سجود المكلفين من الإنس والجن،كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وأشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ الأنبياء أشد الناس بلاءً واختبارًا تثبيتًا لهم، وشدًا من عزمهم، لأن النفوس لا تثبت وتقوى إلا بعد شدة البلاء والمحن، وذلك لأن الله يعدِّهم لحمل الرسالة؛ فهم يستقبلون حِملًا شديدًا، وعبئًا ثقيلًا، وكذلك يبتلي الله الأنبياء ليخرج خير الصفات المكنونة في قلوبهم، والتي لا تظهر إلا بعد الابتلاء، وقد ابتلى الله إبراهيم ﵌ بأوامر شرعية ونوازل قدرية فأتمهن، فصبر على ابتلاء الأقدار،وأدى ما أمره الله به من التشريع: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
وأعظم عدو للإنسان هو الشيطان؛ فأعظم عداوة للإنسان وأبينها هي العداوة التي لا ينتفع منها المعتدي، وهو إبليس، وإنما يفعلها كيدًا، ومكرًا، وحسدًا لمن يعادي،وهذه هي عداوة إبليس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
والأصل أن ما حرْمه الشرع فهو حرام، وما أحلّه الشرع فهو حلال، وما سكت عنه الشرع فهو عفو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
والإسلام ينقسم إلى معرفةٍ وطاعة؛ فالمعرفة أصل، والطاعة فرع المعرفة، فلا يُؤمر أحدٌ بطاعة الله إلا بعد معرفة الله، والإيمان به، فمعرفة الله والإيمان به هي الفقه الأكبر، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعرفة الأحكام العملية هي الفقه الأصغر، وكلاهما لازم:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ خلق هذا الكون وما فيه من الآيات والمخلوقات، ليُعرف بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله،ويُعبد وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
***
مختارات

