القسم الثاني (الخزانة الأولى)
[الخزانة الأولى]
ثمرات العلم والإيمان:
ثمرة التواضع المحبة والرِّفعة، فما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه، كما أن ثمرة القناعة الراحة والطُمأنينة، فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما تكبر أحد على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه،
والتكبر مطيَّة البغضاء والعداوة، والتواضع مطيَّة المحبة والإلفة، والعاقل حقًا إذا رأى من هو أكبر منه سنًا تواضع له، وقال: سبقني إلى الإسلام، وإذا رأى من هو أصغر منه سنًا تواضع له، وقال سبقته بالذنوب، وإذا رأى من هو مثله عدَّه أخاه، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
ومن صفات العاقل أن يتحبَّب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وحسن الخلق يجلب المحبة والمودة، وسوء الخلق يورث الضغينة، والعداوة، والبغضاء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ومن اتَّسع خُلُقه أحبه الإنسان والحيوان، ومن ضاق خُلقه سئمه أهله وجيرانه، واستثقله إخوانه، وتمنوا الخلاص منه.
وسبب استثقال الناس لسيئ الخلق شيئان:
أحدهما: مقارفة الإنسان ما نهى الله عنه من الآثام والفواحش، لأن من تعدى حُرمات الله أبغضه الله، ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة، ثم توضع له البغضاء بين الناس في الأرض.
الثاني: استعمال الإنسان الخصال التي تكرهها النفوس النبيلة.
وحسن الخُلق بسطُ الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ومن صفات العاقل مداراة الناس صدقةً، وصيانةً، ووقايةً، حتى يأتي الفرج والمخرج، فتبسمك في وجه أخيك صدقة،والإحسان إليه بأسر قلبه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ورضى الناس غايةٌ لا تُدرك، والعاقل يلتمس رضى من لا يجد من معاشرته بُدًا، ومن دارى سلِم غالبًا، وما أكثر من دارى فلم يسلم، فكيف يسلم من لا يداري: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والمداراة المشروعة تكون في غير معصية الله، لأن المداراة في المعصية مداهنة، وإقرارٌ لأخيك عليها.
والعاقل الحازم يداري صديق السوء، كما يداري صديق الصدق.
والواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على من عرف، ومن لم يعرف؛ لأن السلام أمنٌ وتأمينٌ وأمانٌ، وخير الناس من بدأهم بالسلام.
قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
أخرجه مسلم.
والبادئ بالسلام بين حسنتين؛ فضله على المُسلَّم عليهم، لأنه ذكرهم بالسلام، وبين رد الملائكة عليه إن لم يردوا عليه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فالأخلاق الحسنة أحسن مطيةٍ يركبها المسلم في هذه الحياة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
حُسنُ الخلق: تبَسُّمك في وجه أخيك صدقة، والبشاشة إدام العلماء، وسجية العقلاء، وبساط الحكماء؛ لأن البِشرَ يطفئ نار العداوة، والتبسم يحرق هيجان المباغضة، والعاقل يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح، وترك التعبُّس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والمِزاح على ضربين:
مزاحٌ محمود: وهو الذي لا يشوبه ما كره الله ﷿، ولا يكون بإثمٍ ولا قطيعة رحم.
ومزاحٌ مذموم: وهو كل ما يثير العداوة والبغضاء، ويفسد الصداقة والمودة، ويوغر الصدور، وينبت الغلّ والحسد؛ فالمزاح في إثم يسود الوجه، ويدمي القلب، ويورث الضغينة، والعاقل يستعمل من المزاح ما يُنسب بفعله إلى الحلاوة والملاحة، ولا يؤذي به أحدًا من إخوانه، والمزاح ينبغي أن يكون بين الناس كالملح في الطعام، لابد من قليله، وكثيره يفسد قليله، ومن كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح مع من لا يعرفه استخفَ به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن مازح رجلًا من غير جنسه هان عليه، واجترأ عليه.
والعاقل يجالس العلماء ليستفيد من علومهم، وآدابهم، وأخلاقهم، ويجالس العامة ليعظهم، ويربيهم، ويحسن إليهم، وينصحهم، وما سوى ذلك فالوحدة خيرٌ من جليس السوء.
والعاقل يرى أنه قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، فيستكثر من الإخوان الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي، ويعلمونه إذا جهل، ويصوّبونه إذا أخطأ، ويعينونه إذا عجز، ويسلونه إذا اغتم، ويأخذون بيده إذا عثر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وصيانة الأخوة إنما تكون بالاستغناء عما في أيدي الإخوان، ومقصود المؤاخاة ليس الاجتماع والأكل والشرب، لأن البهائم والبغال والحمير يجتمعون على ذلك، وإنما المقصود التناصح، ولزوم التواضع، واكتساب المناقب:﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والصاحب ساحب إما إلى الفضيلة، أو إلى الرذيلة، فعليك بإخوان الصدق فإنهم زينةٌ في الرخاء، وعدةٌ في البلاء:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
والمروءة على ضربين:
مروءةٌ في السفر: وتكون ببذل الزاد، وقلة الخلاف مع الأصحاب، وحلاوة الحديث ممزوجةً بالمزاح القليل.
وأما مروءة الحضر: فتكون بكثرة الخطى إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وكثرة تلاوة القرآن، وبذل المنافع للناس، وكف الأذى عنهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأعظم النعم العقل الذي تعقل به العلوم، والعلم الذي تعرف به ربك العظيم، وشرعه القويم، فأفضل ما أعطى الله لعبده غريزة العقل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والعقل نوعان:
عقلٌ مطبوع.
وعقلٌ مسموع.
فالعقل المطبوع هو الذي خلقه الله في أغلب بني آدم، وبه يتميز الإنسان العاقل من المجنون.
والعقل المسموع هو العقل الذي هذَّب عن طريق السمع الذي هو القرآن والسنة، وبه يفرّق الإنسان بين الحق والباطل، والهدى والضلال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
وقوت العقول العلم والحكمة، وقوت القلوب الذكر والمواعظ، وقوت القلوب أعظم من قوت الأجساد؛ فقوت الأجساد الطعام والشراب، وقوت القلوب الذكر والمواعظ:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والعقل تاج المؤمن، ومطيّة كل عملٍ صالح، وكما لا ينفع علمٌ وحفظٌ بلا عمل، كذلك لا ينفع عقلٌ بلا ورع؛ فالعلم يورث خشية الله وتقواه، وعبادته بالعبادات القلبية والبدنية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والعاقل لا يتكل على المال، ولا ينظر إلى الحال؛ لأن المال يحل ويرتحل، والأحوال تتقلب على العبد، كما يتقلب عليه الليل والنهار.
وحياة العاقل تقوم على ثلاثة أركان، وهي:
الصبر.
والتثبت.
وعدم التمني.
ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر، والآخر التثبت:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
والعاقل من يتعلم العلم في كل أوقاته، ليكون به عاملًا، ولا يكون العبد عالمًا حتى يكون متعلمًا، ولا يكون بالعلم عالمًا حتى يكون به عاملًا: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال ﷿ عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن طلب العلم لغير ذلك ازداد بعلمه فخرًا، وعُجبًا، وكِبرًا، وللعمل تضييعًا وتركًا، فيكون فساده في المقتدين به أكثر من فساده في نفسه، كما قال سبحانه عن الكفار:﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].
ومن طلب العلم ليعمل به، أسره وكسره علمه، وأخضعه لربه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن طلب العلم لغير ذلك زاده علمه فخرًا، وعجبًا، وكبرًا، وهذه أعظم صفات إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والعالم بالله ودينه طبيب الدين، وزينة الدنيا داء الدين، فإذا اجترَّ الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره.
وليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية لله عزوجل:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وعلى العاقل أن يطلب من العلم أفضله وأحسنه؛ وأفضله العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه،والعلم بوعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وإذا رزق الله العبد العلم فيجب عليه أمران:
الأول: العمل به
الثاني: إفادة غيره به: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فأول بركة العلم خشية رب الناس، وإفادة الناس: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وما بخل أحدٌ بعلمه إلا حُرم العمل به والانتفاع به، وكما لا يُنتفع بالماء الساكن تحت الأرض حتى ينبُع، ولا ينتفع بالذهب حتى يُستخرج، كذلك لا ينتفع بالعلم ما لم ينشر ويطبق؛ والناس اثنان:
عالمٌ ومتعلم، ولا خير فيما بين ذلك.
وعلى العاقل بعد إصلاح سريرته بتقوى الله، ولزوم طلب العلم، أن يسعى في حفظ لسانه حتى يستقيم له، فإنه مسؤولٌ عما خرج منه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
والله سبحانه رفع درجة اللسان على سائر الجوارح، فليس منها شيءٌ أعظم أجرًا منه إذا أطاع، ولا أعظم ذنبًا منه إذا عصى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وعن أبي هريرة رضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ».
متفق عليه.
وأفضل ما نطق به اللسان شهادة التوحيد، وذكر الله ﷿:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
فكلمة التوحيد لا إله إلا الله ينطقها اللسان مع موافقة القلب، هذه باب الدخول للإسلام، والإكثار من ذكر الله ﷿ يثمر تعظيم الله ومحبته، ولهذا أمرنا الله ﷿ بالإكثار من ذكره بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
واللسان فيه عشر خصالٍ حميدة يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلةٍ منها في موضعها:
فاللسان أداةٌ يظهر بها البيان، وشاهدٌ يُخبر عما في الجَنان، وناطقٌ يُردُّ به الجواب، وحاكمٌ يفصل به الخطاب، وشافعٌ تدرك به الحاجات، وواصفٌ تدرك به معرفة الأشياء، وحاسدٌ تذهب به الضغينة، وناطقٌ تحصل به المودة والمحبة، ومتكلمٌ يزكي القلوب، ومسكنٌ تزول به الأحزان: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وآفة اللسان في أمرين:
السكوت عن الحق.
والكلام في الباطل.
فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، والمتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق.
ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه شقي بدنه، وساء عمله.
والناس ثلاثة:
منهم من عقله معه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه قبل أن يتكلم به.
ومنهم من عقله بفنائه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه بعد أن يتكلم به.
ومنهم من لا عقل له، فهو مع الرعاع حيث رعوا.
والعاقل لا يبدأ بالكلام إلا أن يُسأل، ولا يقول إلا لمن يقبل، ولا يرد على من شتم، ويحلم على من جهل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأعقل الناس من تكلم مع ربه في العبادة: فيكبره، ويسبحه، ويحمده ويشكره: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم يتكلم مع خلقه بالدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم)
والتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، أعظم عبادةٍ في الدين؛ لأنها تثمر معرفة الله ﷿، وتوحيد الله، والإيمان بالله، وحب الله، وتعظيمه، وتكبيره، وعبادته وحمده، وشكره؛ ولهذا أمرنا الله ﷿ بالتفكر في ذلك بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فالتفكر في خلق السماوات والأرض وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما له آثارٌ عظيمة وثمراتٌ كثيرة ومنها:
الأولى: زيادة الإيمان في القلب بمشاهدة قدرة الله، وعظيم خلقه، وإتقان صنعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثانية: التفكر، والتدبر، والاتعاظ، والاعتبار؛ وذلك يثمر قوة الإيمان، وصفاء التوحيد، والتعبد للرب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالثة: حسن الظن بالله، وكأن الإنسان يَرقُب نزول الخير من ربه الرحمن الرحيم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
الرابعة: إظهار الحاجة، والفقر، والضعف لمن هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذا ملكه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الخامسة: إفراد الله في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته، فمن رأى هذا الخلق العظيم، وهذا الملك الكبير، وتصريف ما فيه وتدبيره؛ آمن يقينًا أن الله واحدٌ لا شريك له في خلقه، وأمره، وعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
السادسة: خوف العبد من ربه، فكلما ظهرت قوة السيد زاد خوف العبد، وأطاع ربه، ولم يعصه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
السابعة: تواضع الإنسان عند رؤية مخلوقٍ أعظم منه؛ كالسماء والأرض، والجبال، والبحار، فينفي عن نفسه صفة الكبر، وينزِّل نفسه منزلتها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثامنة: التوكل على الله وحده في تدبير أمور العبد، فمدبر هذه المخلوقات، والأفلاك، والأجرام العظيمة، أقدر على تدبير شأن العبد: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
التاسعة: كمال الإيمان بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله التي تُرى آثارها في هذه المخلوقات العظيمة من ظهور عظمة الله وقوته، وعظيم نعمه وإحسانه، وعظيم تدبيره ولطفه، وعظيم عزته وقوته، وبذلك يدرك القلب أن الخالق فوق جميع المخلوقات، فيتجاوز الخلق إلى الخالق، ويتجاوز الصور إلى المصور، ويتجاوز الاشتغال بالأموال والأشياء إلى الاشتغال بالإيمان والأعمال الصالحة، ويعبد الله وحده لا شريك له، لما له من صفات الجلال، والجمال، والكمال:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
العاشرة: هوان كل من يستعظم ويستعلي على الله من المتكبرين والجبابرة، وعدم الخوف منهم، وهوان كل معبود يُعبَد من دون الله عند تأمل عظمة الله، وعظمة ملكه وسلطانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
الحادية عشرة: الحياء من الله العظيم الكريم، وحسن عبادته، والحذر من معصيته، لِما يراه العبد من عظمة ملكه، وعظيم نعمه، وتسخير كل ذلك للعبد، فضلاً من الله وإحساناً: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
الثانية عشرة: حصول المحبة لله في القلب، لما يراه العبد من عظيم نعم الله، وإحسانه إلى خلقه، وتسخير ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
***
مختارات

