فقه السنة النبوية (١)
قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
الله تبارك وتعالى امتن على عباده بأكبر النعم، وهي بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم، الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، وهداهم به إلى الصراط المستقيم.
بعثه سبحانه إليهم من قومهم ناصحاً لهم مشفقاً عليهم، يتلو عليهم آيات ربه، ويعلمهم ألفاظها ومعانيها، ويزكيهم من الشرك والمعاصي ومساوئ الأخلاق، ويعلمهم القرآن والسنة التي هي شقيقة القرآن.
ويعلمهم الحكمة التي هي وضع الشيء في موضعه، ومعرفة أسرار الشريعة.
فجمع لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين:
تلاوة القرآن.
وتعليم الأحكام.
وتزكية القلوب بالإيمان.
وكيفية تنفيذ الأحكام.
وبيان ثواب أهل الطاعة.
وعقاب أهل المعصية.
ففاقوا بمعرفة هذه الأمور والإيمان بها والعمل بموجبها جميع المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
والسنة النبوية: ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل، أو تقرير أو صفة.
والوحي قسمان:
آية محكمة.
وسنة ثابتة.
فالسنة النبوية أحد قسمي الوحي الإلهي، الذي نزل به جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم -
كما قال سبحانه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)} [النجم: ٣، ٤].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الكتاب وَمِثْلَهُ مَعَهُ» أخرجه أحمد وأبو داود (١).
ومن آثار رحمة الله تعالى أن أنزل القرآن الكريم وحياً يتلى إلى يوم القيامة، محفوظ من التبديل والتغيير كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩].
فكان دليلاً على إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان خير حافظ للشريعة من عبث العابثين، وتحريف الغالين، وكان وما زال نوراً ساطعاً: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)} [المائدة: ١٦].
وكما حفظ الله شريعته بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، رفع الإصر والحرج عن عباده، فأنزل على رسوله الكريم إلى جانب القرآن العزيز نوعاً آخر من الوحي هو السنة، أنزلها إليه بالمعنى، وجعل اللفظ إليه، إيذاناً بأن في الأمر سعة على الأمة وتخفيفاً عليها.
فيجوز للمسلمين أن يبلغوا عنه - صلى الله عليه وسلم - باللفظ النبوي إن تيسر وهو الأولى، لما فيه من أنوار النبوة، وحسن الفصاحة.
ويجوز أن يبلغوا عنه - صلى الله عليه وسلم - بعبارات تفي بالمقصود؛ لأن المقصود المعنى لا اللفظ.
وفي هذا الوحي وهذا الوحي صون للشريعة، وتخفيف على الأمة.
ولو كان الوحي كله من قبيل القرآن الكريم في التزام أدائه بلفظه لشق الأمر، وعظم الخطب، ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية.
ولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز الرواية بالمعنى، لكان فيه مجال للريب، ومثار للشك، ومغمز للطاعنين، الذين يقولون لا نأمن من خطأ الرواة
في أداء الشريعة.
ولكن الله حكيم عليم صان الشريعة بالقرآن، ورفع الإصر عن الأمة بجواز رواية السنة بالمعنى، لئلا يكون للناس على الله حجة.
والسنة النبوية وحي من الله إلى رسوله، وهي أصل من أصول الدين يجب اتباعها، والعمل بموجبها كالقرآن، وتحرم مخالفتها كما قال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)} [الحشر: ٧].
وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)} [الأحزاب: ٣٦].
وقال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)} [النساء: ٦٥].
والسنة النبوية مع القرآن لها ثلاثة أحوال:
الأولى: أن تكون موافقة لما جاء في القرآن من حيث الإجمال والبيان، فتكون مؤكدة لما جاء فيه لأهميته كالتأكيد على أهمية الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها.
كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه (٢).
مع قوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)} [النور: ٥٦].
وقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)} [البقرة: ١٨٣].
وقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)} [آل عمران: ٩٧].
الثانية: أن تكون بياناً لما أجمل في القرآن، وذلك:
ببيان مجمل كالأحاديث التي جاء فيها تفصيل أحكام الطهارة والصلاة، والزكاة والنفقات، والصيام والحج ونحو ذلك.
أو تقييد مطلق كالأحاديث التي بينت المراد من اليد في قوله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)} [المائدة: ٣٨].
فبينت السنة أنها اليد اليمنى، وأن القطع من الكوع لا من المرفق.
أو تخصيص عام كالحديث الذي بين أن المراد من الظلم في قوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)} [الأنعام: ٨٢].
أنه الشرك، لا عموم الظلم، فأي أحد لم يظلم نفسه؟.
أو توضيح لمشكل كالحديث الذي بين أن المراد بالخيطين في قوله سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)} [البقرة: ١٨٧].
هو بياض النهار، وسواد الليل.
وأغلب السنة من هذا النوع، ولهذه الغلبة وصفت بأنها مبينة للكتاب كما قال سبحانه: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)} [النحل: ٤٤].
الثالثة: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن.
كالأحاديث التي دلت على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في النكاح، والحكم بشاهد ويمين، ووجوب رجم الزاني المحصن، ووجوب الكفارة على من انتهك حرمة صوم رمضان، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وكون ذكاة الجنين في بطن أمه ذكاة أمه، ونحو ذلك.
وهذه الأحوال الثلاث تقع في الأحكام والأخبار.
ومجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - العلمية كانت مفتوحة لكل الناس رجالاً ونساء، عرباً وعجماً، خاصة وعامة، أغنياء وفقراء، ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - مدرسة مشيدة، ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه.
بل كانت مجالسه العلمية كيفما اتفق:
فهو في الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه، ويحمس الجنود بقوله.
وهو في السفر مرشد وهاد.
وهو في البيت يعلم أهله السنن والآداب.
وهو في المسجد مدرس وخطيب، وقاضٍ ومفتٍ، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف ليعلمه ويرشده.
وهو في جميع أحواله مرشد وناصح ومعلم.
إلا أنه كثيراً ما كان يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد، حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة، فكان يتخولهم بالموعظة تلو الموعظة، والدرس تلو الدرس، حتى لا يملوا ويسأموا.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
متفق عليه (٣).
فعلى العلماء والدعاة أن يهتدوا بسنته، ويقتدوا بأقواله وأفعاله كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - محجوباً عن رعيته كالملوك، ولا سلطاناً مترفعاً عن الاختلاط بأفراد أمته.
بل كان متقلباً بين ظهرانيهم.
يبلغ رسالة ربه.
ويعود مرضاهم.
ويشيع موتاهم.
ويفصل في قضاياهم.
ويفض منازعاتهم.
ويجيب داعيهم.
ويستقبل أدناهم وأشرفهم.
ويكرمهم بالكلمة الطيبة.
ويواسي محتاجهم.
وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية، وقلوب واعية.
وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أصحابه سيخلفونه من بعده، وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم والإفتاء والدعوة، فأتى في دروسه العلمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهنة التعليم والإرشاد.
فكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا سئل عما لا يعلم سكت حتى يأتيه الوحي من الله بذلك.
وكان من هديه أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه.
وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، وليشحذ أذهانهم للفهم.
وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها، أفاض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام، أو صلة بالجواب، فيستطرد ليفيد السائل والحاضرين علماً جديداً.
وكان يخص بعض أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا.
إلى غير ذلك من الأمثلة والآداب والمواعظ التي تلقوها منه، حتى كانوا أئمة في الدين، أساتذة في التعليم، أمناء على أحكام الدين.
فما أحسن الاستجابة لله والرسول، وما أجدر العاقل بذلك.
إن الإسلام يدعو الناس إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة، وتخلص النفوس من ضغط الأوهام والأساطير، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة، ومن العبودية لغير الله إلى العبودية لله وحده: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)} [الأنفال: ٢٤].
ويدعوهم إلى شريعة من عند الله يكملون بها ويسعدون في الدنيا والآخرة.
ويدعوهم إلى منهج للحياة ومنهج للفكر يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة التي فطر الناس عليها.
ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم، والانطلاق في الأرض كلها لتحرير الإنسان بجملته، وإخراجه من ذل عبودية العباد إلى عز عبودية الله وحده.
ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله لتقرير ألوهية الله سبحانه في الأرض وفي حياة الناس، وتحطيم ألوهية العبيد التي قهروا بها العباد وأضلوهم وأفسدوهم.
ذلك مجمل ما جاءت به السنة، ومجمل ما يدعو إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو دعوة إلى الحياة الطيبة في كل شيء.
(١) صحيح: أخرجه أحمد برقم (١٧١٧٤)، وأبو داود برقم (٤٦٠٤).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٨)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٦).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٨)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨٢١).
مختارات

