الخزانة الخامسة..
الفقه في الدين من أعظم الأعمال، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه.
فإذا تفقه في الدين نفع نفسه وعمل بموجب ذلك الفقه، وعلم غيره ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
والأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان:
الأول: ما هو حسنُ في ذاته، حسن في ثمراته.
وذلك كالعلم بالله وأسماءه وصفاته وأفعاله، والإيمان بذلك، والتعبد لله بموجب ذلك، فهذا أحسن ما كلف الله به الإنسان وهو أفضل من ثمراته التي هي الخلود في الجنان والزحزحة عن النيران: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
الثاني: ما هو قبيحًا في ذاته قبيحُ في ثمراته؟.
كالجهل بالله ودينه وشرعه، والجهل بما يجب من المعرفة والإيمان بالله، فهذا ثمرته الخلود في النار والحرمان من الجنة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].
ومن الأفعال ما هو متحد في حقيقته وذاته ولكنه ينهى عنه تارة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته، ويباح تارة لمصلحة الإقدام عليه أو الإحجام عنه.
ولذلك أمثلة:
أحدها: القتل وهو ثلاثة أقسام باعتبار ثمراته لا باعتبار ذاته، لأن ذاته إفساد وإتلاف.
فالأول: قتل حسن لحسن ثمراته، كقتل من يجب قتله من الكفار والطغاة والمسلمين، أما قتل الكافر فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
الثاني: قتل المسلمين حرام لقبح ثمراته، لما فيه من العدوان بغير حق: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢].
الثالث: قتل في القصاص من الجناة، فهذا حسنه لحسن ثمراته: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
أكساب الإنسان أربعة أقسام:
أكساب القلوب.
وأكساب الحواس.
وأكساب الأقوال.
وأكساب الأفعال.
أما أكساب القلوب فهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يكون إلا حسنًا ويؤمر به لذاته، لحسنه في نفسه، وحسن ثمراته، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة ما يجب له من التوحيد والإيمان والعبادة، والإيمان بذلك والعمل بموجب ذلك، وهذا أعلى أنواع الكسوب،وأشرفها وأفضلها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: ما لا يكون إلا قبيحًا، وينهى عنه لذاته، لقبحه في ذاته، وقبح ثمراته، وذلك كالجهل بالله، وما يجب له من أوصاف الجلال والجمال والمحبة والتعظيم، وثمراته أقبح الثمرات من الكفر والشرك والشك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
الثالث: ما يختلف حسنه وقبحه باختلاف متعلقة، فلا ينهى عنه، ولا يؤمر به، ولا يؤذن فيه لذاته، وإنما ينهى عنه لما يقترن به من مفاسد التحريم أو الكراهية، ويؤمر به لما يقترن به من مصالح الإيجاب أو الندب، ويؤذن فيه لمصالح الإباحة.
فالعزوم والقصود مثلًا تختلف أحكامها باختلاف أحكام المعزوم عليه والمقصود، وكذلك التمني والندم، والحب والبغض، والفرح والحزن، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف متعلقة، وكذلك التذكر والتفكر، والصبر والرضا، والجزع والخوف، والرجاء والتعظيم، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف المتفكر فيه، والمصبور عليه، والمرضي به وهكذا.
القسم الثاني: أكساب الحواس الخمس وهي:
النظر.
والاستماع.
والشم.
والذوق.
واللمس.
فهذه حقائق متحدة، وتختلف أحكامها باختلاف متعلقاتها في الحسن والقبح، والحلال والحرام، فالنظر في آيات الله الكونية وآياته الشرعية واجب: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وهكذا فالنظر إلى العورات مثلًا حرام، والنظر إلى السوءات أشد حرمة، والنظر إلى عورة الزوجة مباح، والنظر إلى سوأتها مكروه، ونظر الإنسان إلى سوءة نفسه مكروه، ونظر الرجل للحراسة في سبيل الله.
أو إلى حراسة ما استؤجر علي حفظه، أو إلى قراءة ما تجب قراءته من الرسائل واجب، والنظر إلى صور الملاح الحسان المشتهيات المحرمات لم ينهى عنه لحسن متعلقة، وإنما نهي عنه لما يؤدي إليه من الفساد والفتنة وغير ذلك.
وأما النظر المباح فكثير، ومثل ذلك يقال في بقية الحواس.
القسم الثالث: أكساب الأقوال وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يؤمر به لذاته، لحسنه في نفسه وصلاحه، كالإقرار بشهادة التوحيد، والأذان، والإقامة، والأذكار، والأدعية، وقراءة القرآن ونحو ذلك.
والقرآن بعضه أفضل من بعض، فإن كلام الله عن الله، أعظم وأفضل من كلامه عن إبليس وفرعون كما أن كلامنا عن الله ﷿ أفضل وأعظم من كلامنا في غيره.
ولذلك كانت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].
تعدل ثلث القرآن، وآية الكرسي أعظم آية في القرآن، والفاتحة أعظم سور القرآن.
وإذا نهي عن قراءة القرآن في الحش أو للجنب، فليس لذات القرآن لحسنه وشرفه، وإنما لما اقترن به من سوء الأدب، لأن الذاكر والقاري جليس الرحمن فلا ينبغي له أن يجالس ويخاطب ربه العظيم في مكان قبيح أو حالًا قبيحة.
الثاني: ما ينهى عنه لذاته، لقبحه في نفسه وفساده، كجحد اللسان بجميع ما يجب الإيمان به، أو كلامه بما نهى الله عنه من التعظيم في الكفر، أو الشرك، أو المعاصي ونحو ذلك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
الثالث: ما تختلف أحكامه باختلاف المقول فيه صلاحًا وفسادًا، كالجهر والسر، فهما حقيقتان متحدتان، وتختلف أحكامهما حسب متعلقاتهما، فالجهر مثلًا يجب في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطب الجمعة، والأعياد، والأذان، والإقامة ونحو ذلك، ويحرم الجهر في قبيح الأقوال والأعمال، وهتك الأستار، وكشف الأسرار.
وكذلك الإسرار حقيقة متحدة، فيندب إليه في الصلوات السرية والأدعية والأذكار، وإسرار الصدقات، ويحرم في مواطن كثيرة، ويحرم حيث يجب الإظهار في الأقوال والأعمال.
وأما السب فضار مؤلم قبيح، وإذا لم تتعلق به مصلحة، فهو منهي عنه، والمصلحة كجرح الشهود، والدعاء على الظلمة ونحو ذلك.
الرابع الأفعال وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: ما هو حسنًا في صورته، فيؤذن فيه، أو يؤمر به لذاته أمر إيجاب أو استحباب، كالإصلاح الفعلي، كالإطعام والإحسان ونحو ذلك: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الثاني: ما هو قبيح في صورته، فينهى عنه لعينه، نهي تحريم أو كراهية، وذلك كالإفساد الفعلي كالقتل والزنا.
الثالث: ما يختلف حكمه باختلاف ما يختلف به من المصالح والمفاسد، كالأكل والشرب والركوع والسجود، والإكراه والاختيار، والقطع والرجم، فكل هذه حقائق متحدة، وإنما تباح أو يندب إليها أو تجب لما يقترن بها من المصالح، وينهى عنها إذا تجردت من المصالح، أو اقترن بها من المفاسد المقتضية للكراهة أو التحريم.
وزواجر الشرع قسمان:
الأول: مقدر.
لا تجوز الزيادة فيه ولا النقص منه، لكن يجوز تخفيفه وتأخيره بالأعذار
الثاني: تعذيرات.
وهي غير محددة، وهي مقرونة بما يحصل من المصلحة، وما يندفع بها من المفسدة، وتختلف مقاديرها وتعيين جنسها باختلاف مصلحة الزجر بها، وقد شرع الله في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده، ويوفر مصالحه، ويدرأ مفاسده.
والتصرفات من حيث اللزوم وعدمه أنواع:
الأول: ما تتم مصالحه ومقاصده إلا بلزومه.
كالبيع والإجارة والنكاح والوقف والضمان والهبات وغيرها من الأحكام، فلو لم تكن هذه الأمور لازمة من الطرفين، لم يحصل الانتفاع من كل واحدًا بما سار إليه من بيع أو إجارة، إذ لا يأمن من فسخ صاحبه.
الثاني: ما تكون مصلحته في جوازه من طرفيه.
كالشركة والوكالة والوصية، والجعالة، والوديعة، والعارية، والقرض.
الثالث: ما تكون مصلحة التصرف فيه في جوازه من أحد طرفيه ولزومه من الطرف الآخر.
كالرهن والكتابة، وإجارة المشرك حتى يسمع كلام الله، وعقد الجزية، فالرهن مثلًا لازم في حق الراهن، والكتابة لازمة في حق السيد، والإجارة لازمة من جهة المسلمين، والعفو عن القصاص والعقوبات لازم، وكذلك الإبراء من الديون، وكذلك قسمة التراضي بين طرفين لازمة لا تقبل الجواز.
فالحمد لله على حسن هذا الدين العظيم وجمال أحكامه:﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
فقه العلم بأوامر الله:
ما يوجب الضمان: يوجب الضمان بأربعة أشياء وهي:
اليد.
والمباشرة.
والتسبب.
والشرط.
فاليد: كالمغصوب، واليد الضامنة من غير غصب.
والمباشرة: وهي إيجاد علة الهلاك، كالذبح والإحراق والإغراق، والحبس مع المنع عن الطعام والشراب، والخداع للغير بأكل السموم المهلكة.
والتسبب: هو إيجاد علة المباشرة، كإكراه الغير على القتل، أو الشهادة زورًا، وهو موجب للقصاص والضمان على المكره، لأن المكره كالآلة بيد المكره.
والشرط: وهو إيجاد ما يتوقف عليه الإتلاف، وليس بمباشرة ولا تسبب، كالممسك مع المباشر أو المتسبب، فهو لم يصدر منه شيء من أجزاء القتل، وإنما هو ممكن للقاتل من القتل.
من تجب طاعته:
لا طاعة لأحد من الخلق إلا لمن أذن الله، أو أمر بطاعته كالرسل والأنبياء والعلماء والأئمة والولاة والقضاة والآباء والأمهات والسادات والأزواج والمستأجرين على الأعمال والصناعات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ [الأنفال: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لما فيها من المفسدة العظيمة في الدارين، أو أحدهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، إلا أن يكره إنسانًا على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه بشرط ألا يضر غيره.
وقد تجب طاعة المكره لا لكونه آمرًا، بل دفعًا لمفسدة ما يهدده به من قتل أو قطع، أو جناية على عرض، واختص الإله سبحانه بالطاعة المطلقة لاختصاصه بنعم الإيجاد، والإمداد والهداية والإسعاد، فما من شيء من مصالح الدنيا والدين إلا وهو منعم به، وما من خير وشر، وما من ضرر وشرًا إلا وهو دافعه فله وحده الحكم وله الطاعة في كل حال، وله العبادة وحده لا شريك له ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
درء الحدود بالشبهات:
الشبهات التي تدرأ بها الحدود ثلاثة أنواع:
الأول: شبهة في الفاعل، كمن وطئ امرأة يظنها زوجته أو مملوكته.
الثاني: شبهة في الموطوءة، كوطء الشركاء الجارية المشتركة بينهم.
الثالث: شبهة في السبب المبيح للوطء، كالنكاح المختلف في صحته.
فالشبهة الأولى: تدرأ الحد عن الواطئ لأنه غير آثم والنسب لاحق به، والمهر واجب عليه، والعدة واجبة على الموطوءة.
والشبهة الثانية: تدرأ الحد عن الواطئ؛ لأن ما فيها من ملكه يقتضي إباحة الوطء، وما فيها من ملك غيره يقتضي تحريم الوطء، فالشراكة فهذه المرأة المملوكة لا يبيح لواحد من الشركاء وطؤها، ولو قتل أحد الأولياء الجاني بغير إذن شركائه أثم ولم يقتص منه، ولا يأثم إثم من قتل من لا شركة له فيه.
والشبهة الثالثة: تدرأ الحد عن الواطئ لوجود التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فإن الحلال ما قام عليه الدليل على حله، والحرام ما قام الدليل على حرمته، وليس أحدهما أولى من الآخر، وإنما غلب درء الحدود مع تحقق الشبهة؛ لأن المصلحة الكبرى استبقاء الإنسان لعبادة الله التي خلق من أجلها.
والحدود أسباب مهلكة فلا تثبت إلا بيقين مقصود: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
***
مختارات

