الخزانة السادسة..
أهم الأصول والقواعد الشرعية:
مصادر الفقه الإسلامي أربعة:
القرآن.
والسنة.
والإجماع.
والقياس.
القرآن والسنة: هما أصل الأدلة الشرعية.
والإجماع: هو اتفاق علماء الأمة على حكم شرعي مبني على الكتاب والسنة، كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس.
والقياس: هو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما، ومثاله تحريم المخدرات قياسًا على تحريم الخمر لعلة الإسكار.
أقسام الأحكام الشرعية:
تنقسم الأحكام الشرعية إلى خمسة أحكام هي:
الأول: الواجب، وهو ما طلب الشرع فعله طلبًا جازمًا، يثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه كالصلوات الخمس.
الثاني: المستحب، وهو ما طلب الشرع فعله طلبًا غير جازم، يثاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقب تاركه، كأنواع التطوع من صلاة وصيام وصدقات وأذكار ونحوها، ويسمى المندوب والمسنون والتطوع.
الثالث: المحرم وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، ويثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقاب فاعله كالكفر والشرك والزنا والربا والظلم والبغي ونحو ذلك من الكبائر والمحرمات.
الرابع: المكروه وهو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمًا، يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله.
في الصلاة ونحوه.
الخامس: المباح وهو ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته، وهو ما خير الله المسلم بين فعله وتركه، لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كالأكل من أنواع الطيبات، وصيد البر والبحر، وأكل طعام أهل الكتاب، ونكاح نسائهم.
وقد ينوي المسلم بفعل المباح للاستعانة به على طاعة الله فيؤجر، وقد يتوصل بالمباح إلى الخير فيلحق بالمأمورات،وقد يتوصل بالمباح إلى الشر فيلحق بالمنهيات: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أقسام الأوامر الشرعية:
تنقسم الأوامر الشرعية من حيث الثبات والتغير إلى قسمين:
الأول: أحكام ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا اجتهاد الأئمة مثل الأحكام الواردة بالنص من القرآن والسنة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة شرعًا، وأركان الإسلام وغيرها.
الثاني: أحكام تتغير بحسب اقتضاء المصلحة لها زمانًا ومكانًا وحالًا، والمصالح والمنافع تتغير بتغير الزمان والمكان، والحال مثل العادات والأعراف ومقادير التعذيرات، وهذه أحكام اجتهادية لا تستند مباشرة على نصًا شرعي بل مصدرها عرف أو مصلحة سكتت عنها النصوص الشرعية، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
حكم فعل الأوامر الشرعية:
أوامر الله ﷿ مبنية على العدل والإحسان والرحمة والسماحة، فيؤدي العبد الأوامر الشرعية منها بقدر الاستطاعة، ويجتنب المنهيات مطلقًا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وقال النبي ﷺ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه.
فقه أقوال النبي ﷺ وأفعاله:
إذا حث النبي ﷺ على أمر أو نهى عن شيء، ثم فعل خلافه، فهو لبيان الجواز، لكنه يواظب على الأفضل منه، فإذا حث النبي ﷺ على أمر أو نهى عنه في واقعة أخرى، ثم فعل خلافه، فهو لبيان الجواز، لكنه يواظب ﷺ دائمًا على الأفضل منه.
ومثاله، حث النبي ﷺ على الوضوء ثلاثًا، وتوضأ مرة ومرتين، وزجر عن الشرب قائمًا، وشرب قائمًا، وطاف بالبيت ماشيًا وراكبًا، ومشى حافيًا ومنتعلًا، فهذا وأمثاله كله لبيان الجواز، لكن الرسول ﷺ واظب على الأفضل منه وهو الوضوء ثلاثًا، والشرب جالسًا، والطواف ماشيًا، والمشي منتعلًا.
والقول مقدم على الفعل، لأن الفعل مظنة الخصوصية، أما القول فهو قطعي بالعموم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
أهم الأصول والقواعد الشرعية في الفقه الإسلامي:
أن اليقين لا يزول بالشك، والأصل الطهارة في كل شيء، إلا ما دل الدليل على نجاسته، والأصل براءة الذمة إلا بدليل، والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه، وأن المشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، وأن الواجبات لا تلزم إلا بعد العلم بها والتمكن من العمل بها.
وأنه لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة، وأن الواجبات تلزم المكلفين، وأن جميع الشروط في العبادات والمعاملات تعتبر حسب الإمكان، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويختار أعلى المصلحتين، ويرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم، وأن الحكم يدور مع علته ثبوتًا وعدمًا، والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم.
والأصل في العبادات الحذر إلى ما دل الدليل عليه، والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، والأصل في الأوامر الشرعية الوجوب إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة.
والأصل في النواهي الشرعية التحريم، إلا إذا دل الدليل على الكراهة، والأصل في المنافع الحل، والأصل في النجاسات والمضار الحرمة.
كل عبادة مركبة من أجزاء فإنه لابد فيها من أمرين:
الترتيب والموالاة، كالوضوء والصلاة، والحج والعمرة وغيرها.
الفرق بين فرض الكفاية والعين:
أن فرض العين يتعلق بالعامل، كالصلوات الخمس والصوم ونحوهما.
وفرض الكفاية يتعلق بالعمل المطلوب فعله، كالأذان وتجهيز الميت ونحوهما، فإذا قام بتلك أحد سقط الإثم عن الباقين.
أفعاله ﷺ:
أفعال النبي ﷺ ثلاثة أقسام:
الأول: الفعل الجبلي المحض.
الذي تقتضيه الطبيعة البشرية كالقيام والقعود والأكل والشرب، والنوم والسهر، فهذا لم يفعله ﷺ للتشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أقوم وأقعد تقربًا إلى الله اقتداءً بنبيه ﷺ.
الثاني: الفعل التشريعي المحض.
كأفعال الصلاة، وأفعال الحج ونحو ذلك من أحكام الشريعة، فهذا وأمثاله فعله النبي ﷺ من أجل التأسي بيه، فنفعله كما فعله، وهذا هو الغالب، فيجب علينا الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في سيرته وسريرته وسنته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الثالث: الفعل المحتمل بالتشريع والجبلي.
وضابطه أن تكون الجبلة البشرية تقتضيه، ولكنه وقع متعلقًا بعبادة أو في وسيلتها، كالركوب في الحج وجلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع من صلاة العيد من طريق أخرى، والضجعة على الشق الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، والنزول للمحصب بعد النفر من منى وغير ذلك، هذا وأمثاله محتمل للأمرين ولمن شاء فعله أو تركه:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
شروط قبول العمل الصالح:
العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون العمل خالصًا لله ﷿ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: أن يكون العمل موافقًا لما جاء به الرسول ﷺ، لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: أن يكون فاعله مؤمنًا، لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فإذ اجتمعت هذه الشروط قبل الله العبد، وإذا اختل شرط منها بطل العمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
آفات العمل الصالح:
يعرض للعامل إذا عمل عملًا صالحًا كالصلاة والصيام والصدقات ونحوها ثلاث آفات هي:
رؤية العمل.
وطلب العوض عليه.
ورضاءه به وسكونه إليه.
فالذي يخلصه من رؤية عمله مطالعة منة الله عليه، وتوفيقه له، وأنه من الله لا من العبد.
والذي يخلصه من طلب العوض عليه علمه بأنه عبد محض مملوك لسيده لا يستحق على الخدمة أجرة، فإن أعطاه سيده شيءً من الأجر فهو إحسان وإنعام من سيده لا عوضًا عن العمل.
والذي يخلصه من رضائه بعمله وسكونه إليه مطالعة عيوبه وتقصيره في عمله، وما فيه من حض النفس وشيطان وعلمه بعظيم حق الله، وأن العبد أعجز وأضعف من أن يقوم به على الوجه الأكمل.
نسأل الله الإخلاص والعون والاستقامة وحسن العبادة:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
حفظ العمل الصالح:
ليس الشأن في أداء العمل الصالح فحسب، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه، فالرياء وإن دق مفسدًا للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر، وكون العمل غير مقيد بإتباع السنة محبطًا للعمل، والمن به على الله تعالى بقلبه مفسدًا له، وللخلق منقصًا له، وتعمد مخالفة أوامر الله والاستهانة بها مبطلًا له، ونحو ذلك مما يهدم بنيان العمل الصالح ويقوض أركانه.
فانتبه لنفسك أيها العبد المسلم، واعبد ربك الملك الحق الذي يراك ويسمعك كما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
واعلم أن العمل الصالح ينطلق منك عملًا ويرجع إليك ثوابًا، والعمل السيئ ينطلق منك عملًا ويرجع إليك عقابًا:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
أهمية النية:
النية في الشرع هي العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله ﷿، والنية شرطً لصحة العمل وقبوله وإجزائه، ومحلها القلب، وهي مهمة في كل عمل، لقول النبي ﷺ: «إنَّمَا الأعمالُ بالنّياتِ، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نَوى» متفق عليه.
والنية تنقسم إلى قسمين:
الأول: نية العمل، بأن ينوي المسلم الوضوء أو الغسل أو الصلاة مثلًا.
الثانية: نية المعمول له، وهو الله ﷿ فينوي بالوضوء أو الغسل أو الصلاة وغيرها تقربًا إلى الله وحده، وهذه أهم من الأولى وكلاهما لازم في كل عمل وكبريائه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيْهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» رواه مسلم.
معني الإخلاص:
الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، بتصفية العمل لله عن ملاحظة المخلوقين، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره، وإذا أخلص العبد لله اجتباه ربه، فأحيى قلبه وقربه إليه وحبب إليه الطاعات وكره إليه المعاصي، بخلاف القلب الذي لم يخلص فإن فيه طلبًا وشوقًا وإرادة تارة إلى الرئاسة وتارة إلى الشهرة، وتارة إلى الدرهم والدينار.
فالأعمال ثلاثة:
طاعة.
وشهرة.
وشهوة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
حكم الإيثار:
الإيثار ثلاثة أقسام:
الأول: إيثار ممنوع.
وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا، كماء الوضوء الذي لا يكفي إلا لواحد، فهذا لا يجوز لك أن تؤثر به غيرك، لأنه يستلزم إسقاط الواجب عنك.
الثاني: إيثار مباح.
كالإيثار بالأمور المستحبة، كأن تؤثر غيرك بالصف الأول الذي أنت فيه، وهذا تركه أولى إلا لمصلحة كما لو كان أباك.
الثالث: إيثار مستحب.
كأن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي كما لو آثرته بطعامً وأنت جائع: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وعلى المسلم أن يسارع إلى كل طاعة وإلى كل عبادة، لينال رضوان الله ويفوز بجنته: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
***
مختارات

