الخزانة الرابعة..
الإيمان بالله ﷿:
يقتضي التصديق بكل ما أخبر به، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذا الإيمان بالرسول ﷺ يقتضي تصديق كل ما أخبر به، وفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
وللنهي في الشريعة الإسلامية ستة أحوال:
أحدها: أن ينهى الله أو رسوله عن الشيء لما فيه من الهلاك والخسارة المطلقة، كالنهي عن الكفر والشرك والمعاصي ونحوها: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ثانيًا: أن ينهى لما فيه من الأضرار العظيمة كالربا والزنا والخمر والميسر ونحوها من المحرمات، كما قال ﷿:﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
الثالث: أن ينهى عن الشيء لاختلال ركن من أركانه، أو شرطًا من شروطه، كالنهي عن الصلاة في المزبلة أو المجزرة، والنهي عن الصوم يوم العيد، ونهي المحرم عن النكاح والانكاح، وكذا النهي عن بيع الغرر، وبيع ما لم يقبض، وبيع الثمار حتىيبدوا صلاحها: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
الرابع: أن ينهى عن الشيء لاقتران مفسدة به، كالنهي عن التطهر بالماء الطاهر المغصوب، فالنهي ليس لعينه، وإنما لاستمرار غصبه، والنهي عن التطهر بما يخاف منه التلف لشدة حره أو شدة برودته، فالنهي ليس لعينه، وإنما لما يقترن به من خوف التلف، والنهي عن الصلاة بالدار المغصوبة ليس لعينها؛ لأنها طاهرة وإنما لما اقترن بها من الغصب، والصلاة لا يصح النهي عنها، لأنها مصلحة عظيمة.
الخامس: النهي لفوات فضيلة في العبادة فلا يقتضي الفساد، كالنهي عن الصلاة عند مدافعة الأخبثين لما فيه من تشويش الخشوع الذي هو روح الصلاة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
والمشغول بنفسه لا يخشع في صلاته لربه، وكذا نهي الحاكم أن يقضي في حال الغضب الشديد، أو الألم الشديد احتياطًا للحكم.
السادس: أن ينهى عما يتردد بين الإخلال بالأركان والشروط، أو لاقتران المفسدة، كالنهي عن صوم يوم الشك، وأيام التشريق، والنهي عن الصلاة في أوقات النهي، فالنهي عنه هل هو لعينه أو لأمرًا يقترن به: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
فقه الاجتهاد:
الاجتهاد هو بذل الجهد والطاقة في معرفة ما يجهل من الأحكام الشرعية، وأعظم أنواع الاجتهاد هو بذل الجهد في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه وأوامره وشرعه ووعده ووعيده، والدعوة إليه وتعليم شرعه.
وثمرة هذا الاجتهاد أعظم الثمرات من حصول الهداية، وإخلاص التوحيد، وكمال الإيمان والتقوى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
ثم يلي ذلك بذل الجهد والطاقة لمعرفة الأدلة الدالة على مطلوب المجتهد.
وهو أقسام:
الأول: الاجتهاد في معرفة أدلة الأحكام، ويختص به من عرف أدلة الأحكام من القرآن والسنة والإجماع والقياس بصيرًا كان أو أعمى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثاني: الاجتهاد في معرفة الأوقات كأوقات الصلوات الخمس ورؤية الهلال، ويختص به البصراء غالبًا، لأن معظم أدلتها مختص بالمبصرات.
الثالث: الاجتهاد في معرفة القبلة عند التباسها، ويختص بها البصراء؛ لأن معظم أدلتها مختص بالمبصرات.
الرابع: الاجتهاد في معرفة الخرس الشرعي، كخرس الثمار والزروع ونحوها، ويختص بها أهل الخبرة من البصراء.
الخامس: الاجتهاد في معرفة الطاهر من النجس عند الالتباس، سواء كان من الأواني أو الثياب أو الأعيان، ويختص به أهل المعرفة من البصراء أو العمي، لأن النجاسة تدرك بالبصر وبالطعم والرائحة.
السادس: الاجتهاد في معرفة المماثلة بين الأشياء والنعم، ويختص بها أهل الخبرة والمعرفة من البصراء.
السابع: الاجتهاد في معرفة أصلح المصالح، وأفسد المفاسد وهو عام في جميع الولايات والتصرفات، كالاجتهاد في مصالحة الكفار أو محاربتهم، والاجتهاد فيما يقدم في الولايات من الناس، وتقديم الأصلح فالأصلح من الولاة والقضاة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الثامن: الاجتهاد في قيم المتلفات، ويخص به أولو المعرفة والخبرة في معرفة الصفات، وقيام الأموال والأعيان في مختلف الأماكن والأزمان: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
أحوال المجتهد:
إذا اجتهد المجتهد فله أحوال:
إحداها: أن يؤديه اجتهاده إلى العلم بمطلوبه، فهذا في أعلى الرتب لما فيه من نفع نفسه ونفع الأمة.
الثانية: أن يتبين للمجتهد أنه أخطأ مطلوبه.
فهذا له حالتان:
الأولى: أن يتيقن أنه أخطأ، فإن كان في أحكام الشرع بأن يعرف أن حكمه وفتياه مخالفان للنص أو الإجماع أو القياس، فحكمه باطل لمخالفة قواطع الأدلة، وإن كان خطأه في النجاسات، فإن تبين له أنه اغتسل أو توضأ بماء نجس فإنه يلزمه الإعادة، ولا إثم عليه لأن الطهارة لا تحصل بالماء النجس مطلقًا.
الثانية: أن يتبين خطأه بالاجتهاد الظني بالاجتهاد الظني، فإن كان في غير الأحكام كالعبادات والمعاملات، فالورع العمل بالاجتهاد الثاني، لقول النبي ﷺ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ» أخرجه أحمد.
وإن كان في أحكام القاضي فلا ينقض الحكم بمثل ذلك لما في ذلك من الضرر العام لأن الأحكام لو نقضت لما استقر حكم شرعي، ويفضي ذلك إلى تضرر المحكوم له والمحكوم عليه باجتهاد ظني.
الثالثة: أن يتحير المجتهد ولا يظهر له مقصوده.
وهذا له أحوال:
الأول: تعارض أدلة الأحكام فيجب التوقف.
الثاني: أن يتحير في مياه الأواني ولا يظهر له أيهما الطاهر، فيتركهما ويتمم.
الثالث: أن يتحير في الثياب، ويتعذر معرفة الطاهر منهما، فيتركهما معًا ويصلي عريانًا.
الرابع: أن يتحير دخول وقت الصلاة، فيتأخر حتى يتيقن دخول وقت تلك الصلاة.
الخامس: إذا تحير في معرفة القبلة في الصحراء صلى إذا ما ترجح لديه.
السادس: إذا تحير في معرفة القيمة وجب التوقف.
السابع: إذا تحير السجين في معرفة دخول رمضان، بنى على غالب ظنه، وصح صومه إذا وقع بعد رمضان لا قبله، فيصح صومه إذا وقع في رمضان أو بعده لا قبله.
موانع صحة العبادات والمعاملات قسمان:
الأول: ما يمنع الصحة في الابتداء والدوام وهو أنواع:
أحدها: الكفر.
وهو مانع من ابتداء العبادة ودوامها، لأن الله ﷿ لا يقبل العمل إلا من مؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الثاني: الردة، تمنع صحة النكاح ابتداءً ودوامًا.
الثالث: المحرمية، تمنع من ابتداء النكاح ودوامه.
الرابع: الرضاع، يمنع من ابتداء النكاح ودوامه.
الثاني من الموانع: ما يمنع الابتداء ولا يمنع الدوام وهو أنواع:
أحدها: الإحرام، فإنه يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع الدوام.
الثاني: العدة، فإنها تمنع ابتداء النكاح ولا تمنع الدوام.
الثالث: رؤية الماء، مانع من ابتداء الصلاة بالتيمم وغير مانع إذا رآه في الصلاة.
الرابع: وجود الرقبة في صوم كفارة الظهار، وقتل الخطأ مانع من ابتداء الصوم وغير مانع من دوامه.
***
مختارات

