الخزانة السادسة..
• فقه الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله:
الإيمان بالله ﷿ أعظم شيءٍ في خزائن الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والإيمان نعمة من الله يخص بها طالبها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩].
والإيمان بيد الله ﷿، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
والله ﷿ أقام الحجة بأن خلق الإنسان في أحسن تقويم، ووهبه السمع والبصر والعقل، وأكرمه بإرسال الرسل،وإنزال الكتب: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والهداية إلى الإيمان بيد الله وحده: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
فلا إله إلا الله، ما أعظم مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي.
والمخلوقات التي خلقها الله ﷿ أربعة أنواع:
الأول: مخلوقات لها عقول بلا شهوات، وهم عالم الملائكة.
الثاني: مخلوقات لها شهوات بلا عقول، وهم عالم الحيوانات.
الثالث: مخلوقاتٌ لها عقول ولها شهوات، وهم عالم البشر.
الرابع: مخلوقاتٌ لا عقول لها ولا شهوات، وهم عالم الجماد والنبات.
فمن سما بعقله من البشر على شهواته أصبح فوق الملائكة؛ لأنه جاء إلى عبادة الله وإلى الإيمان بالله اختيارًا، وأما الملائكة فعبدوا الله تسخيرًا، فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وإن سمت شهوات الإنسان على عقله، أصبح دون الحيوان:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
فالذي سما بعقله، آمن بالله، يكون فوق الملائكة درجة:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧].
ومن أعرض عن ربه، ولم يستعمل ما أعطاه الله ﷿ من العقل الذي يعرف به ربه، فهو أضل من الأنعام: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالملائكة مخلوقاتٌ نورانية، خلقهم الله ﷿ مخلوقاتٌ مسخرة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وتقوم الملائكة بتدبير أوامر الله في هذا الكون، ويسبحون بحمد ربهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
ومع كل إنسان ملكٌ يلهمه الخير، وشيطانه يوسوس له بالشر، وليس لكل واحدٍ منهما سلطةٌ على الإنسان كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فالإنسان مخير أن يؤمن أو يكفر، أو يطيع أو يعصي:﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فمن آمن بالله فهو أسعد الناس، ومن كفر به فهو أشقى الناس.
وفي القلب نوايا لا يعلمها الملك ولا الشيطان، والحكمة من اقتران الملك والشيطان بالإنسان، أن نعلم بأن الله خلق الإنسان متحركًا، فهو إما أن يستجيب لإلهام الملك، أو لوسوسة الشيطان، فإن استجاب للشيطان فهذا من اختيار الإنسان وصنعه، فهو اختار المعصية والشيطان زينها له:﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وإن أطاع الله فبفضل الله ﷿، والملك أعانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان، وأحد أركان ضبط حركة الإنسان في تصرفاته، فمن آمن بالملائكة وبوجودهم استحيا من الله، واستحيا من الملائكة الذين يسمعونهن ويسجلون كلامه، فاستحيا من الملائكة أن يعصي الله، والشيطان يجعل الإنسان مجاهدًا يجاهد نفسه وعدوه، ويحذر من عدوه دائمًا، فهو ملازمٌ لإيمانه، ولطاعة مولاه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الجميلة والمثل الأعلى.
والإيمان بالله ﷿ يتطلب معرفة سبعة أمور:
١ - معرفة الله.
٢ - ومعرفة أسمائه.
٣ - ومعرفة صفاته.
٤ - ومعرفة أفعاله.
.
٥ - ومعرفة خزائنه.
٦ - ومعرفة وعده.
٧ - ومعرفة وعيد.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ هو الواحد القهار، وحده لا شريك له، فهو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، المالك لكل أحد، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فهو سبحانه القاهر فوق عباده، العالي بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله على كل ما سواه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
هو وحده قاهر العدم بالإيجاد، وقاهر الموجود بالعدم، وقاهر النور بالظلام، وقاهر الظلام بالنور، وقاهر الليل بالنهار،وقاهر النهار بالليل: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ [الزمر: ٤ - ٥].
هو سبحانه القهار الذي قهر هذا التراب فجعله إنسانًا يفكر ويعقل، ويسمع ويبصر، ويضحك ويبكي.
هو سبحانه القهار الذي خلق كل المخلوقات، وقهرها على ما أراد، وقهر بعضها ببعض، قهر الرياح بالجبال التي تصدها، وقهر الجبال بالحديد الذي يكسرها، وقهر الحديد بالنار التي تذيبه، وقهر النار بالماء الذي يطفئها، وقهر الماء بالهواء الذي يصرفه، وقهر الهواء بأقطار السماوات والأرض التي تحيط به، ثم قهر الكل، لأنه وحده القاهر لكل قاهر ومقهور: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
هو القهار ﷻ الذي يدمر من أصر على كفره بعد إنذاره: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
فسبحان قاهر الأحياء بالموت، وقاهر الأرواح في الأجساد، لا إله غيره، ولا رب سواه، يفعل بالأسباب، ويفعل بدون الأسباب ويفعل بضد الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
والأسباب عطاءٌ من الله، لا تفعل بذاتها، خلقها الله ﷿إظهارًا لقدرته، وجعلها تفعل في الظاهر ابتلاءً لعباده، فالله وحده هو الفعال الذي بيده الخلق والأمر والملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والأسباب مخلوقة، تأتي المسببات معها لا بها، لأنها مخلوقة، والمخلوق لا يخلق المخلوق، والمفعول لا يكون فاعلاً والله هو الفعال وحده لا شريك له، والأسباب والمخلوقات مخلوقاتٌ لله، لا شريكةٍ لله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن ظن أن الأسباب بسبب قوتها تفعل، وغفل عن قوة خالقها، وأن المسببات تنشأ بها لا معها، فقد جعلها شريكةً لله في الخلق والأمر: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فالأسباب مملوكة، تأتي المسببات معها لا بها، بدليل أن الأسباب تأتي بالمسببات أحيانًا، وأحيانًا لا تأتي بها؛ لأن الله لم يُرد ذلك منها، فقد تمطر السماء ولا تنبت الأرض، وقد ينكح الرجل زوجته ولا تنجب، وكذا الشجرة قد تثمر وقد لا تثمر؛ لأن الأمر كله بيد واحد، والمفتاح بيد واحد، هو الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
فسبحان من بيده الخلق والأمر، والتدبير والتصريف: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
والله هو القادر على كل شيء، يفعل بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالله يفعل بالأسباب، كما ينزل المطر على الأرض، فتنبت من كل زوجٍ بهيج، ويفعل بدون الأسباب: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
ويفعل بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠].
ويفعل بضد الأسباب كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
والمؤمن يرى الأسباب عطاءً من الله، والله خالقها، وهو المتصرف فيها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
والله ﷿ هو العلي وقد ذكر الله ﷿ هذا الاسم العظيم في أعظم آية في القرآن - وهي آية الكرسي كما قال سبحانه:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والله ﷻ هو العلي المتعالي، هو العلي العالي الأعلى فوق كل شيء، العلي بذاته، العلي بأسمائه، العلي بصفاته، العلي بأفعاله، فلا أحد مثله، تعالى عن كل ما سواه من المخلوقات، العلي عن الصاحبة والولد وكل ما يحتاجه البشر، الغني عن كل أحد، الذي يحتاجه كل أحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو سبحانه العلي الأعلى، الذي رفع وأعلى من آمن به،وخفض من كفر به: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
فسبحان العلي الأعلى العالي فوق جميع مخلوقاته، والعلي والأعلى اسمان من أسماء الله، دالةٌ على إثبات العلو لله، والمتعال عن النقائص وعما لا يليق بجلاله، فالله عليٌ على كل أحد، متعالٍ عن كل نقصٍ وعيب.
والله سبحانه هو الملك الحق، ومن خصائص الملك الأمر والنهي، والعطاء والمنع، والتدبير والتصريف، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
وأنواع علو الله ﷿ أربعة:
الأول: علو الذات، فهو سبحانه عالٍ على جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه العظيم، ظاهرٌ فوق كل شيء، ومع علوه الأعلى فهو قريبٌ من داعيه وعابديه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
الثاني: علو القدر، عزة الله لا نهاية لها، وقدر الله لا نهاية له، وكبرياء الله لا نهاية له، فله العلو في العظمة والكبرياء، وله العلو في الجمال والجلال، وله العلو في العلم والرحمة،وغيرها من صفات الكمال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
الثالث: علو القهر، فهو القاهر سبحانه فوق عباده، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا قاهر غيره: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
وكل ما سواه مقهور.
الرابع: علو التعالي: الله متعالٍ عن كل نقص، وعن كل عيب، وعن كل شبيه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
من أعظم روافد الإيمان وزيادته معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله.
وأسماء الله ﷿ توقيفية، وأسماء الله ﷿ أعلامٌ وأوصاف.
فكل أسماء الله ﷿ تدل على ذاته، ولكل اسمٍ معنىً خاصٌ يُطلق على الله ﷿، فكل اسمٍ من أسماء الله الحسنى متضمنٌ لصفة، ولا عكس، فليس كل صفة يؤخذ منها اسم، ولكن كل اسمٍ لله متضمنٌ لصفة من صفاته، فالعزيز اسمٌ متضمنٌ لصفة العزة، والرحمن اسمٌ متضمنٌ للرحمة، والغفور اسمٌ متضمن للمغفرة، وهكذا.
والله ﷿ وصف نفسه بأنه ينزل الغيث، ويمكر، ويكتب، فيوصف بذلك ولا يسمى به، وإذا ثبت الاسم لله بالنص، جاز لنا أن نشتق منه صفةً فقط إن كان لازمًا، كالواحد والأول، ونشتق منه صفةً وفعلًا إن كان الفعل متعديًا، فالرحمن اسمٌ نشتق منه صفة الرحمة، ونثبت الفعل لله بأنه يرحم، وإذا كان الفعل لازمًا أخذنا منه صفةً فقط، فالله واحد، فنصفه بالوحدانية وهكذا.
وأسماء اله ﷿ نوعان:
مطلقة.
ومقيدة أو مضافة.
فالمطلقة كالعزيز والرحمن والقوي والكبير والخالق وأمثالها.
والمقيدة والمضافة كمالك الملك، بديع السماوات والأرض، جامع الناس، خير الغافرين، خير الرازقين، خير الفاتحين، سريع الحساب، علام الغيوب وأمثالها.
فما ورد مطلقًا نطلقه على الله ﷿ مطلقًا، ونناديه به، وما ورد مقيدًا نسمي الله به مقيدًا كما جاء في القرآن.
أما ضوابط إطلاق الاسم على الله فهي ثلاثة:
الأول: أن يكون الاسم واردًا في القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة.
الثاني: أن يكون مفردًا غير مقيدٍ ولا مضاف.
الثالث: أن يتضمن صفة مدحٍ وثناءٍ على الله بنفسه.
وإحصاء أسماء الله الحسنى له أربع مراتب:
الأولى: عدها وحفظها واستحضارها بالقلب.
الثانية: فهم معانيها.
الثالثة: معرفة آثارها في الكون، فالخالق يدل على أنه خلق جميع المخلوقات.
والرابعة: دعاء الله بها، والتعبد له بمقتضاها، وشهود آثارها في الكون.
ودعاء الله بها له مرتبتان:
دعاء حمدٍ وثناءٍ وعبادة، ودعاء طلبٍ ومسألة.
فلا يُثنى على الله إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
والله ﷿ وترٌ يحب الوتر، والوتر أفضل من الشفع؛ لأن الوتر من صفات الخالق، والشفع من صفات المخلوق، والشفع يحتاج إلى الوتر، والوتر لا يحتاج إلى شفع: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
أخرجه مسلم.
***
مختارات

