قصة أصحاب الفيل..
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥].
أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد ﷺ، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين كادوا بيته الحرام، وأرادوا إخرابه؛ فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاؤوا بجمع لا قبل للعرب به من الحبشة واليمن، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم؛ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، أي: متفرقة، تحمل حجارة محمّاة من سِجِّيلٍ (١)، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف (٢) مأكول، وكفى الله شرَّهم، وردَّ كيدهم في نحورهم، وقصَّتُهم معروفة مشهورة (٣)، وكانت تلك السنة التي وُلِدَ فيها رسول الله ﷺ، فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات رسالته، والله الحمد والشكر.
= لارتفاعها، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم فأَحْدَثَ فيها وكَرَّ راجعًا، فأقسم أبرهة لَيَسِيرَنَّ إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا، فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش عَرَمْرَمٍ، واستصحب معه فيلًا عظيمًا يقال له: محمود، فلما انتهى أبرهة إلى قريب من مكة أغار جيشه على سَرْحِ أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وبعث أبرهة إلى مكة مَنْ يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فذهب إليه عبد المطلب، فلما رآه أبرهة أجَلَّهُ، وكان عبد المطلب رجلًا جميلًا، ونزل أبرهة عن سريره، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي.
فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كَلَّمْتَنِي، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا رَبُّ الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه.
قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهَيَّأ فيله وعَبَّأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نُفَيْل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام.
ثم أرسل أذنه، فَبَرَكَ الفيل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، والعرب على رأس الجبل ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة.
تفسير ابن كثير (٨/ ٤٨٣ - ٤٨٥) باختصار وتصرُّف يسير.
***
(١) أي: من حجارة النار الشديدة الحرارة.
(٢) العصف: ورق الزَّرع.
(٣) هذه قصة أصحاب الفيل بإيجاز: أرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء.
.
.
سمَّتْهَا العرب القُلَّيْس.
مختارات

