الخزانة الخامسة..
• حكمة خلق المخلوقات:
الله ﷿ خلق الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة.
خلق الإنسان ليرحمه لا ليعذبه.
خلق الإنسان ليهديه لا ليضله.
والإيمان بالله ﷿ يحقق الحكمة من خلق هذا الإنسان:﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فما أرحم الرحمن بخلقه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وكل إنسان مفطورٌ في الدنيا على حب العظيم، وعلى حب الكريم، حب العظيم ليحتمي به ويلجأ إليه، وحب الكريم ليستفيد من خزائنه، وكذا الإنسان مفطورٌ على حب الحياة، وحب السلامة في هذه الحياة، وعلى حب الكمال في هذه الحياة.
وهذه الأمور التي جعل الله الإنسان مكرمًا بها وجبله عليها لا تتحقق إلا بالإيمان بالله ﷿، فمن أجل سعادة الإنسان وسلامة وجوده يؤمن بالله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فأنت أيها الإنسان المخلوق الأول المكرم، الذي قبل حمل الأمانة من ربه، وهي الإيمان بالله، والعمل بالدين، والتزين به، من أجل ذلك سخر الله لك ما في السماوات وما في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وذلك من أجل أن تتفرغ لعبادة الله، وتصل من المخلوقات إلى الخالق، ومن الصور إلى المصور، ومن الدنيا إلى الآخرة.
وهذا التسخير العظيم له مهمتان عظيمتان:
الأولى: تسخير تعريف، لتؤمن بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والثانية: تسخير تكريم، لتشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة.
فكل شيءٍ خلقه الله في الكون لأمرين، من أجل أن نتعرف على الله من خلاله، ومن أجل أن ننتفع به، فالكافر ينتفع بتسخير التكريم كما هو حال الكفار في كل زمانٍ ومكان، الذين انتفعوا من الجانب الثاني، وهو تسخير التكريم دون أن يعرفوا من سخره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فكانوا مع المخلوق دون الخالق، ومع النعمة دون المنعم، فهم دائمًا في شقاء وهم، لأن من أحب غير الله عُذِّب به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
فهؤلاء الكفار استفادوا من النعمة، وأعرضوا عن المنعم،فهم في شقاءٍ دائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالحكمة من وجود جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي أمران:
الأول: أن نعرف الله من خلالها بأسمائه وصفاته وأفعاله، فنؤمن به ونعبده.
الثاني: أن ننتفع بها في الدنيا ونستعين بها على عبادة الله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الأول: إذا عرفتم ذلك آمنتم به وعبدتموه وأطعتموه.
والثاني: أن ننتفع بهذه المخلوقات التي سخرها الله لنا.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فمن آمن بالله العظيم فقد حقق الهدفين معًا، ومن انتفع بما خلقه الله، ولم يؤمن بالله، فقد عطل أكبر هدفً من تسخير هذه الأشياء له، وأكثر الخلق في هذا الوادي المظلم:﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فالهدف الإرشادي هو أن الله خلق هذه المخلوقات للدلالة على وحدانيته، هذا الهدف هو أكبر هدف من خلق المخلوقات التي خلقها سبحانه، فإذا لم يهتدي الإنسان بها إلى ربه فقد عطّل أكبر هدفٍ له في الحياة، وهو الإيمان بالله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فالمخلوقات كلها مسخرةٌ للإنسان تسخير تعريف بربه وبأسمائه وصفاته وأفعاله، ليؤمن به ومسخرةٌ تسخير تكريم لهذا الإنسان الذي أكرمه الله ﷿ بأن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وجعله في الدنيا خليفة، ويوم القيامة جليسه إن آمن به: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
ومقتضى تسخير التعريف أن تؤمن أيها الإنسان، ومقتضى تسخير التكريم أن تشكر الله الذي خلقك ورزقك، فإذا آمنت بالله ﷿، وشكرته على نعمه، حققت الهدف العظيم من وجودك: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
فمن آمن بالله وشكره فقد حقق الهدف الأكبر من وجوده في هذه الدنيا، ونال السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
• درجات الإيمان بالله:
الإيمان بالله ﷿ له درجتان:
الأولى: إيمانٌ مقرونٌ بالاستقامة على أوامر الله، وهذا هو الإيمان المطلوب من كل مؤمن، أن يحمله إيمانه بالله على توحيد الله، وعلى طاعة الله، وعلى الاستقامة على أوامر الله، وفعل كل ما يحبه الله ويرضاه في كل حال، واجتناب ما يغضب الله في كل حال، فهذا هو المؤمن حقًا، من المؤمنين بالله حقًا، وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون، ثم يليهم من آمن بهم واقتدى بهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وصفات هؤلاء المؤمنين علميةٌ وعملية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وماذا أعد الله لهم يوم القيامة؟.
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ثم يلي هؤلاء من آمن بالله، لكن لم يحمله إيمانه على كمال الطاعة، ثم يليهم من آمن بالله لكنه لم يستقم على طاعة الله لعدم قناعته بكثيرٍ من أوامر الله، فالمؤمن الناجي هو من قرن الإيمان بالعمل الصالح: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالإيمان الحقيقي، الإيمان المطلوب، تصديقٌ وتطبيق،والكفر تكذيبٌ وإعراض: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
فاستقم كما أُمرت لا كما اشتهيت.
الثاني: إيمانٌ لا يثمر الاستقامة في كل حال، فهذا إيمانٌ ناقصٌ، لا يقدم ولا يؤخر، وهو كإيمان إبليس الذي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]، فآمن بالله ربًا.
وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [ص: ٧٦]، فآمن بالله خالقًا.
وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢]، آمن بالله عزيزًا.
وقال: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]، آمن باليوم الآخر.
فإبليس لم ينفعه إيمانه بهذا؛ لأنه لم يتبع الإيمان بالاستقامة، بل أبى واستكبر وكفر، وأعرض عن أوامر الله:﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فهذا الإيمان الصوري الذي لا تقترن به استقامة، ووقوفٍ عند الحلال والحرام، ولا أثر له في السلوك، لا ينفع ولا يقدم ولا يؤخر، ومن تأمل حياة كثيرٍ من المسلمين رأى هذا الإيمان موجودًا اليوم في حياتهم، ومن تأمل ذلك جيدًا لا يجد أثرًا للإيمان الذي يريده الله من الناس.
فليس لإيمان هؤلاء أثرٌ في استقامتهم وسلوكهم، ولا في ضبط أكلهم وشربهم، وتجارتهم وإنفاقهم، ولا في ضبط سلوك زوجاتهم وأولادهم، ولا في ضبط حياتهم، فمن لم يجد للإيمان أثرًا في السلوك ظاهرًا، فهذا إيمانٌ إبليسيّ،لأنه متجردٌ عن الاستقامة والطاعة لله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٤ - ٥٥].
فأثبت لهم بعض الأعمال الصورية، لكنهم عند الله كفروا بالله ورسوله.
• دلائل الإيمان بالله:
دلائل الإيمان والمخلوقات تُعلم من ثلاث جهات:
الحسيات.
والعقليات.
والاخبارات.
الأول: الشيء الذي ظهرت ذاته، وظهرت آثاره، كالسماء والأرض، والجبال والبحار ونحوهما.
فهذا طريق العلم به الحواس الخمس:
١ - السمع.
٢ - والبصر.
٣ - والشم.
٤ - والذوق.
٥ - واللمس.
فالأصوات نسمعها بالأذن، والأشياء نبصرها بالبصر، والروائح نشمها بالأنف، والمأكولات والمشروبات نذوقها باللسان، والأشياء المحسوسة نحسها باللمس: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فدلائل التوحيد والإيمان تُعرف بالتدبر والنظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
الثاني: الشيء الذي غابت ذاته، وبقيت آثاره، أداة العلم به العقل، فالخلق يدل على الخالق، والأرزاق تدل على الرازق، والأثر يدل على المؤثر، والبعرة تدل على البعير، والثمرة تدل على الشجرة، والحكمة تدل على الحكيم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالعقل مخلوقٌ عظيم من مخلوقات الله، خلقه الله ﷿لنعرف به الله، ونعرف به مخلوقاته، ونعرف به أوامره،ونعرف به ما ينفعنا وما يضرنا: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠].
الثالثة: الشيء الذي غابت ذاته، وغابت آثاره، أداة العلم به الخبر، كإخبار الله عن الملائكة، والجنن واليوم الآخر، فهذه الغيبيات طريق العلم بها، والإيمان بها، الخبر الصادق من الله ورسوله، فهذه الغيبيات يجب الإيمان بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٠].
فهذا إيمانٌ إخباريٌ أو سمعيٌ أو نصي، والأول إيمانٌ حسي، والثاني إيمانٌ عقلي.
فكل شيءٍ محسوس يدل على وجود الله، وكل شيءٍ معقول يدل على وجود الله، وكل خبرٍ عن الله ورسوله إيمانٌ خبري،يجب التصديق به: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكل خبرٍ عن الله ورسوله يجب أن نؤمن به كأننا نراه، فالمؤمن حقًا من صدق الأخبار من الله ورسوله كأنه يراها،ثم فعل مقتضى هذه الأخبار من الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والعالم قسمان:
عالم الغيب.
وعالم الشهادة.
وعالم الشهادة ذرةٌ من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
فعالم الشهادة ما نراه من السماوات والأرض والجبال والبحار، وعالم الغيب ما أخبرك الله عنه، وعالم الغيب لا نستطيع أن نضيف عليه شيئًا؛ لأنه خاصٌ بعلام الغيوب، فهو الذي يعلم الغيب والشهادة، فالمؤمن يسكت عما سكت عنه القرآن، ويصدق بكل ما كان وما يكون وما سيكون من أمور الغيب مما ورد في القرآن والسنة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فالله ﷿ هو عالم الغيب والشهادة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
***
مختارات

