فقه الولاء والبراء (٢)
وقد حذرنا الله عزَّ وجلَّ من موالاة اليهود والنصارى، وكل من لا ينتمي إلى الإسلام، ولا يقف تحت رايته فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)} [المائدة: ٥١].
فأهل الكتاب بعضهم أولياء بعض، فقد حاربوا الإسلام والمسلمين منذ زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، وهذه الحرب سواء كانت سافرة معلنة، أم مستورة مبطنة.
وهذه العداوة، وهذا الكيد، وهذ الحسد، وهذا الظلم.
كل ذلك وصف لهاتين الأمتين، الذين غضب الله عليهم ولعنهم، بسبب كفرهم وظلمهم وفسادهم.
وإذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض.
فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم.
وكل فرد يتولاهم من الصف الإسلامي.
إنما يخلع نفسه من صف المسلمين.
ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف.
ويلحق نفسه بأحفاد القردة والخنازير الذين كفروا بالله.
وقتلوا الأنبياء.
وسعوا في الأرض فساداً.
وأكلوا أموال الناس بالباطل.
ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
واتبعوا وحي الشياطين.
ونقضوا العهود والمواثيق، وصدوا عن سبيل الله.
فكيف يتولاهم مسلم وهذه صفاتهم؟.
وكيف يتولى قوماً غضب الله عليهم ولعنهم؟.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)} [الممتحنة: ١٣].
ألا ما أضل الإنسان حين يترك الدين وموالاة المؤمنين، ويتولى أحفاد القردة والخنازير: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)} [المائدة: ٦٠].
وكل مسلم تولى اليهود والنصارى فإنه ظالم لنفسه، وظالم للمسلمين، مسيء إلى الدين، ومن تولاهم أدخله الله في زمرتهم، ولا يهديه إلى الحق، ولا يرده إلى الصف المسلم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)} [الأنعام: ١٤٤].
إنه لا يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى، ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم.
إن ولاء المسلم لكل من يرفع راية الحق، ولا ولاء لمن يرفع راية الباطل.
إن الإسلام يأمر أهله أن تكون علاقاتهم بالناس جميعاً على أساس العقيدة، فالولاء والبراء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا في العقيدة، ومن ثم لا يكون الولاء وهو التناصر بين المسلم وغير المسلم، إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة، وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه.
فالدين هو الإسلام، وليس هناك دين غيره يعترف به الإسلام، وبعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعد هناك دين يرضاه الله ويقبله من أحد إلا هذا الإسلام في صورته التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وما كان يقبل قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - من النصارى لم يعد يقبل الآن، كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى - صلى الله عليه وسلم - لم يعد يقبل منهم بعد بعثته.
ووجود يهود ونصارى بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس معناه أن الله يقبل منهم ما هم عليه أو يعترف لهم بأنهم على دين إلهي.
كلا.
فلا دين بعد بعثة محمد إلا الدين الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)} [آل عمران: ٨٥].
وإذا كان الإسلام لا يُكره اليهود والنصارى على ترك معتقداتهم، واعتناق الإسلام فليس معنى هذا أنه يعترف بما هم عليه ديناً، أو يراهم على دين.
ومن ثم وعلى هذا فليس هناك دين مع الإسلام، هناك دين وهو الإسلام، وهناك لا دين وهو غير الإسلام.
والمسلم مطالب بحسن معاملة أهل الكتاب وغيرهم ما لم يؤذوه في الدين، ومطالب أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام كما يدعو سائر الكفار إلى الإسلام سواء.
وهو غير مأذون له في أن يكره أحداً من هؤلاء وهؤلاء على الإسلام، لأن الإيمان لا يدخل القلوب بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له، ولا منفعة منه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)} [البقرة: ٢٥٦].
فالإسلام جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب وعموم الكفار، ويدعوهم للدخول فيه، لأنه الحق وحده، وما سواه باطل غير مقبول.
فلا ولاء إذاً بين المسلمين وأهل الكتاب لا من ناحية الإيمان، ولا من ناحية إقامة منهج الله في الحياة، فكيف يكون التولي؟.
وكيف يكون تعاون المسلم مع من لا يؤمن بالإسلام ديناً ومنهجاً ونظاماً للحياة؟.
فالولي هو الله، والناصر هو الله، والاستنصار بغيره ضلالة، كما أنه عبث لا ثمرة له، ولكن لا يواليهم إلا من في قلبه مرض من المنافقين الذين لا يدركون حقيقة الإيمان: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)} [المائدة: ٥٢].
فالواجب على المسلمين أن ينتهوا عن موالاة اليهود والنصارى فضلاً عن سائر الكفار، لأنهم بموالاتهم يكونون معهم، ويرتدون بذلك عن الإسلام، ومن ارتد عن الإسلام بهذا الولاء أو بغيره فليس عند الله بشيء، وليس بمعجز الله، ولا ضار لدينه.
ولله أولياء وناصرون مدخرون في علم الله، إن ينصرف هؤلاء، يجيء الله بهؤلاء، يقومون بكل ما تركه أولئك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)} [المائدة: ٥٤].
فالله على كل شيء قدير، يختار من عباده المؤمنين من يقوم بإقرار دين الله في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في حياتهم، وتنفيذ شريعته في خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن رفض هذا الفضل، فالله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم، من قوم يحبهم ويحبونه، ولا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي، الذي يعرف من هو الله.
وحب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته، وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها.
وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمراً هائلاً عظيماً، وفضلاً من الرب جزيلاً، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه، وتعريفه هذا المذاق الجميل، هو إنعام هائل عظيم، وفضل من الله جزيل: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)} [هود: ٩٠].
فليست العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع، بل بين الله وعباده علاقة الرحمة، علاقة العدل، علاقة الإحسان، علاقة العفو، علاقة الود: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)} [الحج: ٦٥].
وقد حدد الله للمؤمنين جهة الولاء الوحيدة، والتي تتفق مع صفة الإيمان، وبين لهم من يتولونه بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)} [المائدة: ٥٥].
وهكذا كشف الله جهة الولاء بأن تكون لله ورسوله والمؤمنين، وأن يكون الإسلام هو الدين، ويكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وغيره.
ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان، أو مجرد راية وشعار، أو مجرد كلمة تقال باللسان، فإن الله وصف المؤمنين الذين يتولاهم المسلم ويتولونه بأنهم الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون ربهم.
مختارات

