فقه النعم والمصائب (٣)
وإنعام الله على عباده يتضمن:
إنعامه بكل ما يحتاجونه في حياتهم من طعام وشراب ومال ونحو ذلك.
وإنعامه بالهداية التي هي الإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح.
وإنعامه بحسن الثواب والجزاء يوم القيامة، فهذا تمام النعمة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
والنعمة نعمتان:
نعمة مطلقة.
ونعمة مقيدة.
فالنعمة المطلقة هي المتصلة بسعادة الأبد وهي الإسلام، وهي خاصة بالمؤمنين، وهي معروضة على سائر البشر، وحق لهم جميعاً.
فمنهم من قبلها وهم المؤمنون فأورثهم سعادة الأبد.
ومنهم من ردها وبدلها فأورثهم ذلك شقاوة الأبد، وهؤلاء بمنزلة من أعطي مالاً ليعيش به فرماه في البحر، فأعقبه فعله الندامة والخسران والهلاك.
فما أعجب حال هؤلاء، وما أشد عقوبتهم إذا قدموا على ربهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)} [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠].
ونعمة الإسلام هي النعمة الكبرى التي يفرح بها المؤمنون كما قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)} [يونس: ٥٨].
أما النعمة الثانية: فهي النعمة المقيدة، وهذه النعمة مشتركة بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، بأشكالها وأنواعها كنعمة الصحة والغنى، والأمن والرخاء، ونعمة الولد والزوجة الحسناء، ونحو ذلك.
وأفضل النعمتين نعمة الإيمان.
وما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينة.
وإن كان يسوؤه فهو نعمة من جهة أنه يكفر خطاياه، ويثاب بالصبر عليه، ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها.
وهاتان النعمتان تحتاجان مع الشكر إلى الصبر.
أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر.
وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها ومعها، فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء.
والعبد مأجور في كلتا الحالتين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» أخرجه مسلم (١).
ومحبة النعم.
ومحبة المنعم.
بينهما كما بين المشرق والمغرب.
فالمؤمن عند النعم يذكر المنعم، ويتوجه إليه بالعبودية بالذكر والحمد والشكر.
والكافر يشتغل بالنعم عن المنعم، لأنه يعرف قدر النعم، ولا يعرف قدر المنعم.
ولو أن ملكاً عظيماً أهدى لأحد جوهرة نفيسة مثلاً، فإنه سيكون لها نوعان من المحبة، وسيتلذذ بها بشكلين من اللذة:
الأولى: المحبة التي تعود إلى أصل الجوهرة من حيث جمالها وحجمها وقيمتها، والتلذذ بحسنها، وهي لذة جزئية إلى زوال.
الثانية: محبة للتكرمة السلطانية التي ظهرت بالجوهرة، فهي ثناء مجسم من السلطان.
وهكذا الإنسان إذا وجه محبته إلى النعم والأموال بالذات، فتلك محبة نفسانية زائلة مؤلمة، أما إذا كانت المحبة متوجهة إلى جهة التكرمة الربانية له، فهي شكر معنوي، ولذة تورث أكمل سعادة.
وإذا أنعم الله على إنسان بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها الله عليه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه فـ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: ١١].
وكل من زالت عنهم النعم من الأمم الماضية إنما هو بسبب مخالفة أمر الله ومعصية رسله: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)} [الأنفال: ٥٣].
فما حفظت نعمة الله بشيء مثل طاعته.
ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره.
ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه.
فالمعاصي نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس.
والله عزَّ وجلَّ هو الرزاق الذي يرزق المخلوقات جميعاً، وما من مؤمن ولا فاجر إلا وقد كتب الله تعالى له رزقه من الحلال، فإن صبر حتى يأتيه، وطلبه بوجوه الحلال آتاه إياه حلالاً.
وإن جزع فتناول شيئاً من الحرام، نقصه الله من رزقه الحلال.
والله على كل شيء قدير وهو العليم الحكيم.
قسم جميع أرزاق الخلائق.
وجميع الدواب.
وجميع ما في البر والبحر من الحيوانات والدواب.
والحشرات والطيور.
والإنس والجن.
وغيرهم مما لا يعلمه إلا الله.
قسم سبحانه رزق كل مخلوق:
من حيث الكمية والنوعية.
ومن حيث الزمان والمكان.
فقدر سبحانه رزق كل مخلوق فلا يزيد.
وقدر نوع الأرزاق فلا تتغير.
وقدر وقت الأرزاق فلا تتقدم ولا تتأخر.
وقدر مكان الأرزاق فلا تتغير، فمن قطع له رزقه في بلد لم يأخذه إلا من ذلك البلد.
والرزق يطلب الإنسان كما يطلبه أجله، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأثرها وعملها.
ولا بد لكل مخلوق من الرزق، وقد تكفل الله بأرزاق الخلق كلهم، وكل ما يتناول الإنسان من الحلال والحرام دال في هذا الرزق.
فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، ويرزقون رزقاً حسناً، وقد لا يرزقون إلا بتكلف.
والمؤمنون يرزقهم الله بالأسباب المشروعة، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: ٣].
ولا يكون رزقهم بالأسباب المحرمة، ولا يكون خبيثاً، والله يرزق المؤمن ما يحتاج إليه، ويحميه من فضول الدنيا، رحمة به وإحساناً إليه، وصيانة له.
والغنى والفقر ليس دليلاً على إكرام الله للعبيد.
فقد يوسع الله الرزق على العبد إملاًْ واستدراجاً.
وقد يقدر عليه رزقه حماية له وصيانة.
وقد يضيق الله على بعض المؤمنين لما لهم من الذنوب.
فيحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه.
فالطاعات سبب للرزق والراحة.
والمعاصي سبب للحرمان والمصائب.
والإنسان ماكينة الأعمال، كالشجرة ماكينة الثمار، خلقه الله متفكراً عاملاً.
فإن اجتهد على الأموال والأشياء والمشاهدات تخدر قلبه عن الغيبيات، وثقلت عليه الطاعات، فارتكب المحرمات، وترك الطاعات، واشتغل بما قسم الله له، عن ما وعده الله به، وهو الجنة فلم يعمل لها.
وإن اجتهد على الإيمان والأعمال الصالحة تخدر قلبه عن المشاهدات، وأقبل على ربه، فاشتغل بالطاعات، واجتنب المحرمات، واشتغل بما وعده الله به، عن ما قسم له، من الرزق.
وفي هذه الحياة الدنيا متاع جذاب براق، وهناك أولاد وأرزاق، وشهوات ولذائذ، وجاه وسلطان.
وهناك نعم آتاها الله لعباده في الأرض تلطفاً منه، وهبة خالصة لم يعلقها بطاعة ولا معصية، ولا إيمان ولا كفر، وإن كان يبارك للطائع ولو في القليل، ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير.
ولكن هذا كله ليس له قيمة ثابتة باقية، إنما هو متاع زائل، محدود الأجل.
ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة، ولا يعتبر بذاته علامة رضى من الله أو غضب: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٦].
إنما هو متاع، وما عند الله خير وأبقى، خير في ذاته، وأبقى في مدته، ومتاع الحياة الدنيا زهيد معدود الأيام، وهو بالنسبة لنعيم يوم القيامة ومضة عين أو تكاد: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)} [الشورى: ٣٦].
والرزق نوعان:
أحدهما: ما علم الله وقدر أنه يرزقه لعبده، فهذا لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص.
الثاني: ما كتبه الله وأعلم به الملائكة، فهذا يزيد وينقص بحسب الأسباب التي قدرها الله.
فإذا كان الله قد قدر أنه يرزق العبد بسعيه واكتسابه ألهمه السعي والاكتساب.
وما قدره له من الرزق بغير اكتساب ولا سعي كالميراث والهبات والصدقات والوصايا يأتيه بغير اكتساب ولا سعي.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٩٩).
مختارات

