فقه الولاء والبراء (٣)
والله يعد الذين آمنوا في مقابل الثقة به، والتوكل عليه، والولاء له وحده، ولرسوله وللمؤمنين بالتبعية، وفي مقابل نبذ الصفوف إلا الصف الذي يتمحض لله، يعدهم النصر والغلبة والسعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)} [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وماذا يبقى من الكرامة للمسلم إذا أهين دينه، وأهينت عبادته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادةً للهزء واللعب؟.
فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الأفعال الشنيعة؟.
فليحذر المسلم من موالاة هؤلاء كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)} [المائدة: ٥٧، ٥٨].
فما يستهزئ بدين الله، وعباده المؤمنين به، إنسان سوي العقل، فالعقل حين يصح ويستقيم يرى في كل شيء من حوله دلائل الإيمان بالله، وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الدلائل والآيات، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله.
فالوجود كله يوحي بأن له إلهاً يستحق العبادة والإجلال والتعظيم، والحمد والشكر، والعقل حين يصح ويستقيم، يستشعر جمال العبادة وجلالها لإله هذا الكون فلا يتخذها هزواً ولعباً وهو صحيح مستقيم.
وقد وقع هذا الاستهزاء واللعب من الكفار واليهود والنصارى وما زال يقع، فكيف يواليهم المسلم؟.
إن الإسلام يأمر أهله بالسماحة، وحسن الخلق، وحسن المعاملة، مع أهل الكتاب، خاصة النصارى، ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعاً.
لأن الولاء هو النصرة، ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب كما هو الشأن في الكفار، وكيف تكون النصرة مع اختلاف الدين والعمل والهدف؟.
وكيف يتولى المسلم هؤلاء وهم كفار؟ {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)} [المائدة: ٦١]
وكيف يوالي المسلم أهل الكتاب وهم يسارعون في الشر، ويتسابقون في الإثم والعدوان، وأكل الحرام، خاصة اليهود: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)} [المائدة: ٦٢]
وعلامة المجتمع الخيِّر الفاضل أن يسود فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يوجد فيه من يستمع إلى من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
وهذه صفة المسلمين الذين قال الله عنهم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)} [آل عمران: ١١٠]
أما أهل الكتاب فقد لعنهم الله وغضب عليهم بعد كفرهم وصدهم عن سبيل الله، وعدوانهم، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال سبحانه:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)} [المائدة: ٧٨، ٧٩].
فكيف يوالي هؤلاء هؤلاء؟ وهما متواجهان متقابلان؟.
وكيف يوالي المسلم أهل الكتاب وهم لا يقيمون الدين في نفوسهم ولا في حياتهم؟.
فهم ليسوا على شيء من الدين كما قال سبحانه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)} [المائدة: ٦٨]
إن دين الله له روح وجسد.
ليس رايةً ولا شعاراً ولا وراثة.
دين الله حقيقة تتمثل في النفس والحياة.
تتمثل في عقيدة تعمر القلب.
وشعائر تقام للتعبد.
ونظام يصرف الحياة ورفق منهج الله.
ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل الشامل الجامع المانع.
ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وحياتهم، فأين أهل الكتاب من هذا؟.
إن البشرية كلها تنقسم في نظر المسلم إلى صفين:
صف المؤمنين.
وصف الكافرين.
على مدار الرسالات.
وعلى مدار القرون.
وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة بكل دين.
وبكل عقيدة من عند الله هي أمته، وأهلها هم إخوانه من لدن آدم إلى بعثة خاتم الأنبياء محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة.
وفي كل دين.
وفي كل زمان.
فيوالي المؤمنين.
ويتبرأ من الكافرين.
ويؤمن بالرسل جميعاً.
ويكفر بالطواغيت جميعاً.
إن البشرية لا تنقسم في تقرير المسلم إلى أجناس، وألوان، وأوطان، ولغات.
إنما تنقسم إلى أهل الحق، وأهل الباطل، وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل من كانوا، وأين كانوا، في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال.
وهكذا يتوحد الميزان الذي يقيم به الإنسان أياً كان، ويرتفع المسلم عن عصبية الجنس واللون، واللغة والوطن، إلى القمة العليا التي تصل الإنسان بالرب إيماناً وعبادة وتقوى كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)} [الحجرات: ١٣].
إنها قيمة الإيمان التي تشمل الجميع.
ويقوم بها الجميع.
ويحاسب بها الجميع.
وعليها يوالي المسلم ويعادي.
ويحب ويبغض.
ويسالم ويحارب.
فالمؤمنون إخوانه.
والكفار أعداؤه.
فلا يجوز للمؤمنين موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم في أمر من أمور المسلمين أبداً إلا عند الضرورة كما قال سبحانه: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)} [آل عمران: ٢٨].
ومدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله.
والاعتصام بحبله.
فأما الاعتصام بالله فإنه يعصم من الهلكة.
وأما الاعتصام بحبل الله فإنه يعصم من الضلالة.
فالاعتصام بالله: معناه التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)} [آل عمران: ١٠١].
والاعتصام بحبل الله: معناه التمسك بكتابه وشرعه الذي يحمي من البدعة وآفات العمل كما قال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)} [آل عمران: ١٠٣].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، أنت مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)} [الأعراف: ١٥٥].
مختارات

