فقه الولاء والبراء (١)
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)} [التوبة: ٧١].
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)} [الممتحنة: ١٣].
الله تبارك وتعالى ولي المؤمنين، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والشيطان ولي الكفار، والكفار والمنافقون بعضهم من بعض.
والفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان:
أن أولياء الرحمن: هم المؤمنون المتقون الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، وتحصل لهم كرامات بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة كنزول المطر بالاستسقاء، وشفاء المريض بالدعاء ونحو ذلك.
وهؤلاء لهم العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)} [يونس: ٦٢ - ٦٤].
أما أولياء الشيطان: فهم الضالون المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة، إما بعبادة غير الله، أو بعبادة لم يشرعها الله.
وهؤلاء تتمثل لهم الشياطين، ولهم أحوال شيطانية، وهم من جنس الكهان، يكذبون تارة، ويصدقون تارة، وفي أعمالهم يخالفون أوامر الله، وتقترن بهم الشياطين، لكنها لا تقترن بهم وتعينهم إلا مع نوع من البدعة، إما كفر وإما فسق، وإما جهل بالشرع.
فتحمل الشياطين أحدهم في الهواء، وتخبره ببعض الأمور الغائبة، وقد تأتيه بنفقة أو كسوة أو طعام ونحو ذلك من الأحوال الشيطانية، فتجد أحدهم ظالماً مرتكباً للفواحش، وملابساً للخبائث من النجاسات والأقذار التي تحبها الشياطين كما قال سبحانه: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)} [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
وكل من أعرض عن الله التحق به شيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)} [الزخرف: ٣٦، ٣٧].
وقد نهى الله تبارك وتعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين، وأخبر أن من تولاهم فإنه منهم.
ومن صور موالاة الكفار:
التولي العام لهم.
المودة والمحبة لهم.
الركون إليهم.
مداهنتهم وموالاتهم.
مجالستهم ومزاورتهم.
مصاحبتهم ومعاشرتهم.
الرضا بأعمالهم.
مشاورتهم وطاعتهم.
تقريبهم في المجالس.
استعمالهم في أمور المسلمين.
اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين.
البشاشة لهم وإكرامهم.
تعظيمهم وتسويدهم.
السكنى معهم في ديارهم.
استئمانهم وقد خونهم الله.
معاونتهم في أمورهم.
التشبه بهم، ونحو ذلك من صور الموالاة.
والمؤمن لا يستقيم إيمانه، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح بهم بالعداوة والبغضاء كما قال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة: ٢٢].
وقوله سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: ٤].
والناس في الولاء والبراء ثلاثة أقسام:
الأول: من يجب علينا محبته محبة خالصة، وهم المؤمنون وفي مقدمتهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وفي مقدمتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أهل بيته الطيبون، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الكرام، خاصة الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المفضلين، والمهاجرون والأنصار، وأهل بدر وبيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة رضي الله عنهم، ثم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين.
الثاني: من يبغض ويعادي، فلا محبة له ولا موالاة، وهم الكفار والمشركون، والمنافقون والملاحدة، والمرتدون ونحوهم كما قال سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)} [المجادلة: ٢٢].
لكن من لم يؤذ المسلمين منهم فيحسن بره والإحسان إليه لعل هذا يكون سبباً لهدايته.
الثالث: من نحبه من وجه، ونبغضه من وجه، وهم عصاة المؤمنين، نحبهم لما فيهم من الإيمان، ونبغضهم لما فيهم من المعاصي التي هي دون الكفر، ومحبتنا لهم تقتضي مناصحتهم والدعاء لهم، والإنكار عليهم، حتى يتوبوا ويكفوا عن معاصيهم.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
وقد وقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، والفرقان أعز ما في العالم، وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن يفرق به بين الحق والباطل، ويزن به حقائق الأمور خيرها وشرها، وصالحها وفاسدها.
ومن فقد الفرقان وقع ولا بد في أشراك الشيطان وحبائله.
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من ضده.
فعلى المسلم أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والحج والأعياد، وتعلم العلم والجهاد في سبيل الله، والدعوة والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.
فإن دعت الحاجة إلى مخالطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم، فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكنه أذى يعقبه عزٌ له ومحبة وتعظيم، وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين.
وموافقتهم على الشر يعقبه ذل له وبغض، ومقت وذم، منهم، ومن المؤمنين ومن رب العالمين.
وإن دعت الحاجة إلى مخالطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إن أمكنه، فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً ببدنه، غائباً بفكره، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية.
وما أصعب هذا، وما أشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه.
(١) أخرجه مسلم برقم (٤٩).
مختارات

