فقه حمل الأمانة (٧)
إن الإسلام هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة، سبقته صور منه تناسب أطواراً معينة من حياة البشرية.
وسبقته تجارب في حياة الرسل والأمم السابقة، تمهد كلها لهذه الصورة الكاملة الأخيرة من الدين الواحد، الذي أراد الله أن يكون خاتمة الرسالات، وأن يظهره على الدين كله في الأرض.
فقوم موسى الذين أرسله الله إليهم آذوه، وانحرفوا عن رسالته، فضلُّوا، ولم يعودوا أمناء على دين الله في الأرض: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)} [الصف: ٥].
وإذن فقد انتهت قوامة قوم موسى على دين الله، فلم يعودوا أمناء عليه، فقد زاغوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة، فزادهم الله زيغاً، وأزاغ قلوبهم، فلم تعد صالحة للهدى.
وكيف يهدون وهم غير مهتدين؟.
وضلوا فكتب الله عليهم الضلال أبداً، والله لا يهدي القوم الفاسقين.
وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله، فلم يعودوا يصلحون لحمل أمانة الدين والدعوة إليه، وهم على هذا الزيغ والضلال.
ثم تتابعت الرسل من بني إسرائيل، ثم أرسل الله عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم - ليقول لبني إسرائيل إنه جاء امتداداً لرسالة موسى - صلى الله عليه وسلم - مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وممهداً للرسالة الأخيرة، ومبشراً برسولها كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)} [الصف: ٦].
فلم يقل لهم نبي الله عيسى أنه الله، ولا أنه ابن الله، ولا أنه ثالث ثلاثة، بل قال إنه رسول الله، إنه عبد الله، جاء بدين الله الذي هو منهج واحد في أصله، متعدد في صوره وفق استعداد البشرية وحاجاتها وطاقاتها.
فلما اختلف بنو إسرائيل في عيسى - صلى الله عليه وسلم - وآذوه، وانحرفوا عن عقيدة التوحيد، وضلوا عن شريعتهم، وأضلوا غيرهم، لم يعودوا صالحين لحمل الرسالة الإلهية للناس.
فلما ضلَّ الناس، وانتشر الظلم والفساد في الأرض، ونحيت شريعة الله من حياة الناس، فلم يعمل بها، وكان مقرراً في علم الله، أن يستقر دين الله في الأرض كاملاً شاملاً في صورته الأخيرة على يد رسوله الأخير.
فأرسل الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى البشرية كافة إلى يوم القيامة: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)} [الصف: ٩].
وقد وقفت بنو إسرائيل في وجه الدين الجديد، الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وقفة العداء والكيد والتضليل، وحاربوه بشتى الطرق والوسائل، وأعلنوها حرباً شعواء، لم تضع أوزارها حتى اليوم: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)} [الصف: ٨].
ولقد ظهرت إرادة الله، فظهر هذا الدين على الدين كله.
ظهر في ذاته كدين، فما يثبت له دين آخر في حقيقته وصفائه، وشعائره وشرائعه، وأخلاقه وآدابه.
فأما الديانات الوثنية فهي هزيلة ليست بشيء؛ لأنها من أوهام البشر.
وأما الديانات الكتابية كاليهودية والنصرانية ونحوها، فهذا الدين الإسلامي خاتمها، وهو الصورة الأخيرة الكاملة الشاملة منها.
ولقد حرفت تلك الديانات.
وبدلت.
وشوهت.
ومزقت.
وزيد فيها ما ليس منها.
ونقصت من أطرافها.
وكتم بعضها.
وانتهت لحال لا تصلح معه لشيء من قيادة الحياة.
لا في العقيدة.
ولا في الشعائر.
ولا في الشرائع.
وحتى لو بقيت من غير تحريف ولا تشويه فهي نسخة سابقة لم تشمل كل مطالب الحياة المتجددة أبداً، لأنها جاءت في تقدير الله لأمد محدود، ولجيل محدود.
أما من ناحية واقع الحياة، فقد صدق الله وعده، فظهر هذا الدين قوة وحقيقة ونظام حكم على الدين كله.
فقد دانت له معظم الرقعة المعمورة من الأرض في مدى قرن من الزمان.
ثم زحف سلمياً إلى قلب آسيا وأفريقيا.
وما يزال يمتد بنفسه في كل بيت، وفي كل قرية، وفي كل مدينة، وفي كل دولة، على الرغم من كل ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد، تحقيقاً لوعد الله، بأن يظهر دينه على الدين كله.
فهل نؤدي الأمانة التي اختارنا الله لها، بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى، في العمل بالدين، وإبلاغه للبشرية كافة؟
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)} [الفتح: ٢٨]
إن هذا ليسكب في قلوب المؤمنين الطمأنينة، وهم ينفذون قدر الله في إظهار دينه الذي أراده ليظهر، وإن هم إلا أداة.
وما تزال حافزاً ومطمئناً لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد الله، وستظل تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر، حتى يتحقق وعد الله مرة أخرى في واقع الحياة بإذن الله.
إن الله تبارك وتعالى ينادي المؤمنين، ويهتف بهم إلى أربح تجارة في الدنيا والآخرة، تجارة الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)} [الصف: ١٠، ١١].
وإنها لأربح تجارة أن يجاهد المؤمن في حياته القصيرة، ثم يكسب مغفرة ذنوبه كلها، وإسقاط ديونه كلها، والفوز بالجنات والمساكن والقصور، ورضوان من الله أكبر: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)} [الصف: ١٢].
فهل انتهى حساب هذه التجارة الرابحة عند هذا؟
إنه لربح ضخم هائل أن يعطى المؤمن الدنيا، ويأخذ الآخرة.
لقد تمت المبايعة على هذه الصفقة من أول يوم حين بايع الأنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة في مكة.
عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس، فقال: «تُبَايِعُونِي عَلَى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَأمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» متفق عليه (١).
ولكن فضل الله عظيم، وهو يعلم من تلك النفوس أنها تتعلق بشيء قريب في هذه الأرض، فيبشرها بما قدره في علمه المكنون، من إظهار هذا الدين في الأرض كما قال سبحانه: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)} [الصف: ١٣].
وهنا تبلغ الصفقة ذروة الربح في الدنيا والآخرة، والذي لا يملكه إلا الله، ولا يعطيه إلا الله.
الله الغني الذي لا تنفد خزائنه، والذي لا ممسك لرحمته.
فمن الذي يدله الله على هذه التجارة، ثم يتقاعس عنها أو يحيد؟.
أما له في جنة الخلد من رغبة؟.
أما له في العزِّ من نصيب؟.
ألا من مشمر إلى الجنة؟.
ألا من مسارع إلى الخيرات؟.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)} [الصف: ١٤].
وهل هناك أرفع من هذا المكان؟.
وهل هناك أشرف من هذا العمل؟.
لقد قام الحواريون مع عيسى - صلى الله عليه وسلم - بنصرة دين الله، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، ثم أيد الله المؤمنين بالله، ونصرهم على أعدائهم، وأظهرهم عليهم.
لقد انتدبوا لهذا الأمر، ونالوا هذا التكريم من ربهم، لقيامهم بنصرة دين الله مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
فما أجدر أتباع سيد الرسل أن ينتدبوا لهذا الأمر الدائم، كما انتدب الحواريون للأمر الموقوت.
إن أتباع سيد الرسل وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - هم الأمناء على منهج الله في الأرض، وهم ورثة العقيدة والرسالة الإلهية بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وهم المختارون من بين الأمم لهذه المهمة الكبرى، والأمانة العظمى.
وقد منَّ الله على العرب الأميين، فاختارهم ليجعلهم أهل الكتاب المبين، ويرسل فيهم رسولاً منهم، يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم، ويخرجهم من أميتهم وجاهليتهم إلى نور العلم والإيمان، ويميزهم على العالمين كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)} [الجمعة: ٢، ٣].
ومع كل ما كانوا عليه في الجاهلية من جهل وضلال، فقد علم الله أنهم هم حملة هذه العقيدة، الأمناء عليها، بما علم سبحانه في نفوسهم من استعداد للخير والصلاح، ومن طاقة تنهض بهذه العقيدة الجديدة، ومن رصيد مذخور للدعوة الجديدة، ونشرها صافية في العالم، وإقامة حياة الناس في الأرض على أساسها.
فاستلمته أول طليعة من هذه الأمة.
وتلقته بالقبول والسمع والطاعة أول مجموعة من هذه الأمة، هم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد فرغت منه ونبذته نفوس اليهود التي أفسدها الذل الطويل في مصر.
فامتلأت بالعقد والالتواءات والانحرافات.
ومن ثم لم تستقم أبداً بعد ذلك، لا في حياة موسى ولا من بعده.
ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وحرفوا في دينهم، وبدلوا وغيروا، وظلموا وكذبوا، وصدوا عن سبيل الله، وقتلوا الأنبياء: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)} [البقرة: ٧٩]
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٧١٩٩)، ومسلم برقم (١٧٠٩) واللفظ له.
مختارات

