فقه النعم والمصائب (٨)
إن النموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هم المؤمنون:
وأفضل المؤمنين الأنبياء والرسل.
وأفضل الأنبياء والرسل أولو العزم (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد) صلوات الله وسلامه عليهم.
وأفضل هؤلاء الخليلان: إبراهيم أبو الأنبياء، ومحمد سيد الأنبياء، وأفضل الخليلين محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلُقاً، وكان خلقه القرآن، وقد مدحه ربه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)} [القلم: ٤].
فهل لنا بهم من أسوة؟.
وهل لنا بهم من قدوة؟:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)} [الأنعام: ٨٩، ٩٠].
وقال الله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)} [الأحزاب: ٢١].
إن الكفر بنعم الله وجحدها، واستعمالها في معصيته، جريمة تستحق العقوبة كما قال سبحانه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)} [النحل: ١١٢].
فالغنى يولد الطغيان والاستكبار، والطغيان يولد الإسراف والظلم، والإسراف يسوق الإنسان إلى التبذير، والتبذير دليل على الترف.
والترف يولد الجريمة.
وبعد الجريمة تنزل العقوبة.
والترف يفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر، ويسد المنافذ، ويفقد القلوب الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب.
ومن هنا يحارب الإسلام الترف، ويقيم نظامه على أساس لا يسمح للمترفين بالوجود في الجماعة المسلمة.
لأن الترف كالعفن يفسد ما حوله، حتى لنيخر فيه السوس، ويسبح فيه الدود.
فأين مصير المترفين الذين اشتغلوا به عن الإيمان بالله وطاعته وعبادته؟.
وأين هي دارهم؟: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)} [الواقعة: ٤١ - ٤٥].
والمترفون أشد الناس استغراقاً في المتاع والانحراف والذهول عن المصير، فهاهم يستيقظون على الكارثة الباغتة المفاجئة: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)} [المؤمنون: ٦٤ - ٦٧].
والله عزَّ وجلَّ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
ومسألة بسط الرزق وقبضه ليست دليلاً على غضب الله ورضاه، فهذه مسألة، وهذه مسألة أخرى، ولا علاقة بينهما: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)} [سبأ: ٣٥، ٣٦].
فقد يغدق الله على أهل الشر استدراجاً لهم ليزدادوا إثماً وبطراً وسوءاً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة عقوبة على معاصيهم: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
وقد يحرمهم فيزدادوا شراً وفسوقاً، وجريمةً وجزعاً، وضيقاً ويأساً من رحمة الله، فيتضاعف رصيدهم من الشر والضلال.
فالله سبحانه حكيم خبير بصير بعباده.
قد يغدق الله على أهل الشر استدراجاَ لهم، ليزدادوا إثماً وبطراً وسوءاً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، عقوبة على معاصيهم كما قال سبحانه: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)} [المؤمنون: ٥٦.
٥٥].
وقد يحرمهم فيزدادوا شراً وفسوقاً، وجريمة وجزعاً، وضيقاً ويأساً من رحمة الله، فيتضاعف رصيدهم من الشر والضلال.
فالله سبحانه حكيم رحيم، خبير بصير بعباده.
وقد يغدق الله على أهل الخير ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة، وما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل، ويدخرون بهذا كله رصيداً من الحسنات.
وقد يحرمهم فيبلون صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجائهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى، وينتهون بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان.
وبهذا نعلم أن الله قد يغدق الرزق على من هو عليه غاضب.
كما يغدقه على من هو عليه راضٍ.
وقد يضيق الله على أهل الشر.
كما يضيق على أهل الخير.
فمن وهبه الله مالاً وولداً فأحسن فيهما التصرف ضاعف الله له الثواب جزاء ما أحسن في نعمة الله، وليست الأموال والأولاد بذاتها هي التي تقربهم من الله، ولكن تصرفهم في الأموال والأولاد وفق أمر الله هو الذي يضاعف لهم الجزاء: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)} [سبأ: ٣٧].
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم في معرض دعوتهم إلى الهدى بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله، وأن الله غني عنهم كل الغنى، وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)} [فاطر: ١٥].
فهو سبحانه الغني الحميد، المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ولا بد من تذكيرهم بعظمة ربهم وقدرته، وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه، فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض، فإن ذلك عليه يسير: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)} [النساء: ١٣٣].
والناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، الأغنياء والفقراء، العامة والخاصة، السادة والعبيد، كلهم بحاجة أن يذكروا بهذه الحقيقة، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله عزَّ وجلَّ يعني بهم، ويرسل إليهم الرسل، ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة إلى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، فيركبهم الغرور، فيظنون أنهم شيء عظيم عند الله، وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملك الله تعالى وهو الغني الحميد.
إن الله جل جلاله إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً، وكرماً ومناً، لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته، لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم، أو ينقصون من ملكه شيئاً بعماهم، ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة، عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال، فيغتفر لهم ما يقع منهم، لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل.
وإن الله بالناس لرؤوف رحيم، يمنح العباد من رعايته، ويفيض عليهم من رحمته، ويغمرهم بسابغ فضله، بتسخير ما في السموات والأرض لهم، وإرسال رسله إليهم، وإنزال كتبه عليهم، واحتمال رسله ما يحتملون من إيذائهم وإعراضهم والسخرية منهم، وهم يعفون عنهم، ويصبرون على أذاهم.
إن الإنسان ليحار ويدهش في فضل الله ومنّه وكرمه حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل، الجاهل القاصر.
الضعيف العاجز، ينال من كرامة الله وعنايته ورعايته كل هذا القدر الهائل.
وإلإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض السابحة في الفضاء، والسماء والأرض مملوءة بمخلوقات لا يحصيها إلا الله، ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية والعناية كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)} [الإسراء: ٧٠].
فكم فضل الله وإحسانه إلى العباد، خلق الله الإنسان، واستخلفه في الأرض ووهبه كل أدوات الخلافة، سواء كان في تكوينه وتركيبه، أو تسخير القوى والطاقات الكونية الملازمة له في خلافته، ويظل هذا المخلوق يتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره.
فيرسل الله إليه الرسل رسولاً بعد رسول، وينزل على الرسل الكتب والآيات والمعجزات، ويخبرهم عن ذوات أنفسهم، وعمن سبقهم، ويسوقهم إلى ما ينفعهم، ويحذرهم مما يضرهم، كل ذلك من أجل هذا الإنسان.
والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة، ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته، وليستحيوا أن يقابلوا فضل الله الخالص، ورعايته المجردة، ورحمته الفائضة بالإعراض والجحود والإنكار.
وكتاب الله سبحانه يلمس بمثل هذه الحقائق الكبرى قلوب البشر، لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس، ولأنه هو الحق، وبالحق نزل، فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يقنع إلا بالحق، ولا يعرض إلا الحق، ولا يشير ويوصي بغير الحق.
فما أحوجنا إلى تدبر القرآن بنور الإيمان: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)} [ص: ٢٩].
والله عزَّ وجلَّ لطيف بعباده يرزق من يشاء، يرزق الصالح والطالح، والمؤمن والكافر، وهوالغني المالك لذلك، القادر عليه: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)} [الشورى: ١٩].
والبشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً، وقد وهبهم الله الحياة، وكفل لهم أسبابها الأولية، ولو منع الله رزقه عن الكافر والفاسق ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم، ولماتوا جوعاً وعطشاً وعرياً، وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى، ولما تحققت الحكمة من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم.
ومن ثم أخرج سبحانه الرزق من دائرة الصلاح والطلاح، والإيمان والكفر، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة، واستعداد الأفراد، وجعله فتنةً وابتلاءً يجزي عليهما الناس يوم الجزاء.
ثم جعل سبحانه الدنيا حرثاً والآخرة حرثاً يختار المرء منهما ما يشاء: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)} [الشورى: ٢٠].
فمن كان يريد حرث الآخرة عمل فيه، وزاد الله له في حرثه، وبارك له في عمله، وكان له مع حرث الآخرة رزقه المكتوب له في هذه الأرض لا يحرم منه شيئاً ولا مثقال ذرة.
ومن كان يريد حرث الدنيا أعطاه الله من عرض الدنيا رزقه المكتوب له، لا يحرم منه شيئاً، لكن ليس له في الآخرة نصيب، فهو لم يعمل في حرث الآخرة شيئاً ينتظر عليه ذلك النصيب.
وما أحمق الذين يريدون حرث الدنيا فقط، فالله بفضله يمد هؤلاء وهؤلاء، ولكل إنسان نصيبه من حرث الدنيا وفق المقدور له في علم الله، ثم يبقى حرث الآخرة خالصاً لمن أراده وعمل فيه.
مختارات

