فقه النعم والمصائب (٧)
إن الأموال نعمة من الله كسائر النعم، ولكنها بدون الدين تجعل الإنسان عبداً لها، وتصبح لعنة يشقى بها الناس، لأنها يومئذ تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية والآلية على حساب القيم الإيمانية العليا.
إن اعتراف الإنسان بأن الله هو الخالق الرازق يتبعه قطعاً أن يكون الله هو الرب المعبود، وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله، ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها الله البشر، وهي تشمل كل ما يرزقهم من السماء والأرض.
فليس لأحد أن يحلل أو يحرم فذلك حق الله وحده.
وهؤلاء الذين يحللون ويحرمون بما لم يأذن به الله، إنما يعتدون على حق الله وهو أمر التشريع، وهؤلاء ظالمون كافرون، كاذبون، ومن أطاعهم فهو مشرك مثلهم: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)} [يونس: ٥٩].
فالمشروعون اعتدوا على حق الله في الربوبية، وأتباعهم اعتدوا على حق الله في العبودية، وهو تناقض قبيح.
يدمغ الطرفين بالكفر والشرك، وكلاهما مركب إلى النار: {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)} [يونس: ٦٠].
والله رؤوف بالعباد، وذو فضل على الناس برزقه المادي الذي أودعه في هذه الأرض وفي هذا الكون من أجلهم، وأودع فيهم القدرة على معرفة مصادره، وأقدرهم على الاستكثار منه، ومكنهم من الانتفاع به.
والله كذلك ذو فضل على الناس بدينه الذي أنزله هدى ورحمة للناس، ليهدي الناس إلى منهج الحياة السليم القويم: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)} [يونس: ٦٠].
فإذا لم يشكروا الله على هذا الرزق، وذلك الرزق، فإنهم يشقون في الدنيا بالهم والتعب، ويشقون في الآخرة بنار الجحيم والسعير.
إن شكر النعمة دليل على استقامة النفس البشرية، فالخير يُشكر، لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة.
والنفس التي تشكر الله على نعمته تراقبه في التصرف بهذه النعمة بلا بطر وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والفساد.
وهذا كله مما يزكي النفس ويدفعها للعمل الصالح والتصرف الصالح في النعمة بما ينميها، ويبارك فيها كما قال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)} [إبراهيم: ٧].
والكفر بنعم الله له صور:
فقد يكون بعدم شكرها.
أو بإنكار أن الله واهبها.
أو نسبتها إلى العلم والخبرة.
أو الكد الشخصي والسعي.
كأن هذ الطاقات ليست نعمة من نعم الله.
وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على الناس.
وقد يكون باستغلالها للشهوات والفساد.
وكل ذلك كفر بنعمة الله.
والعذاب الشديد الذي يصيب من كفر بالنعمة له صور:
فقد يتضمن حق النعمة عيناً بذهابها.
أو سحق آثارها في الشعور.
فكم من نعمة شقي بها صاحبها وحسد الخالين.
وقد يكون عذاباً مؤجلاً إلى أجله في الدنيا.
أو مؤجلاً في الآخرة.
فهو وإن تأخر فهو واقع.
لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء.
والله غني عن العباد وعن طاعاتهم، وهم الفقراء إليه.
وصلاح الحياة يتحقق بشكر الناس لربهم، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير، وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم، فلا تخشى نفاد النعمة وذهابها، ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها، فالمنعم موجود، والنعمة بشكره تزكو وتزيد.
وأعظم النعم نعمة الإيمان بالله وتوحيده وعبادته، ولكن النفوس المريضة لا تقبل هذه النعمة ولا تحس بالحاجة إليها، بل قد تشعر أنها تضرها كم قال كفار مكة للرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)} [القصص: ٥٧].
ألا ما أعجب حال هؤلاء الذين وهبهم الله نعمة الإيمان، الذي هو النور الذي يهتدي به الإنسان إلى السعادة في الدنيا، ويصل به إلى الجنة في الآخرة.
ثم هم يتركون هذا كله.
ويأخذون بدله كفراً.
أولئك هم السادة والقادة من الكبراء.
وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم وأنزلوهم بها، وبئس ما أحلوهم من مستقر: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)} [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
إن عقيدة الإيمان والتوحيد هي النعمة الكبرى على البشرية كلها، وبها يصل إلى كل ذي حق حقه، وهي خطر على سلطان الطواغيت في كل زمان ومكان، يحذرونها ويحاربونها ويتقونها بكل وسيلة، لأنهم لا يسمحون بإعطاء كل ذي حق حقه.
إن الله تبارك وتعالى غني كريم، فتح باب الكون على مصراعيه، تنطق سطوره الهائلة بآيات الله الكبرى، وبنعم الله التي لا تحصى، وتتوإلى صفحاته بألوان هذه النعم على مد البصر، معروضة ومبذولة كل آن:
السموات والأرض.
والشمس والقمر.
والليل والنهار.
الماء النازل من السماء.
الثمار النابتة من الأرض.
البحر الذي تجري فيه الفلك.
وتسبح فيه المخلوقات.
والأنهار تجري بالأرزاق.
والجبال خزائن المعادن والذهب والفضة.
والماء الذي ينبع من الأرض.
والبترول الذي يخرج من الأرض.
أرأيت أعظم من هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار، والتي تدل على عظمة خالقها وقدرته، وعلمه وحكمته، وكرمه ورحمته؟.
ولكن البشر المنحرفين عن منهج الله لا ينظرون ولا يتدبرون ولا يشكرون.
إن الإنسان لظلوم كفار يبدل نعمة الله كفراً، ويجعل لله أنداداً، وهو سبحانه الخالق الرازق المسخر هذا الكون كله للإنسان: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)} [البقرة: ٢٢].
أفكل هذا مسخر للإنسان؟.
أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟.
أفكل هذه النعم موضوعة بين يديه وتحت تصرفه؟.
ثم هو لا يشكر ربه ولا يذكره.
وبعد ذلك يجعل لله أنداداً ليضل عن سبيل الله؟.
ويحارب ربه ودينه بنعمه؟.
ألا ما أجهل الإنسان.
وما أظلمه.
وما أكفره.
إن المطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله الكون عليها، وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله، لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة، وإمداها بعوامل الحياة من تربة وماء، وأشعة وهواء.
إن أقل رزق يرزقه الله الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام لا يعلمه إلا الله حتى يصل إليه هذا الرزق.
فمتى يدرك الإنسان كيف هو محمول مكفول من ربه؟.
وكيف ربه الغني عن العالمين يحتفي به ويتودد إليه؟.
وكيف يعطيه من كل ما سأل من مال وذرية، وصحة وغنى، وزينة ومتاع؟.
قال الله سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
أفيليق بالإنسان بعد رؤية هذه الآيات العظمى ألا يؤمن بالله؟.
وبعد رؤية هذه النعم الكبرى ألا يشكر ربه؟.
وبعد رؤية هذه، وهذه أن يبدل نعمة الله كفراً؟.
وبعد ذلك كله أيليق به أن يجعل لله نداً يعبده من دون الله؟.
حقاً إن الإنسان ظلوم جهول كفار، خاصة إذا لم يهتدِ بوحي السماء، ولم يؤمن بما جاء به الأنبياء.
إن المؤمن حين ينظر في ملكوت السموات والأرض، ويتأمل ويتدبر ما فيهما من آيات وعجائب، يرتجف فؤاده، ويخشع قلبه، وتخضع جوارحه، ويقف بين يديه ساجداً شاكراً.
مختارات

