فقه النعم والمصائب (٩)
وأرزاق العباد كلها في السماء، ومكان الاستلام في الأرض كما قال سبحانه: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)} [الذاريات: ٢٢].
إن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض حيث يكد فيها الإنسان ويكدح، وينتظر من ورائها الرزق والنصيب.
ولكن القرآن يرد بصر الإنسان، ونفسه إلى السماء، إلى الغيب، إلى الله، ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم، والخط المرسوم.
أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة فهي آيات للموقنين، آيات ترد القلب إلى الله، ليتطلع إلى الرزق من فضله، ويتخلص من أثقال الأرض، وأوهاق الحرص، والأسباب الظاهرة للرزق، فلا يدعها تحول بينه وبين التطلع إلى المصدر الأول الذي أنشأ هذه الأسباب.
والقلب المؤمن بربه يدرك هذه اللفتة، ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها، فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها، إنما المقصود هو ألا يعلق نفسها بها، وألا يغفل عن الله في عمارتها.
ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه، فرزقه مقدر في السماء، وما وعد الله لا بد أن يكون في مكانه وزمانه ومقداره.
وبذلك ينطلق قلبه من أسار الأسباب الظاهرة في الأرض، ويراها آيات تدله على خالق الأسباب، ويعيش قلبه موصولاً بالسماء، وقدماه على الأرض، والإيمان هو الوسيلة التي تجعل الإنسان مفضلاً على العالمين.
وإذا استقام الناس على الدين، أفاض الله عليهم الرزق والرخاء، وابتلاهم به، لينظر أيشركون أم يكفرون.
فإذا آمنوا واتقوا فتحت عليهم بركات السماء والأرض، وتدفقت عليهم الأرزاق.
وإذا حادوا عن الطريق استلبت منهم الخيرات، وما يزالون في نكد، وفي شظف حتى يعودوا إلى الله: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)} [الجن، ١٦، ١٧].
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
وإذا كانت هناك أمم لا تستقيم على دين الله ثم تنال الوفر والغنى، فإنها تعذب بآفات أخرى في إنسانيتها أو أمنها، أو قيمة الإنسان وكرامته فيها، تسلب عن ذلك الغنى والوفر معنى الرخاء والطمأنينة، وتحيل الحياة إلى تعاسة وتردٍ في الأخلاق.
والرخاء كالشدة ابتلاء من الله للعباد وفتنة كما قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: ٣٥].
والصبر على الرخاء، والقيام بواجب الشكر عليه، والإحسان فيه، أشق على النفس من الصبر على الشدة.
فكثيرون يصبرون على الشدة ويتماسكون لها، بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة، ومن ذكر لله والتجاء إليه، واستعانة به، حين تسقط الأسناد في الشدة، فلا يبقى إلا ستره وعونه.
فأما الرخاء فيلهي وينسي ويطغي، ويرخي الأعضاء، ويقيم عناصر المقاومة في النفس، ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة، والاستنامة للشيطان، والكبر والطغيان: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)} [العلق: ٦، ٧].
والله سبحانه الذي أعطى النعم للإنسان قادر على أخذها.
ولذلك فأول الأشياء في بقاء النعم:
نسبة الفضل إلى الله في حصولها للعبد.
وشكر الله عليها.
واستعمالها في طاعته.
وأداء حق الله فيها من الزكاة.
وإخراج حق من أوصى الله بهم من الفقراء والمساكين.
وذلك الذي يحفظها ويزيدها بركةً ونماءً.
فإن أنكر الإنسان قدرة الله في حصول النعمة ونسبها إلى نفسه، عاقبه الله بتلفها وزوالها كما حصل لقارون، حيث خسف الله به وبداره الأرض.
وإن منع حق الفقراء والمساكين منه، عاقبه الله كذلك بزوالها، وانتقم لحق الفقراء منه.
وقد تكفل بأرزاق الخلائق كلها كما قال سبحانه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)} [هود: ٦].
وليس المقصود هنا أن هناك رزقاً فردياً مقدراً لا يأتي بالسعي ولا يتأخر بالقعود، ولا يضيع بالسلبية والكسل.
وإلا فأين الأخذ بالأسباب التي أمر الله بالأخذ بها؟.
إن لكل مخلوق رزقاً علم الله كميته ونوعيته، وحدد زمانه ومكانه، وهذا الرزق مذخور في هذا الكون، مقدر من الله في سننه التي ترتب الإنتاج على الجهد، فلا يقعدن أحد عن السعي وابتغاء فضل الله، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة.
ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات، حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحداً، ولا تتخلف أو تحيد.
إنما هو كسب طيب.
وكسب خبث.
وكلاهما يحصل من عمل وجهد.
فالأول له ثواب.
والثاني عليه عقاب.
إن الإسلام نعمة الله الكبرى على البشرية فهل من يأخذها، ويشكر المنعم بها، ويتقرب إلى الله بها، ويمشي بها في الناس؟.
والإنسان مغمور بنعم الله السابغة الوافرة التي لا يدرك مداها، ولا يحيط بقدرها ولا يحصي أنماطها، فهل ذكرته بربه؟، وهل جعلها عوناً له على طاعته؟، وهل دفعته إلى إخلاص العبادة للمنعم الشاكر؟.
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)} [النساء: ١٤٧].
واستمرار النعم تترى على العباد مع معاصيهم دليل على أن المنعم غفور رحيم، ومن رحمته أنه لا يعطي النعمة للشاكرين وحدهم، أو للمؤمنين وحدهم، بل غمر بها المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، والبر والفاجر.
ومن رحمته أنه لا يحرم من يعصيه من نعمه، ولو لم يكن الله رحماناً رحيماً لمنع نعمه عمن عصاه، ولو لم يكن الله عفواً غفوراً لمنع نعمه عمن كفر به، ونعم الله لا تعد ولا تحصى، وخزائنه مملوءة بكل نعمة، وهي لا تنقص ولا تفنى.
والله سبحانه تارةً يعرض نعمه الواسعة على الخلق، ثم يعرض بعد ذلك ما فعل الإنسان بهذه النعم كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
وتارةً يذكر نعمه على الخلق، ثم يذكر عموم مغفرته ورحمته لمن أطاعه وعصاه كما قال سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)} [النحل: ١٨].
ولولا رحمة الله، ولولا عفو الله، ولولا مغفرة الله ما بقيت لنا نعمة.
والله حكيم عليم غني كريم، فقبل أن ينزل الإنسان إلى الأرض خلق الله له النعم، وهيأ له ظروف الحياة، وقسم لكل إنسان رزقه، سواء كان مؤمناً أو كافراً، فالنعمة سبقت المنعم عليه.
فالله خلق الإنسان فوجد الكون مهيأ له من ربه.
الشمس تدفئه وتعطيه الحياة.
والأرض تطعمه وتعطيه الثمر.
والمطر ينزل عليه فيسقيه.
والهواء موجود أينما كان لتنفسه بسهولة.
والنهار مسخر له ليعمل وينتج.
والليل لينام ويستريح.
فكل هذه الأشياء خلقها الله ليجدها الإنسان في الكون في خدمته قد سبقته: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)} [لقمان: ٢٠].
وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)} [يس: ٧١ - ٧٣].
والنعم التي أنعم الله بها على الخلق، والمصائب التي تصيب الخلق، كلها قد كتبت في اللوح المحفوظ صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل منه أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)} [الحديد: ٢٢].
وقد أخبر الله عباده بذلك لأجل ألا يأسوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، فلا بد من وقوعه، فلا سبيل إلى دفعه.
ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بذكر وشكر من أولى النعم، ودفع النقم: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٣].
وجميع المصائب في النفس والمال، والأهل والأولاد، والأحباب ونحوهم، كل ذلك كائن بقضاء الله وقدره، وقد سبق بذلك علم الله تعالى، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته.
والشأن كل الشأن هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها؟.
فإن قام بها فله الثواب الجزيل والأجر الجميل في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من عند الله فرضى بذلك وسلم لأمر الله، هدى الله قلبه فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب، وصبر على قضاء الله، حصل له بذلك ثواب عاجل مع ما يدخر الله له يوم الجزاء من الثواب كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)} [التغابن: ١١].
ومن لم يؤمن بالله عند ورود المصائب، فلم يلحظ قضاء الله وقدره، بل وقف مع مجرد الأسباب، فإن الله يخذله ويكله إلى نفسه، والنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي هو عقوبة عاجلة على العبد قبل عقوبة الآخرة.
والله تبارك وتعالى لا بد أن يبتلي عباده بالمصائب والمحن ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، والمؤمن من المنافق.
وهذه سنة الله في عباده، لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، وهذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين.
مختارات

