الخزانة السابعة..
خلق الله ﵎ الإنسان في أحسن تقويم، وخلقُ الإنسان من أعظمُ الدلائل على خالقه وفاطره: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وفي الإنسان من العجائب الدالة على عظمة الله وقدرته وكمال علمه وإرادته ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه وتعجز العقول عن إدراك كونه وتعجز الألسنة عن وصفه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ٥ - ١٠].
وقد أمرنا الله ﷿ بالنظر والتدبر والتفكر في خلق الإنسان نظر اعتبارٍ وتفكر وتأملٍ وتدبر، وكما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ولو فكر الإنسان في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره، كما قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ١٧ - ٢٢].
وقد خلق الله آدم من تراب، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠].
والتراب إذا أُضيف إليه الماء صار طينة، كما قال سبحانه:﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢].
والطينُ إذا تغير واسود لطول مجاورته للماء فصار حمأً ثم صار مسنونًا، والمسنون المصور أو المصبوب الذي ييبس،كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦].
فإذا يبس الطين واشتد صار صلصالًا، وهي المرحلة الأخيرة من خلق الإنسان كما خلق الإنسان من صلصال كالفخار أما الإنسان الذرية فقد خلقه الله من نطفة وهي الماء، فهو سبحانه الذي أحسن كل شيءٍ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالةٍ من ماءٍ مهين، وقد بين الله ﷿ أطوار خلق الآدميين من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
وقال النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ».
متفقٌ عليه.
وقد وكل الله بالرحم ملكًا فإذا كمل النطفة في الرحم أربعون يومًا وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلودها ولحمها وعظامها وسويٌ أو غيرُ سوي وذكر أو أنثى، كل ذلك حسب أمر ربه لا يزيد الملك على ما أُمر ولا ينقص، فالملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال النبي ﷺ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ».
أخرجه مسلم.
وهذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وجعله أفضل العالمين حلقه الله يبقى أبد الآباد وما سواه يفنى إلا من استثنى من الله ﷿ وكل فردٍ من بني آدم سيظل حيًا وسينتقل من حالٍ إلى حال ومن دارٍ إلى دار، كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]
فأول طباقه كونه نطفة ثم مضغة ثم علقة ثم جنينًا ثم مولودًا ثم رضيعًا ثم فطيمًا ثم طفلًا ثم شابًا ثم شيخًا ثم هرمًا إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت ثم يبعث بين يدي الله ثم يحاسب ثم يصير إلى الجنة أو النار حسب عمله، فهذه ستة عشرة طبقًا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].
ويركب الإنسان أثناء هذه الأحوال أطباق عديدة من حالٍ إلى حال كالصحة والمرض والعافية والبلاء والغنى والفقر والسعادة والشقاء، وهكذا حتى يستقر في دار القرار في الجنة أو النار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد، سبحان من هذا خلقه وهذا أمره وهذه قدرته: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وقد خلق الله الإنسان في كبدن كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤].
فابن آدم يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة، فالإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم ثم عند ولادته ثم على خطر عظيم عند بلوغ حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي والبلاء والامتحان، ثم مكابدة الموت ثم بعده في البرزخ.
ثم مكابدة أهوال يوم القيامة، ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فينبغي لو أن يسعى في عملٍ يريحه من هذه الشدائد ويجلب له الفرح والسرور الدائم في الجنة، وذلك بالإيمان والأعمال الصالحة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فقه خلق الإنسان:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
وصوره فأحسن صورته: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤].
• وجعل فيه تسعة أبواب:
بابان للسمع وهما الأذنان، وبابان للبصر وهما العينان، وبابان للشم وهما في الأنف، وبابا لخروج فضلات البول والغائط، وبابٌ للكلام والنفس والطعام والشراب وهو الفم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ونشأة الإنسان كانت كنشأة النبات من عناصرها الأولية يتكون ومن عناصرها الأولية يتغذى فهو نباتٌ من نباتها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧ - ١٨].
فالإنسان والنبات كلاهما نبات من نبات الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم شرابه وطعامه، وكما أن في النبات الحلو والمر والنافع والضار وفي الأزهار والثمار وذا الشوك والسم، فكذلك في الإنسان المسلم والكافر والمطيع والعاصي والبر والفاجر، وذي الإيمان والأعمال الصالحة، وذي الشر والفساد، ولكلٍ أجل ولكلٍ عمل، ولكلٍ مقعدٍ إما في الجنة أو في النار، وكلٌ راجعٌ إلى ربه ومحاسبٌ على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
إن خلق الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة وبهذه الوظائف اللطيفة المتنوعة الكثيرة تُدهش العقول وتحير الألباب، ولكننا نسيناها لطول تكرارها ولقربها منا وأُلفنا لها، إن التركيب العضوي لجارحةٍ واحدة من جوارح الإنسان مسألةٌ تُدير الرأس عجبًا ودهشةً وعبرة، وفي تركيبه النفسي أشد تركبًا وتعقدًا من تركيبه العضوي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
إن هذا الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض،كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ولكنه يغفل عن قيمته وعن أسراره الكامنة في كيانه حين يغفل القلب عن الإيمان عن ربه، وحين يُحرمُ نعمة اليقين:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
إن آيات الرب ﵎ في خلقه وفي مخلوقاته تبصرةً وذكرى يتبصر بها من عمى قلب، ويتذكر بها من غفلته فيُعظم ويُكبر من خلقه ويحمده ويشكره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فالمضاد للعلم إما عمل قلب وزواله بالتبصر، وإما غفلته وزواله بالتذكر، وأعظم وأفضل ما أُنفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب بالله وتعظيمه وتوقيره سبحانه دون شيءٍ من مخلوقاته وذلك بتوحيده والإيمان به وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
إن هذا الإنسان عجيبةٌ عظيمة في تكوينه الجسماني في أسرار هذا الجسد، وعجيبةٌ في تكوين الروح في أسرار هذه النفس، وحيث ما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير خلق أعضائه وتوزيعها وأشكالها ووظائفها في كل عضو من أعضائه بل في كل جزءٍ من عضو خارقةً تُحير الألباب لو كانت هناك عقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ [يس: ٧٧].
وأعجب من هذا أسرار روحه وطاقاتها المعلومة والمجهولة، إدراكٌ للأشياء، وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها، وهذه المعلومات والصور والكلمات أين خُزنت؟ وكيف انطبعت؟ وكيف تستدعى فتجيء؟ ومن ألف وجمع في المخ؟ آلاف الآيات والكتاب والحديث والكلمات والقصص والأشعار والصور وغيرها، ومن حفظها في الذهن كما يحفظ المال في الخزانة؟.
ثم أسراره في توالده وتكاثره خليةٌ واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص، وكل فرض من هذا الإنسان عالمٌ وحده وطبعةٌ خاصة لا تتكرر أبدًا على مدى الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعًا لا في شكله وملامحه ولا في عقله ومداركه ولا في روحه ومشاعره، فكل فرد نموذج خاص وطبعةٌ فريدةٌ لا تتكرر: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وما أعظم واضع هذه الأعضاء في أماكنها وتمكينها من أداء وظائفها، وما أعظم وأمتع تلك اللحظات التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم بعين العابد السائح الذي يتجول في معرض عظيم في معرض عظيم من إبداع أحسن الخالقين، ألا ما أعظم الخالق وأعظم صنعه وخلقه:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وما أخطر الجهل وما أسوأ الغفلة، وما أضل من جهل نفسه وجهل ربه.
متى يتفكر الإنسان في نفسه؟ ومتى ينتبه القلب من رقدته؟ ومتى يعود العبد إلى ربه؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣].
• فقه خلق الإنسان:
إن سبب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة هو الإيمان بالله ﷿ وتقواه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فسبب الخسران في الدنيا والآخرة الفكر فيما يفنى والجهد في غير محله والجلوس على موائد الشيطان والإعراض عن موائد الرحمن والجهل بالله وبأسمائه وصفاته ودينه وشرعه ووعده وعيده، إن الرابح حقًا من حجز المقاعد كلها للدين الفكر واللسان والسمع والبصر والقلب والعقل والروح والبدن والوقت وبقية الجوارح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ٥ - ١٠].
انظر أيها الإنسان إلى النطفة التي خلقها الله إنها تحتوي على أكثر من مئة ألف إنسان قابلٍ للحياة في كل دفقةِ منيٍ من مني من الإنسان، فسبحان من جمع هذه الخلائق في قطرة ماءٍ مهين ضعيف مستقذر، لو مرت به ساعة من الزمان فسدت وأنتنت، وتأمل كيف استخرجها الرب العلي القدير من بين الصلب والترائب منقادةً لقدرةً مطيعةً لمشيئته مع ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها في الرحم.
وتأمل كيف جمع الله ﷿ بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه؟ وكيف قدر سبحانه اجتماع ماء الرجل وماء المرأة وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجعلهما في موضعٍ واحد، وجعل الله لهما قرارًا مكينًا ينشأ فيه الولد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون: ١٣].
ثم قلب تلك النطفة أيضًا المشرقة إلى علقةٍ حمراء تضرب إلى السواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفةً للعلقة في كونها وشكلها، ثم جعلها العزيز العليم عظامًا مجردة ولا كسوة عليها مباينةً للمضغة في شكلها وقدرها.
ثم انظر كيف قسم الله ﵎ تلك الأجزاء المتشابهة إلى الأعصاب والعظام والعروق والأوتار والأعضاء والأجهزة واليابس واللين، ثم تأمل كيف ربط سبحانه بعضها ببعض بأقوى رباط وأشده، وكيف كساها لحمًا ركبه عليها وجعله وعاءً لها وغشاءً وحافظًا، وجعله العظام حاملةً له فاللحم قائمٌ بها وهي محفوظةٌ به.
ثم انظر إلى صنع الخالق الباري المصور الخلاق العليم كيف صورها فأحسن صورها؟!
وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ، ثم تأمل كيف مد اليدين والرجلين كالأعمدة وبسطهما وقسم رؤوسهما إلى أصابع ثم قسمهما إلى أنامل وزودا أطرافها بالأظفار.
ثم انظر كيف خلق سبحانه تلك النطفة؟!
الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والأمعاء والمثانة والمرارة وغيرها، كلٌ منها له قدرٌ يخصه وعملٌ يخصه ومنفعةٌ تخصه وشكلٌ يخصه ومكانٌ يخصه، فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢ - ٣].
ثم انظر في حكمة العليم الحكيم في تركيب العظام قوامًا للبدن وعمادًا له، وكيف قدرها ربه بتقادير مختلفة وأشكالٍ متنوعة، فمنها الصغير والكبير، ومنها الطويل والقصير، والمنحني والمستدير، والمصمت والمجوف، وركب بعضها على بعض وربط بعضها ببعض.
وتأمل كيف اختلفت أشكاله باختلاف منافعها، كالأضراس فإنها لما جُعلت آلةٌ للطحن جُعلت عريضة، ولما كانت الأسنان آلة للقطع جُعلت مستدقةٌ المحددة، ولما كان الإنسان محتاجٌ للحركة للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظمًا واحدًا بل عظامًا متعددة وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة، وكان قدر كل واحد منه وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه.
وشد سبحانه تلك المفاصل والأعضاء وربط بعضها ببعض بأوتارٍ ورباطات أنبتها من العظم، وأدخل بعض العظام في بعض: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ [الإنسان: ٢٨].
فأدخل سبحانه بعض العظام في بعض على شكل الذكر والأنثى، فإذا أراد الإنسان أن يُحرك جزءً من بدنه لامتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه، فسبحان من هذا خلقه وهذه قدرته وهذه حكمته وهذا صنعه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
وتأمل كيف خلق سبحانه الرأس بكثرة ما فيه من العظام التي تزيد على خمس وخمسين عظمًا مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع والأماكن، وكيف ركبه سبحانه على البدن وجعله عاليًا عليه علو الراكب على ركوبه، ولما كان الرأس عاليًا على البدن جعل فيه الحواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
وجعل سبحانه حاسة البصر في مقدمته ليكون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن عما حوله، وركب العين بسبع طبقات لكل طبقة وظيفة مخصوصة، لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها لتعطلت العين عن الإبصار: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
ثم وضع سبحانه بداخل تلك الطبقات السبع خلقًا عجيبًا وهو إنسان العين بقدر العدسة يبصر بها ما بين المشرق والمغرب وما بين الأرض والسماء، وجعل سبحانه من العين بمنزلة القلب من الإنسان، وجعل سبحانه إنسان العين بمنزلة القلب من الإنسان، فهو مالكها وتلك الطبقات والأجفان والأهداب خدمٌ لها حجابٌ وحراس، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وانظر إلى عجيب صنع الله كيف حسن شكل العينين وهيئتهما ومقدارهما!!
ثم جملهما بالأجفان غطاءٌ لهما وسترٌ وحفظ وزينة، فهما يحفظانهما من الحر والبرد، ويتلقيان عن العين الأذى والقذى والغبار، ثم غرس في أطراف الأجفان الأهداب جمالًا وزينة ومنافع أخرى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ثم أودع سبحانه العينين ذلك النور الباصر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والأرض فسبحان من أودع هذا السر العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السماوات العلا والأرض على عظمتها، وللعين قدرة على حفظ نصف مليون صورة ملونة يوميًا، فسبحان الخلاق العليم الذي خلق كل شيءٍ وقدره تقديرًا.
كما شق الله ﷿ للإنسان العينين ليبصر بهما، كذلك شق له سبحانه الأذنين ليسمع بها الأصوات، وخلق الأذن أحسن خلقة، فجعلها مجوفة كالصدفة، لتجمع الصوت فتؤديه إلى الصماخ، وليحس بدبيب الحشرات فيها فيبادر إلى إخراجه والتخلص منه، وجعل في الأذن تجاويف واعوجاج تمسك الهواء والصوت الداخل، فتكسر حدته ثم تؤديه إلى الصماخ.
وجعل الحكيم العليم ماء الأذن مرًا في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه عنه، فسبحان الخلاق العليم، وجعل ماء الفم عذبًا حلوًا، ليدرك به طعوم الأشياء على ما هي عليه، إذ لو كان على غير هذه الصفة لأحالها إلى طبيعته، وجعل سبحانه ماء العين مالحًا ليحفظها، فهي شحمةٌ قابلةٌ للفساد، فكانت ملوحة مائها صيانةً لها وحفظًا، فسبحان من خلق هذه المياه وجعل كلًا فيما يناسبه ويصلح له.
ونصب سبحانه للإنسان قصبة الأنف في الوجه، فأحسن شكله وهيئته، وفتح فيه المنخرين، وحجز بينهما بحاجز، وأودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة، والنافعة والضارة، ويستنشق بها الإنسان الهواء فيوصله إلى القلب، فيتروح به ويتغذى.
فسبحان ربنا الخلاق العليم، وجعله سبحانه مستقيمًا لئلا يمسك الرائحة، مصبًا تنحدر إليه فضلات الدماغ، فتجتمع فيه ثم تخرج منه، فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، وما أعظم قدرته، وجعل أعلى الأنف أدق من أسفله لأن أسفله تجتمع فيه الفضلات فكان واسعًا لتخرج منه بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملئه ثم يصعد في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب في هدوء.
ثم فصل بين المنخرين بحاجزٍ بينهما حكمةً منه ورحمة، لأنه مجرى النفس ومنحدر فضلات الرأس، فيكون أحدهما غالبًا للنفس، والآخر لخروج الفضلات، وإما أن تجري الفضلات فيهما فينقسم، فلا يفسد الأنف جملةً، بل يبقى فيه مدخلٌ للنفس، ربما أصيب أحدهما فيبقى الثاني يؤدي وظيفته، فاقتضت الحكمة تعدادهما كالأذنين والعينين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليَقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والقطع والطحن والكلام ما يبهر العقول عجائبه، فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعله ترجمانًا لملك الأعضاء وهو القلب مبينًا مؤديًا عنه، كما جعل الأذن رسولًا مؤديًا إليه العلوم والأخبار، والعين رسولًا مؤديًا إليه المرئيات والمبصَرات، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد.
وانظر إلى حكمة العليم الحكيم الذي جعل اللسان محفوظًا مستورًا غير مكشوف كالأذن والأنف، لأن هذه الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه جُعلت بارزةً ظاهرة، ولما كان اللسان مؤديًا من القلب إلى الخارج جعله مستورًا لعدم الفائدة إبرازه.
وأيضًا لما كان اللسان أشرف الأعضاء بعد القلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره، ضُرب عليه سرادقان لستره وصيانته وحفظه، أحدهما الأسنان، والآخر الشفتان، وجُعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر.
وأيضًا هو من ألطف الأعضاء وألينها وأشدها رطوبة، وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان باردًا صار عرضةً للحرارة واليبوسة المانعة له من التصرف وسهولة الحركة والكلام.
ثم زين سبحانه الفم وزينه بالأسنان، وجعلها بيضاء مصفوفة، فزادته جمالًا، وجعل بها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها آلة القطع، وبعضها آلة الكسر، وبعضها آلة للطحن، وأحكم سبحانه أصولها وحدد رؤوسها وبيض لونها ورتب صفوفها، فكأنها الدر المنظوم بياضًا وصفاءً وحسنًا.
وأحاط جل وعلا الأسنان بحائطين، وهما الشفتان، حسن شكلهما ولونهما وجعلهما غطاءً للفم وطبقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج الحروف ونهايةً له، كما جعل أقصى الحلق بدايةً له، واللسان وسطًا له، ولهذا كان أكثر العمل فيها له، إذ هو الواسطة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجعل سبحانه الشفتين لحمًا صرفًا لا عظم فيه، ليتمكن بهما الإنسان من مص الشراب ويسهل عليه فتحهما وإغلاقهما، وخص سبحانه الفك الأسفل بالتحريك، لأن تحريك الأخف أيسر وأحسن، فإن الرأس يشتمل على الأعضاء الشريفة، فلم يخاطر بها في الحركة.
وخلق سبحانه الحناجر مختلفةً في الضيق والسعة، والليونة والخشونة، والصلابة والرطوبة، والطول والقصر، فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اختلاف.
وزين الله ﵎ لرأس بالشعر وجعله لباسًا له، لاحتياجه إليه، وزين الوجه بما أثبت فيه من الشعور مختلفة الأشكال والمقادير، فزينه بالحاجبين وجعلهما وقايةً مما يتحول من بشرة الرأس إلى العينين، وزين أجفان العينين بالأهداب، وزين الوجه باللحية، وجعلها كمالًا ووقارًا ومهابةً للرجل، وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وما تحتهما من العنفقة.
وخلق سبحانه اليدين التين هما آلة العبد وسلاحه، ورأس مال معاشه، فطوّلهما بحيث يصلان إلى ما شاء من بدنه، وعرض الكف ليتمكن من القبض والبسط، وقسم فيه الأصابع الخمس، وقسم كل أصبع بثلاث أنامل، والإبهام بأنملين اثنتين، ووضع الأصابع الأربعة في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على جانب الجميع، فهي بمنزلة الراعي من الرعية والإمام من المأمومين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجاءت اليد بتدبير الحكيم العليم على أحسن حال، وصلحت للقبض والبسط ومباشرة الأعمال المختلفة، إن شئت جعلتها مطرقة، أو مغرفة، أو آخذة، أو معطية، أو جاذبة أو دافعة، أو للربط أو للحل، أو للكتابة، أو للرفع أو للوضع، أو للسحب أو للذبح أو للكنس أو للمسح أو للمشط، أو للأكل أو عير ذلك من المنافع التي لا يحصيها إلا الذي خلقها، فتبارك من أودعها هذه المنافع وغيرها: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وركب فيها سبحانه الأظفار على رؤوسها زينةً لها وعمادًا ووقاية، وليلتقط بها الإنسان الأشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الأصابع، وجعلها سلاحًا لغيره من الحيوان أو الطير، وآلةً لمعاشه، وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة.
وجعل سبحانه عظام أسفل القدم غليظةً قوية، لأنها أساسٌ له، وعظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها محمولة.
***
مختارات

