الخزانة الثانية..
• صفات خلق الملائكة:
الملائكة خلقٌ عظيمٌ من خلق الله، ولهم صفاتٌ كثيرة منها:
الأولى: أنهم خلقوا من نور كما قال النبي ﷺ: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
أخرجه مسلم.
الثانية: أن لهم أجنحة يتفاوتون في أعدادها كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
وقد رأى النبي ﷺ جبريل «لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ».
أخرجه مسلم.
الثالثة: أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠].
الرابعة: أن الملائكة لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، وقد عاب الله علي مشركي العرب اعتقادهم أن الملائكة إناث،كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩].
الخامسة: أن الملائكة لا يتناكحون ولا ينامون ولا يسأمون، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
السادسة: أنهم لا يدخلون بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة ولا تمثال، كما قال النبي ﷺ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ».
متفقٌ عليه.
السابعة: أنهم يموتون كما يموت الإنس والجن، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
وأخرهم ملك الموت، وهو آخر الملائكة موتًا.
الثامنة: أنهم خلق عظيم من خلق الله سبحانه كما قال النبي ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» أخرجه أبو داود.
التاسعة: أن الملائكة من أعظم الخلق عبادة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].
العاشرة: أن الملائكة من أكثر خلق الله، ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]
وقال النبي ﷺ لأصحابه: «إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ﷿، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿».
اخرجه أحمد والترمذي.
• الإيمان بالملائكة له أربع أوجه:
الأول: الإيمان بوجودهم، فهم أجسامٌ نورانيةٌ لطيفة، خلقهم الله من نور.
الثاني: العلم بأنهم معصومون مطهرون: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
وقال الله ﷿: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وحياتهم بذكر الله وعبادته وتنفيذ أوامره.
الثالث: أنهم وسائط بين الله وبين البشر، وكل قسمٍ منهم موكل على قسمٍ من أقسام العالم العلوي والعالم السفلي.
الرابع: أن كتب الله المنزلة وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].
وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية وأشهد ملائكته كما قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
والملائكة من أعظم خلق الله عبادةً: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥١].
والملائكة يصلون على النبي، ويستغفرون للمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وقال ﷿: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وظائف الملائكة:
تنقسم أعمال الملائكة من حيث متعلقها إلى ثلاث أقسام:
الأول: عبادة الله ﷻ، وهذا وصفهم العام، فهم يعبدون الله مع ما يكلفون به من مهام، وتنفيذ أوامر الله في خلق الله، ومنهم من هذا شأنه أبدًا، فهم صفوفٌ لا يفترون كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
ولهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
ومنهم سجدٌ لله لا يرفعون، ومنهم ركعٌ لا يرفعون،ومنه قيامٌ لا يجلسون كما قال النبي ﷺ: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ﷿» اخرجه الترمذي.
الثاني: تدبير أمر الملكوت، العالم العلوي والعالم والسفلي وما فيهما من المخلوقات، يدبرونهم بأمر الله تعالى فهم المدبرات أمرًا، وهؤلاء مجموعاتٌ عظيمةٌ متنوعة، لكل مجموعةٍ من الملائكة عملٌ يقومون به، أعظمهم حملة العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].
ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم المكلفون بتبليغ الوحي ورئيسهم جبريل، وملائكة الأرواح ورئيسهم إسرافيل، وملائكة الأرزاق ورئيسهم ميكائيل، ومنهم المكلفون بحفظ السماوات، والمكلفون بالرياح والسحاب.
ومنهم المكلفون بالجبال والبحار والنبات، ومنهم المكلفون بأمور الحيوان والطير والدواب، وغيرهم من الملائكة الذين لا يحصيهم إلا الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]
والملائكة أعظم جنود الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١١١]
الثالث من وظائف الملائكة: تدبير أمر بني آدم في حياتهم وبعد مماتهم، فالمعقبات تحفظ بني آدم في الدنيا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
والكرام الكاتبون يحفظون أعمال بني آدم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
ومنهم ملائكةٌ سيّاحون يتّبعون مجالس الذكر وحِلق العلم.
ومنهم المصلون على المصلين الذين ينتظرون الصلاة بعد الصلاة.
ومنهم الذين يكتبون الناس على أبواب المساجد يوم الجمعة الأول فالأول، فإذا دخل الإمام طووا صحفهم، ودخلوا يستمعون الخطبة.
فسبحان الله العظيم ما أعظم ملكه وسلطانه، وما أعظم هذا الخلق العظيم للملائكة، وما أحسن عبادتهم وصفوفهم.
والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل لهم أعمالاً خاصة، وقد خلقهم الله لعبادته، وتنفيذ أوامره، سواءً كان بالعبادات المتعلقة بهم، أو في تدبيرِ مصالح الخلق، وليس عند الملائكة استكبارًا عن الأمر، ولا عجزٌ عنه، فهم يفعلون ما أمِرُوا به، ويقدرون عليه،بخلاف البشر الذين قد يستكبرون عن الأمر: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨].
وقال سبحانه عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وأعظم الملائكة ثلاثة:
١ - جبريل أشرف الملائكة، موكَّل بما فيه حياة القلوب، وهو الوحي إلى الأنبياء والرسل.
٢ - ميكائيل موكل بما فيه حياة الأبدان، وهو القطر والنبات.
٣ - إسرافيل أحد حملة العرش، موكَّل بما فيه حياة الأبدان، وهو النفخ في الصور الذي تحيا به الأبدان بعد موتها.
ومنهم مالك خازن النار، ومنهم ملك الموت الموكَّل بقبض الأرواح كلها، وملك الموت له أعوان من الملائكة يساعدونه، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد، إن كان من أهل الإيمان، نزلوا بكفن وحنوط من الجنة.
وإن كان من أهل الكفر نزلوا بكفن وحنوط من النار،فإذا استلها ملك الموت أعطاهم إياها فيضعونها في الكفنِ والحنوط: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١].
قال ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال: ٥٠].
فالبشر يكفنون، ويحنطون البدن والملائكة يكفنون، ويحنطون الروح، فما أعظم عناية الله بالآدمي؛ ملائكة يكفنون روحه، وبشرٌ يكفنون بدنه، ومصلون يصلون عليه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والجنُ أقوى من البشر، والملائكةُ أقوى من الجن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
فالملائكة خلقهم الله من نور، جسدًا واحدًا، ليس لهم أجواف، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يأكلون، ولا يشربون، والملائكة أرواح كالجن.
وقد يرى البشر الملائكة إما على صورتهم التي خلقهم الله عليها، أو على صورة من أراد الله أن يكونوا على صورته وقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض، والسماء، ورآه في الأرض عند غارِ حِراء قرب مكة: وفي الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ أخرجه مسلم.
وقال ﷿: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٥ - ٨].
ورآه في السماء عند سدرة المنتهى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣ - ١٤].
وأحيانًا يأتيه في صورة إنسان كما في حديث عمر قال:«بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ» أخرجه مسلم.
وفي الحديث أنه سأله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم قال النبي ﷺ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟»قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».
أخرجه مسلم.
وجاءه مرة في صورة دحية الكلبي؛ أحد الصحابة رضي الله، والملائكةُ كانوا يقاتلون مع الصحابة في غزوة بدر، أرسلهم الله لنصرة دينه، وأوليائه.
وقد ذكر الله في القرآن تأييد المؤمنين بالملائكة في أربع سور، في أربع غزوات، في ثلاثٍ منها يقول: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾،وفي الرابعة لم يقل: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، فالثلاثة التي قال فيها ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، هي:
الأولى: الملائكة الذين نزلوا في غزوة الأحزاب، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
الثانية: الملائكة الذين أنزلهم الله في غزوة حُنين كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]
الثالثة: الملائكة الذين أنزل الله لحفظ نبيه ﷺ وصاحبه في الغار عند الهجرة، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
الرابعة: الملائكة النازلون يوم بدر، وقد ذكرهم الله في موضعين، في سورة الأنفال كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢].
والخامسة: في سورة آل عمران كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥].
والملائكة قاتلوا مع المؤمنين في غزوة بدر، أما في غيرها فقد جاءت الملائكة من ربها، لتقوية قلوب المؤمنين، ونصرتهم على عدوهم، وتجبين الكفار وترويعهم، فلله الحمد على نصر الله لأوليائه.
***
مختارات

