الخزانة التاسعة..
فقه حُسن الخُلق:
الدين كله مجموع في أمرين:
الأول: حسن الخلق مع الخالق، بتوحيده والإيمان به وتقواه، وحمده وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
الثاني: حُسن الخلق مع المخلوق بالإحسان إليه، وكف الأذى عنه.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وقد مدح الله رسوله ﷺ بحُسن الخلق، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ولا يمكن تحصيل الصفات الطيبة، إلا أن يتعرض الإنسان لضدها، فيحسن إلى من أساء إليه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والذي يعيش لنفسه، ومع نفسه، يصعب عليه تحصيل هذه الصفات، والذي يعيش لربه، ويخالط الناس؛ لنصحهم وتوجيههم إلى ربه، يسهل عليه تحصيلها كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فيحسن العبد إلى غيره من الناس، من أجل الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وهكذا، ويخلص إلى الله في أعماله كلها؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعلامة الإخلاص:
أن يستوي عند الإنسان مدح الناس، وذمهم، ولا يطلب على عمله أجرًا إلا من الله، ولا يطلب عليه شاهدًا إلا الله، وأن تكون عبادته في الخفاء، أقوى منها العلانية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]
• صفة المدح:
آفات المدح:
للمدح آفات كثيرة منها:
منها أنه يحدث كبرًا، وإعجابًا في الممدوح.
ويُعمي الممدوح عن عيوبه، فلا يشمر للتفتيش عنها، وإزالتها عن نفسه.
ويظن بنفسه خيرًا، فلا يجتهد في الإكثار من الطاعات، والقربات.
والناس عند المدح، والذم أربعة أقسام:
الأول: من يفرح بالمدح، ويشكر عليه، ويغضب من الذم، ويحقد على من ذمه.
الثاني: أن يفرح باطنه بالمدح، لكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور، ومتعظ باطنه من الذم، ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن معاقبته، وهذا من النقصان، ولكنه بالإضافة إلى ما قبله كمال.
الثالث: أن يستوي عند الإنسان مدح الناس وذمهم، فلا يغمه الذم، ولا يسره المدح.
الرابع: وهي أعلى الدرجات، أن يكره المدح، ويمقت المادح؛ لعلمه أن ذلك فتنة له، ويحب الذام؛ لعلمه أنه مهدٍ إليه عيوبه، ومرشده إلى التوبة إلى ربه.
ولهذا أمرنا النبي ﷺ يحثو التراب في وجوه المداحين، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ».
أخرجه مسلم.
• صفة الغضب:
يهيج الغضب في الإنسان، إذا استقبح من المغضوب عليه عملًا من الأعمال، واعتقد في نفسه كونه قادرًا، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزًا عن الدفع عن نفسه، فمن كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام اغتر بظواهر الأمور فانتقم منه، أما من انكشف له نور من عالم الغيب، زال عنه الغضب؛ لمعرفته بربه، وحسن ظنه به، وحسن تدبيره وحكمه.
فالمؤمن العارف يعلم أن المغضوب عليه، خلق الله فيه داعية لذلك الفعل فلا سبيل له إلى تركه، فعند ذلك يزول عنه الغضب.
وأما اعتقاد كونه قادرًا، وكون المغضوب عليه عاجزًا، فيتذكر أنه كم أساء في العمل لله، والله قادر عليه، ولكنه تجاوز عنه؛ لعله يتوب إليه، ويتذكر أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة لقدرة الله.
ويتذكر أنه إذا أمضى الغضب كان شريكًا للسباع المؤذية، وإن ترك الانتقام، واختار العفو، كان شريكًا للأنبياء والأولياء: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وأن يتذكر أنه ربما كان الضعيف قادرٌ عليه، فانتقم منه، وإذا عفا كان ذلك إحسانًا منه إليه، فيحسن إليه، وبهذه الوجوه يزول الغضب، ويحصل العفو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
• أقسام الأخلاق:
الأخلاق تنقسم إلى قسمين:
١ - أخلاق محمودة، يحبها الله.
٢ - أخلاق مذمومة، يبغضها الله.
فالأخلاق المحمودة: كالرحمة، والصبر، والصدق، ونحو ذلك.
والأخلاق المذمومة: كالعُجب، والكبر، والجزع والظلم،ونحو ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
• صفة العجب:
العجب هو: استعظام النعمة، والركون إليها، مع نسيان إضافتها إلى المنعم سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وعجب الناس أنواع:
١ - فمن الناس من يعُجب بصحته، وقوته، وحسن صورته.
٢ - منهم من يعُجب بعقله، وفطنته، وذكائه.
٣ - منهم من يعُجب بعلمه.
٤ - منهم من يعُجب بعبادته.
٥ - منهم من يعُجب بنسبه.
٦ - منهم من يعُجب بماله.
وميزان التفاضل بين الناس هو التقوى فقط: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وثمرة هذا العجب أن تجد أن هذا الإنسان مستبد برأيه، محتقر لغيره، معرض عن سماع رأى ما سواه، وقد نهى الله ﷿ عن كل ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٧ - ٣٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
والعُجب هو الدرجة الأولى في سُلم الكبر: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وذلك أن إبليس أعُجب بعبادته، واستكبر على آدم، فلم يرى السجود له، حيث: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]
ومن أعُجب بنفسه، احتقر غيره، كما احتقر إبليس آدم ﷺ.
والعُجب يختلف عن الكبر، فالكبر له ثلاثة أركان:
مُتكبر.
ومُتكبر به، من مال أو جمال.
ومُتكبر عليه، وهو ما سوى المتكبر من الناس.
وقد نهى الله ﷿ عن الكبر، وتوعد المستكبرين بالعذاب الأليم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
والعُجب له ركنان فقط:
مُعجب.
مُعجب به فقط.
وكلاهما ذميم، وشر، نعوذ بالله من الكبر، والمستكبرين.
• وعلاج العُجب بأربعة أمور هي:
الأول: أن يرى الإنسان أن التوفيق وجميع النعم من الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وبذلك يشتغل بالذكر، والشكر لربه، ولا يعُجب بنفسه:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
الثاني: أن ينظر إلى صنوف النعمة التي أنعم الله بها عليه، وبذلك يشتغل بشكر الله عليها، ويستقل عمله، ولا يعُجب به: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
الثالث: أن يخاف ألا يتقبل ربه منه عمله، فإذا خاف ربه، لم يعُجب بنفسه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
الرابع: أن ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته، قل عجبه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠].
• صفة الجزع:
من الأخلاق السيئة: الجزع، والجزع من مراكب الشيطان، التي يحمل بها الإنسان من رياض الطمأنينة والسكينة، ثم يكبه في بحار الحيرة والأحزان والأوهام، حتى يضيق عليه حياته: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
والمؤمن إذا أصابه بلاء، يركب مركب الصبر، ويمشي في بحر الرضا والتسليم، ويترقى إلى درجة الحمد،والشكر: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
فالمؤمن إذا أصابه كرب وبلاء، يصبر، ثم يرضى ويُسَلم، ثم يحمد ويشكر حتى يصل إلى محيط الفرج والطمأنينة والرضا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
وأسباب الجزع كثيرة منها:
تذكر المصيبة، حتى لا ينساها الإنسان، وتصورها في كل وقت حتى لا تغرب عنه.
ومنها: كثرة الشكوى، وبث الجزع، ومن فعل ذلك فإنه من ربه يستغيث، ومن قضائه يتبرم، وعن ثوابه يرغب:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
ومنها: الأسف وشدة الحزن والحسرة، فلا يرى من مصابه خلفًا، ولا يجد لمفقودة بدلًا، فيزداد بالأسف حزنًا.
ومنها: اليأس من شر مصابه، وإدراك طلبه، فلا يبقى له صبر، ولا يتسع له صدر.
ومنها: رؤية أهل النعمة، والسلامة، وأنه خُص من بينهم بالرزية، ولو نظر إلى من شاركه في الرزية؛ لهان عليه الأمر، وهان عليه الصبر، وحان منه الفرج:﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٦].
والجزع، والهلع، فطرة في الإنسان، وقد أرشدنا الله ﷿ إلى طريق التخلص منها بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
• فقه حُسن الخلق:
قيمة الإنسان عند الله بصفاته، لا بذاته، ولا بنسبه، ولا ماله.
فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة، دخل الجنة، ورضي الله عنه، ولو كان عبدًا حبشيًا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، ورضي الله عنه، ولو كان عبدًا حبشيًا، ومن جاء بالنسب والحسب والمال بدون الإيمان دخل النار، ولو كان غنيًا ورشيًا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وسر الأمر في حُسن الخُلق أمران:
اعتبار حال القائل.
واعتبار حال الفاعل.
أما اعتبار حال القائل: فإن جواهر النفوس البشرية مختلفة.
قال النبي ﷺ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ، والْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» أخرجه مسلم.
والنفوس لها حالتان:
الأولى: في حال النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والندالة، واستيلاء حب المال واللذات،والشهوات والغضب عليها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
واليهود باءوا بغضب على غضب، فالغضب الذي باءوا به أنهم كفروا بما عرفوا من الحق.
والغضب السابق، أنهم استكبروا عن الحق إذا كان لا تهواه أنفسهم.
والغضب الثالث بسبب قتلهم الأنبياء، وتكذبيهم لهم،كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩١].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧].
فهذه أحوال أهل النقصان العلمي، والعملي.
أما في جانب الكمال، فتنتهي النفوس إلى غاية القوة والجلالة في القوة العلمية، والعملية.
ففي القوة العلمية قال الله سبحانه لرسوله ﷺ:﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وفي القوة العملية، وصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
فكانت حياة النبي ﷺ العلمية والعملية نورُا على نور، وروحه كأنها من جنس أرواح الملائكة، لا تنقاد لشهوة، ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، ومن استعلت روحه على جسده لم تلتفت إلى هذه الشهوات، ولم تمل إليها، فهذا اعتبار حال القائل.
وأما اعتبار حال الفاعل: فمن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإن جميع الحوادث الأرضية، والعلوية، مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فمن فاته مطلوبُ لن يغضب، وإن حصل له محبوبُ لم يأنس، بل يأنس بربه ودينه والعمل بشرعه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
ومتى كان كذلك لم ينازع أحدًا في طلب شيء من لذات الدنيا وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها عليه، ومتى كان الإنسان كذلك، كان حسن الخُلق مع ربه، وحسن الخُلق مع خلقه.
فالدين ركنان:
الأول: عبادة الحق.
الثاني: الإحسان إلى الخلق، كما قال سبحانه:﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
ولما كان ﷺ أكمل البشرية في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق مع الخالق، والمخلوق، لا جرم كان أكمل الخلق في حُسن الخُلق، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
• صفة الكبر:
عقوبات الكبر:
أول من استكبر وتعاظم إبليس لعنه الله، والجان هو إبليس، وهو أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، خلق الله إبليس من النار، بل من أشدها وهي نار السُموم الشديدة الحرارة، ومن مارج من نار وهو اللهب الذي لا دخان فيه، وكان من أعبد الجن، فرفع إلى السماء؛ ليتعبد مع الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٥].
وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
أخرجه مسلم.
فأول من استكبر وتعاظم إبليس، فلعنه الله وأهبطه من السماء إلى الأرض، صاغرًا، ذليلًا، مدحورًا، كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٢ - ١٣].
وقال الله ﷿: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨].
والمتكبر لا يمكن أن ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يعاقبه الله بنقيض قصده من الذلة، والصغار، والهوان، فهو كمن هو على الجبل، يرى الناس صغارًا، وهم يرونه صغيرًا: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦].
ومن عقوبات الكبر: أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، كما قال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعراف: ١٤٦].
والكبر سبب للشواء في النار، كما قال سبحانه:﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ [الزمر: ٦٠].
والمتكبر لا يحبه الله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ [النحل: ٢٣].
والكبر من أعظم الآفات والشرور كما قال سبحانه:﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ [غافر: ٢٧].
وقد توعد الله المتكبر بالعذاب الأليم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ومن تكبر عن أوامر الله، وعلى خلق الله، طبع الله على قلبه، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥].
• صفة التواضع:
التواضع سبيل الفوز والسعادة والراحة والطمأنينة في الدنيا، والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
ومن تواضع من أجل الله رفعه الله في الدنيا والآخرة، والنفس الأمارة بالسوء تخدع الإنسان، وتقول له: إنك إذا عفوت عمن اعتدى عليك، فقد ذللت أمامه، وإذا تواضعت نزلت، ولكن الأمر بالعكس، فمن تواضع لله رفعه، وما زاد الله عبدًا بعفوِ إلا عزًا.
والتواضع له معنيان:
الأول: أن تتواضع لله بالعبادة، تخضع لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
الثاني: أن تتواضع لعباد الله؛ من أجل الله، لا خوفًا منهم، ولا رغبة فيما عندهم، وكلاهما سبب لرفعة الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
أخرجه مسلم.
والعفو عن أخطاء الغير عليك من مكارم الأخلاق، فمن جنى عليك وظلمك في نفسك أو مالك أو أهلك، فلك الحق أن تنتقم منه، كما مدح الله ﷿ أوليائه فقال:﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩].
ولك أن تأخذ بحقك، ولكن الصبر على ذلك، والعفو عن الناس أفضل وأرفع مقامًا عند الله، وعند الناس، وأعز لك في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
***
مختارات

