الخزانة الثانية..
• نواقض التوحيد:
نواقص التوحيد قسمان:
الأول: نواقص التوحيد هي الأمور التي تخرج العبد من الإسلام بالكلية فيكون كافرًا.
ويجمعها ثلاثة أمور:
١ - الكفر الأكبر.
٢ - والشرك الأكبر.
٣ - والنفاق الأكبر.
الثاني: منقصات التوحيد، وهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد ولا تنقضه بالكلية، فإذا وجدت قدحت في كمال التوحيد، وكمال الإيمان، ولم تخرج العبد من الإسلام، وهي كل معصية لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، ومن أعظمها وسائل الشرك الأكبر والشرك الأصغر والنفاق الأصغر، والبدع.
والبدعة هي كل قولٍ، أو فعلٍ، أو تركٍ، تعبد به العبد لله ﷿، وليس في الدين ما يدل على مشروعيته.
• والبدعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: البدع الاعتقادية، وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله ورسوله به كبدعة الممثلة والمعطلة ونفاه القدر، وبدعة الاعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون ونحو ذلك، وبدعة الاعتماد على العقل دون الوحي.
الثاني: البدع العملية، وهي عبادة الله بغير ما شرع، وذلك بأحداث عبادة لم تشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة في وقت معين لم يخصص، والتوسل إلى الله بذات نبي أو عبدٍ صالح ونحو ذلك، ومن صور هذه البدعة البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد بها، أو عندها لله ﷿.
الثالث: بدع الترك، وهي ترك المباح، أو ترك ما طلب الله فعله، تعبدًا لله كترك الزواج، وترك أكل اللحم أو غيره من الطيبات.
وهذه البدع كلها ضلالة، وكلها محرمة، وكلها مردودة على من فعلها، غير مقبولة منه، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].
وقال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ».
متفق عليه.
• فقه كلمة التوحيد:
كلمة التوحيد: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فشهادة أن لا إله إلا الله توحيد القصد، بأن يكون العمل خالصًا لله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وشهادة أن محمداً رسول الله توحيد المتابعة، بأن لا يعبد العبد إلا الله، بما شرعه رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والكفر ببعض الشريعة كفرٌ بجميعها: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
والكفر ببعض الرسل كفر بجميعهم، والإيمان ببعض الرسل دون بعض كفرُ بالجميع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢].
وذلك أن الدين عند الله واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وحقيقة التوحيد أن الله ﷿ بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالله وحده هو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، الملك الذي بيده أمر كل أحد، الغني الذي يحتاج إليه كل أحد:﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الله وحده هو الشافي لا شريك له، فإذا مريض تردد على كبار الأطباء مرات كثيرة ولم يشفى فلأن موعد الشفاء من الشافي ﷻ لم يأتِ، ولما جاء موعد الشفاء ذهب إلى طبيب عادى فأعطاه دواء فشفي بأذن الله، لأنه تزامن مع موعد العافية من الله ﷿ وأراد الله إكرام هذا الطبيب لأنه يعلم ما في قلبه، والله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧].
ومن شفع لأحد بعمل أو وظيفة أو إفراج، ثم أجيب فلان، فكل واحد صادفت شفاعته وقت وصول النعمة إلى المشفوع له، والله يريد كرامة الشافع بأن جعل شفاعته تحصل وتجاب وقت إذن الله بالفرج: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
قال رسول الله ﷺ «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أخرجه البخاري.
• وفي الكون اثنان:
ملك وعبيد.
وخالق ومخاليق.
وكل ما سوى الله فهو إما نعمة، وإما منعم عليه بالنعمة وهذان لا يصلحان يكونا إلهًا، لأن النعمة موهوبة من الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
والمنعم عليه موهوب إليه هبة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
فلا ينفع أن يكونا لا النعمة، ولا المنعم عليه من مَلَك أو إنسان أو حيوان، لا ينفع أن يكونا إلهًا، بل لا إله إلا الله، فالإله هو الله الواحد الأحد الذي خلق النعمة، وأنعم بها على المنعم عليه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فكل ما سوى الله عبدُ لله، وهو الواحد الأحد لا شريك له ولا مثيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فسبحان الملك الذي كل شيء ملكه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
الله ﷿ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو الواحد الأحد الذي خلق كل أحد، وبيده أمر كل أحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وهذا الكون العظيم بما فيه من السموات والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والجبال والبحار، والجماد والنبات، والطير، والحيوان والإنسان، والملائكة والجان، محتاجُ إلى خالقٍ يخلقه، وإلى مدبر يدبره، وإلى ربٍ يربيه، وإلى مصورٍ يصوره، وإلى ربٍ قادرٍ قوي قاهر يبقيه، وهذا من أعظم الدلائل على وجود ربٍ واحد قادر.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وخلق الله ﷿ هذه المخلوقات العظيمة تسبح بحمده، وتسجد لعظمته، وتشهد بوحدانيته، وتخضع لمشيئته،وتسرع إلى إرادته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
***
مختارات

