الخزانة السادسة..
• خلق آدم ﷺ:
أول ما خلق الله ﵎ العرش ثم خلق القلم وكتب به المقادير قبل كونها، وخلق آدم ﷺ آخر المخلوقات تمهيدًا وتهيئةً للدار قبل نزول الساكن.
ولكرامة آدم على خالقه هيأ الله له مصالحه وحوائجه وأسباب حياته قبل خلقه.
وخلق آدم ﷺ من أعظم الآيات فقد جمع الله ما فرقه في العالم في خلق آدم فهو العالم الصغير، وفيه ما في العالم الكبير، وهو خلاصة الوجود وثمرته.
والنفوس تتطلع دائمًا إلى النهايات والله ﷿ أخر أفضل الكتب، وأفضل الرسل، وأفضل الشرائع، وأفضل الأمم إلى آخر الزمان، وجعل الآخرة خيرًا من الأولى.
فلما افتتح الله ﷿ خلق هذا العالم بالقلم كان من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان فإن القلم آلة العلم والإنسان هو العالِم؛ ولهذا أظهر الله فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خصه به دونهم، كما قال سبحانه:﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١].
وقد خلق الله ﷿ آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء إظهارًا لشرفه، وأسكنه جنته.
ولما تم خلقه في أحسن تقويم، وظهر كمال آدم على غيره جرى قدر الله بالذنب ليتبين أثر العبودية في الذل وما زالت تلك الأكلة من الشجرة تعاوده وتخيفه حتى استولى داؤه على أولاده وهو حب الشهوات، فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي من اختارهم واصطفاهم واجتباهم من أنبيائه ورسله، كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٧ - ٣٨].
فحماهم الشافي ﷻ بالمناهي، وحفظ القوة لهم بالأوامر.
واستفرغ منهم الأخلاق الرديئة بالتوبة فجاءت إليهم العافية من كل ناحية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وبعث الله ﷿ الأنبياء والرسل لبني آدم فتزينت قلوب من هداهم الله بالإيمان، وتجملت بالتقوى وتحلت جوارحهم بالطاعات ورضي الله، ورضي عنهم ربهم، وصاروا أئمةً في الخير.
ولما سلم لآدم أصل العبودية وهو التوحيد لم يقدح فيه الذنب وحين علم اللطيف الكبير، واللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته، ولا قدحًا في حكمته علمه كيف يعتذر إلى ربه فقال:﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقال الله ﷿: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فآدم ﷺ لم يرد بمعصيته مخالفة سيده، ولا الجرأة على محارمه، ولكنها غلبان الطبع، وتزيين النفس والشيطان فألهمه الله التوبة وقبلها منه.
• وبخلق آدم من الطين سر عجيب:
فالطين مركبٌ على أصلين الماء الذي جعل الله منه كل شيءٍ حي، والتراب الذي جعل الله خزانة المنافع والنعم وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الإنسان يحمل الهدى الذي به حياة العالم، ويحمل الدين الذي كله منافع.
ومن كرامة الله لآدم أن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه،وجميع المخلوقات خلقها الله بأمره فقال لها كوني فكانت:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
ومن كرامته له كذلك:
أن أسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها دون غيره من الملائكة، ثم جعل فيه الاستعداد للترقي حتى يصبح كالملائكة، أو الهبوط حتى يكون أسفل من الحيوان فيقضي حياته على طريقة الحيوان من أكلٍ وشربٍ ولهوٍ ولعب.
• والله ﵎ عزيزٌ حكيم:
ما خلق ذرةً في الكون عبثًا، وقيمة الإنسان ومكانته بين المخلوقات عظيمة، فمكانته بين السماوات والأرض كمكانة القلب من الجسم، وبقاء المخلوقات مرهونٌ بوجود الإنسان، وكما أن القلب إذا فَقد إذا فُقد هلك البدن فكذلك الإنسان إذا فَقد أنهى الله هذا الكون وطواه.
• وقد خلق الله جميع المخلوقات وجعل لكل مخلوقٍ مقصدًا:
وأشرف المخلوقات مقصدًا هو الإنسان هو من المخلوقات بمنزلة القلب من البدن، وقد شاء الله ﷿ أن يخلق آدم ويستخلفه في الأرض فأقدره على أشياء، وأعجزه على أشياء وعلمه أشياء، وستر عنه أشياء، وقهره على أشياء وجعل له الخيار في أشياء، وذلك ليستكمل مقومات الخلافة، ولا ينسى أنه غير أصيل فله مرجعٌ يعود إليه، وقوةٌ أعلى يعود إليها، ويستعين بها تمده بما شاء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
أرسل الله آدم إلى الأرض ليقيم أمر الله في ذريته، ولم يرسل الله آدم إلى الأرض ليقيم أمر الله دون تدريبٍ عملي، بل جعل له تجربةً واقعية يعيش فيها التكليف بأمره ونهيه، وبمقومات التكليف من الغفلة، والنسيان، وإغواء الشيطان، وتزيينه قبل أن يهبط إلى الأرض فإذا أخطأ رده الله إلى الصواب بلطف.
فأسكنه الله الجنة مع زوجه، وأمده بكل ما يحتاج بدون تعب ولا نصب كما قال سبحانه: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٧ - ١١٨].
ثم استقبل آدم ﷺ المنهج من ربه أمرًا ونهيًا: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥].
ثم حذر سبحانه آدم ﷺ من معوقات التكليف خاصةً الشيطان فقال: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
ثم كان ما كان من الشيطان فأغرى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
فأغراهما بالأكل من الشجرة ليحصل لهما الخلود والملك،وأكد ذلك لهما بصفة الناصح الذي يريد لهما الذي يريد لهما الخير: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢١].
ونسي آدم ﷺ أنه في دور التجربة والتدريب فأكل وزوجه من الشجرة، فماذا حصل لهما؟.
قال الله ﷿: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف: ٢٢].
وماذا كان جزاء آدم ﷺ حين نسي أمر ربه، وأكل من الشجرة؟.
كان الجزاء فقط أن يلقنه الله مولاه كيف يرجع إليه ويتوب إليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
واعترف آدم وزوجه بالذنب وسألا ربهما أن يغفره لهما ويرحمهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فاستجاب الله لدعاء آدم ﷺ واجتباه وتاب عليه وهداه كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢].
وبعد هذه التربية لآدم في الجنة، وبعدما ظهرت له عداوة الشيطان، وبعدما علمه الله كيف يتخلص من الذنب أهبط الله آدم إلى الأرض ليقوم وذريته بالخلافة فيها، وأهبط معه الشيطان، وحذره منه: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ [الأعراف: ٢٤].
ولما أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض رزقهم الذرية، وأخبرهما بحال إقامتهم فيها، وأنه جعل لهم فيها حياةً، وأنه جعل لهم فيها حياة مشحونةً بالامتحان والابتلاء ثم يتلوها الموت، وأنهم لا يزالون فيها يرسل الله إليهم رسله، وينزل عليهم كتبه حتى يأتيهم الموت فيدفنون فيها ثم إذا استكملوا بعثها الله، بعثهم الله وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار حقيقةً التي هي دار المقامة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٥].
ثم امتن عليهم بما يسر لهم من اللباس والطعام والشراب والسكن والمركب مبينًا لهم أن هذا ليس مقصوده، مقصودًا بالذات، وإنما أنزله الله ليكون معونةً لهم على عبادته وطاعته، وأن يعرفوا المنعم فيشكروه، وأن لباس التقوى خير لباسٍ يلبسه العبد وهو جمال القلب والروح،كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
ثم حذر الله بني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم آدم فيغريهم بالمعاصي ويزينها لهم، فينقادون له فليحذروا منه لئلا يقعوا في معصية الله يا بني، قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧].
• فآدم ﷺ أبو البشر:
البشر فيهم المؤمن والكافر ففي فترة التربية في الجنة كان آدم ﷺ بشرًا عاديًا غفلةً وسهوًا ونسيانًا وضعفًا: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
وفي الطور الثاني يمثل آدم ﷺ المصطفين الأخيار المبلغين عن الله فيجب أن يكون معصومًا لأنه رسولٌ من الله.
وآدم ﷺ عصى ربه، وإبليس عصى ربه لكن الفرق أن آدم ﷺ عصى ربه ولم يَرد الأمر على الله بل اتهم نفسه،وأقر بالظلم وأقر بالظلم والتقصير والغفلة والنسيان:﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
أما إبليس فقد رد الأمر على ربه وتكبر وخالف أمر ربه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وبسبب هذا الإباء والاستكبار طرده الله ولعنه، فمن رد الأمر على الله واستكبر عن امتثال أمره ففيه شبهٌ بإبليس، ومن عصى الله واعتذر وتاب إلى ربه ففيه شبهٌ بآدم ﷺ.
آدم وزوجه حوا لما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن، عن الأكل منها بدت لهما سوءاتهما، كما قال سبحانه:﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١].
وفي هذا إشارة إلى أن إلى أن الدين حين يُخالف تبدو عورات الناس، فلا عورة في مجتمع إلا إذا كان أمرٌ من أوامر الله قد خولف، ولما عصى آدم ﷺ ثم تاب وتاب الله عليه أهبطه إلى الأرض للقيام بالخلافة وتنفيذ أوامر الله، وهبط معه إبليس ليظل مجاهدًا في سبيل الله، ويظهر الله نصرته لوليه ويخذل عدوه.
ثم بدأ المنهج الإلهي في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
ومعصية آدم ﷺ ذكرها الله، بقوله سبحانه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١].
والعصيان قد يكون عمدًا فيكون ذنبًا، وقد يكون خطئًا أو نسيانًا فيكون زلة، وهذه معصية آدم ﷺ فمعصيته خطأٌ ونسيان: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦].
ومما يدل على أن معصية آدم لم تكن عمدًا ولا قصدًا بل نسيانًا قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
ومن ثم فلا مؤاخذة لأن الله لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان،كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: «قَالَ قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم.
وإنما اعتبر القرآن النسيان معصية لآدم فذلك لمقام آدم ﷺ الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وعلمه الأسماء كلها، والذي شأنه هكذا يجب أن يكون يقظًا كأقوى ما يكون بحيث لا ينسى وصاية الله له.
ولما علم الله منه بان معصيته لم تكن بسبب الكبر بل بسبب الغفلة والنسيان والشهوة وإغواء الشيطان ألهمه الله التوبة، وتاب عليه كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وترك الأمر معصية، وارتكاب النهي فسق، وارتكاب النهي أخف من ارتكاب أخف من ترك الأمر، وترك الأمر ذنب إبليس لأن الله أمره بالسجود فامتنع، وبسبب هذا الكبر أخرج إبليس من رحمة الله، وارتكاب النهي ذنب آدم ﷺ.
• وآدم في الجنة أصيب بآفتين:
النسيان وضعف العزيمة كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
وهذان مرضان.
علاج الأول: بالذكر والتذكير، علاج النسيان بالذكر والتذكير.
علاج الثاني: وهو ضعف العزم يكون بتكوين بيئة الإيمان والأعمال الصالحة.
وآدم في الجنة ليس عنده من يذكره إذا نسي وليس عنده بيئةٌ للأعمال التي تقوي عزيمته إذا ضعف وغلبته الشهوة، إذا ضعف وغلبته الشهوة، فسهل التأثير عليه وإغراؤه، ووقع في ارتكاب النهي وأكل من الشجرة نسيانًا لا عمدًا وهاتان الآفتان لازمتان لكل إنسان وشفاء الإنسان منهما بالتذكير وتكوين بيئة الإيمان والأعمال الصالحة التي تقوى بها العزيمة إذا ضعف الإنسان.
والله سبحانه ابتلى آدم وذريته بأن حبب لكل إنسان حب الخلد وحب المال، حب الخلد وحب الملك الذي لا يبلى،وبهما تمكن الشيطان من إغواء آدم ﷺ ولما كان هذا نسيانًا من آدم للعهد ألهمه الله أن يتوب: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقد من الله على آدم بنعم كثيرة، وعلمه الإيمان والتوحيد ومعرفة ربه وألهمه اليقين على ذاته وأسمائه وصفاته.
وحذره من عدوه الشيطان بقوله: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
وإبليس أول من اجتهد لتغيير اليقين على ذات الله لليقين على الأشياء، بإغراء آدم بالأكل من الشجرة ليحصل له الملك والخلد
• فالشيطان أول من أول من أفسد يقين آدم:
ولا يزال يفسد يقين ذريته فهو جاهدٌ على البشر ليحُول ليُحَوِل يقينهم على ربهم إلى اليقين على المخلوقات، ويشغلهم بالأموال والأشياء عن الإيمان والأعمال الصالحة، ويزين لهم العادات والتقاليد بدل من السنن والحكام، ويزين لهم الخلود في الدنيا، وينسيهم ذكر الموت ودار الخلود، ولكن الله تاب على آدم، وهداه، وحذر ذريته من طاعة عدوهم الشيطان الذي غر أباهم حتى وقع في المعصية.
وآدم ﷺ لما طلب الخلود في الجنة من جانب الشجرة التي أغراه الشيطان بالأكل منها عوقب بالخروج منها.
وكذلك يوسف لما طلب الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا عوقب باللبث فيه بضع سنين، وذلك كله بإغواء الشيطان وتزيينه الذي زين لآدم ولا زال يزين لذريته معصية الله، وذلك كله بإغواء الشيطان وتزيينه وحرصه على إفساد يقين العباد ليعصوا ربهم ويطيعوه فيهلكون معه، وحين خلق الله آدم قال الله للملائكة:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
قال الله لهم: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
فقه خلق آدم ﷺ:
خلق الله آدم ﷺ وأكرمه وأسكنه جنته وابتلاه ليربيه لا ليعذبه، فسلط الله عليه عدوه بعد أن حذره منه، ولكن آدم ﷺ ضعُف وعصى ربه فهبطه الله إلى الأرض، هبط إلى الأرض ﷺ مؤمنٌ بربه مستغفرٌ من ذنبه مأخوذٌ عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان والهوى.
ثم مضى بآدم ﷺ الزمن وجاءت ذريته وبث الله من نسله رجالًا كثيرًا ونساءً، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
وحل بالإنسان ما حل بأبيه آدم ﷺ من النسيان والضعف وتسلط عليه الشيطان وأغراه بالمعاصي وزينها له كما فعل بأبيه فغلبه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
لقد هبط آدم ﷺ إلى الأرض موحدًا مهتديًا تائبًا، ولكن ها نحن نرى أكثر البشرية ضالًا مفتريًا ظالمًا كذابًا مشركًا معاندًا لرسل ربه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢].
فلابد من الإنقاذ مرةٍ أخرى ومن رحمة الله للبشرية أنه كلما انحرفت عن منهج الله بعث الله إليها رسولًا يردها إليه، فقد أرسل الله مئة وأربعةٌ وعشرون نبيًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر حتى ختمهم بمحمد ﷺ وتسلمت أمته من بعده إبلاغ هذا الدين، والقيام عليه في أنحاء الأرض إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والمنهج هو الهدى الذي أرسل به رسله دعوةٌ إلى التوحيد والإيمان بالله، والترغيب في الطاعات وتحذيرٌ من المعاصي وأمرٌ بكل خير وتحذيرٌ من كل شر: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقيمة الشيء ترتفع بقدر ما فيه من الصفات، وكذلك قيمة المسلم عند الله ترتفع بقدر ما يحمل من الإيمان والتقوى، وما يقوم به من الأعمال الصالحة، وبنو آدم كثيرون ولكن الله اشترى منهم أحسنهم وأفضلهم وأكملهم وهم المؤمنون فهؤلاء خير الناس وأحسن الناس وأغلى الناس، والسلعة إذا خفي عليك قدرها وأردت أن تعرف قيمتها، فانظر إلى المشتري لها من هو؟ وانظر إلى الثمن المبذول فيها، وانظر إلى من جار على يديه عقد الشراء؟
فالسلعة: النفس المؤمنة
والمشتري لها: هو الله الغني عن العالمين،
وثمنها جنات النعيم، والسفير في هذا العقد خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه وهو جبريل ﷺ، وخير خلقه من البشر وأكرمهم عليه وهو محمد ﷺ.
وصفات هذه السلعة: الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ﴾ [التوبة: ١١١].
والذين اشتراهم الله لهم صفات هي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
لقد خلق الله آدم ﷺ من الأرض، فمن الطين كون الله كل عناصر جسده فيما عدا سر الحياة الذي لا يدري أحدٌ كيف جاء؟! وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنسانًا، ونحن نجهل كنه هذه النفخة وهذه الروح فما أحدٌ يعلمها إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
ولكننا نعرف آثارها فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني على سائر الخلائق في هذه الأرض، ميزته بالقابلية للرقي العقلي والروحي، فجعلت عقله ينظر تجارب الماضي ويصمم خطط المستقبل ويتقي ويحذر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وجعلت روحه تتجاوز المُدرك بالحواس والمدرك بالعقول، ليتصل بالغيب المجهول بالحواس والعقول، وخاصية الالتقاء العقلي والروحي خاصيةٌ إنسانيةٌ بحتة لا يشاركه فيه أحد من الأحياء في هذه الأرض سوى الجن، لقد نفخ الله ﷿ من روحه في هذا الكائن البشري لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفةً في الأرض ويتسلم مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها الله له وهي الخلافة في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
وقد أودع الله الإنسان القدرة على المعرفة، ومن يومها وهو يرتقي كلما اتصل بربه واستمد منه منهج الحياة وقام بأمر الخلافة الراشدة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وما كان لهذا الإسلام الصغير الحجم القصير الأجل المحدود المعرفة أن ينال شيئًا من هذه الكرامة لولا لُطف ربه وكرمه ورحمته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فلله كم كرامة؟ وكم نعمة؟ وكم رحمة؟
حصلت للبشرية في خلق آدم ﷺ ﷺ، وفي سجود الملائكة له، وفي سكنه الجنة، وفي هبوطه للأرض، وفي كونه خليفةً في الأرض، وفي نسله وذريته، فكم من الأنبياء والرسل الذي أخرجوا من نسله، وكم من العباد والزهاد، وكم من العلماء والدعاء والمصلحين خرجوا من نسله، فقد أظهر الله فضل آدم على الملائكة بما خصه من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وإظهارًا لفضله وامتحانه بالسجود لمن زعم أنه يُفسدُ في الأرض ويسفكُ الدماء فاسجدهم له وأظهر فضله عليهم، لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة الذي اصطفاه ربهم.
واستخرج سبحانه ما كان كامنًا في نفس إبليس من الكِبر والمعصية، والذي ظهر عند أمره بالسجود مع الملائكة لآدم ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فاستحق إبليس اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنًا في نفسه والله يعلم ذلك، ولكن لم يكن ليعاقبه على ما علمه بل على وقوع المعلومة الذي لم تكن الملائكة تعلمه فلما امتنع من السجود علموا خُبثه، وسبب معصية إبليس الاستكبار والإباء والكفر بينما ذكر تلك الشبهة عنوةً، إذ ليس في أمره بالسجود لآدم ما يُناقض الحكمة بوجه، وشبهة إبليس داحضة أنه قال: أنه خُلِقَ من نار وآدم خُلِقَ من طين والنار خيرٌ من الطين فهو خيرٌ من آدم فكيف يخضع له، ويسجد له؟!.
كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢].
فلما امتنع إبليس من السجود وعصا ربه واستكبر حطه الله من مرتبته العالية إلى أسفل سافلين، وأهبطه من الجنة لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق الله وشرهم فأُهبط إلى الأرض ذليلًا مهانًا ملعونًا جزاءً على كبره وعُجبهِ، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣].
وقال الله ﷿: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨].
شُبهة إبليس أنه قال: أنه خُلق من نار وآدم ﷺ خُلِقَ من طين، والنار خيرٌ من الطين، فهو خيرٌ من آدم كيف يخضع له؟!.
كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٥ - ٧٦].
وشُبهة إبليس باطلةٌ حسًا وعقلًا وشرعًا، فإن الطين والتراب خيرٌ من النار، لأن النار طبعها الفساد والإتلافُ والإحراق، والتراب طبعه النفعُ والإنبات، والنار طبعها الخفة والطيش، والتراب طبعه الخفة والسكون، والتراب يخلق الله فيه أرزاق الحيوان ولباسهم ومساكنهم بخلاف النار التي تحرق كل شيء، والتراب إذا وُضع فيه الحبة أخرجه أضعافًا كثيرة بخلاف النار التي تأكل كل ما يُوضع فيها، والأرض وصفها الله بالبركة.
وأما النار فهي مذهبةٌ للبركة، وأوضع الله في الأرض من المنافع والأقوات والثمار والأشياء والمعادن والعيون والنبات والحيوان وغيرها ما لم يودع في النار شيءٍ منها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
فالنار وإن كان فيها بعض المنافع فالشر كامنٌ فيها، وقد استخرج الله من هذه الخليفة وذريته الأنبياء والرسل والعُباد والعلماء والمجاهدين والمتصدقين والأولياء والمؤمنين والصابرين والصائمين وعمر بهم الجنة، وميز الخبيث من ذريته من الطيب، وعمر بهم النار.
وقد خلق الله آدم ﷺ في أحسن تقويم وأكمل صورةٍ وأجملها وأكمل محاسنه الباطنة بالعلم والحلم والوقار، وتولى ربه خلقه بيده فجاء في أحسن خلق وأجمل صورة طوله في السماء:
ستون ذراعًا قد أُلبس رداء الجمال والحسن والمهابةِ والبهاء:﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فرأت الملائكة منظرًا لم يشاهدوا أحسن منه هو أجمل فوقعوا كلهم سجودًا أمام ربهم ﷿ إلا إبليس فإنه امتنع عن السجود حسدًا، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والله سبحانه بكمال قدرته خلق خلقه أصنافًا ليُظهر كمال قدرته لعباده، وخلق سبحانه من خلقه عقولٌ بلا شهوات كالملائكة، وخلق منهم شهواتٌ بلا عقول كالحيوانات، ومنهم من له عقول وشهوة كالإنس والجن، ومنهم من لا عقل له ولا شهوة كباقي المخلوقات من جمادٍ ونبات، وقد اقتضت حكمة الله تفضيل بني آدم على كثيرٍ من خلقه فميزهم الله وكرمهم بما شاء، وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم، فهي عبوديةٌ اختيارية تزاحمها المعارضات والموانع والشهوات: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
أما عبودية غيره من الملائكة فهي عبوديةٌ بلا معارض، إذ هم مجبُلون عليها كما جُبلت الشمس على الإنارة، وجُبلت الأرض على الإنبات، والله ﵎ سبق في علمه أن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته وأسكنه في الجنة ليُربيه ويريده النعيم الذي أعده الله له ولأولاده، فأمره الله ونهاه وأعلمه بعدوه وحذره منه ووفر له كل ما يحتاجه في الجنة، وأمره بالأكل من كل شيءٍ في الجنة، ونهوه عن الأكل من شجرةٍ واحدة.
وخلا بينهم وبين عدوهم إبليس ليمتحن إيمانه وطاعته قبل نزوله على ميدان العمل، ووسوس إليه الشيطان بالأكل فنسي وغلبته الشهوة فأكل، وخلا بينه وبين نفسه حتى عصا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦].
ثم ألهم الله آدم التوبة فتاب، وتاب الله عليه، وبعد أن كملت تربيته وعرف عدوه وعاش في داره، أهبطه الله ﷿من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعمل، ليعود إليها ومن آمن من ذريته على أكمل الوجوه، فكم لله من حكمة من إهباط آدم للأرض تعجز الألسن عن وصفها وتعجز العقول عن إدراكها والإحاطة بها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ومن تلك الحكم:
أن الله أنزل آدم ﷺ ليكون إيمانه وإيمان ذريته تامًا، وليكون الإيمان قولٌ وعملٌ وجهادٌ وصبرٌ وبذلٌ وترك، وهذا إنما يكون في دار امتحان لا في جنة النعيم.
ومنها: أن الله خلق آدم وذريته ليستعمرهم في الأرض، ويجعلهم خلفاء في الأرض فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه، فإذا وافوا دار النعيم بعد التعب والكد عرفوا قدر تلك الدار وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الحور والولدان.
ومنها: أن الله ﷿ أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلًا وأنبياء وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه يؤثرون محابه ومراضيه على شهواته أنفسهم وما يحبونه فأنزلهم إلى دار الابتلاء والامتحان ليُكملوا مراتب العبودية صبرًا وشكرًا يعبدوه بالسراء والضراء بما تكره نفوسهم، وهذا لا يحصل إلا في دار النعيم، وهذا لا يحصل في دار النعيم المطلق الخالية من الابتلاء.
ومنها: أنها سبحانه له الأسماء الحسنى الغفور الرحيم والعزيز والكريم والملك والجبار، وهذه لها آثار فأنزل الله آدم إلى الأرض، وجعل له ذرية ليُظهر آثار أسمائه وصفاته فيهم وفيما حوله من المخلوقات.
فإن الله هو الملك العظيم الذي يأمر وينهى ويُعطي ويمنع ويُعز ويُذل ويُثيب ويُعاقب، فأنزل أبوي الإنس والجن إلى دارٍ تجري عليهم فيها هذه الأحكام، ثم يعودون إليه مع ذرياتهم فيحاسبهم على ما عملوا، كما قال سبحانه:﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠].
والله ﵎ هو الملك الذي يملك كل شيء له ملك السماوات والأرض وله ملك الدنيا والآخرة وله ملك عالم الغيب والشهادة، وهو ربنا ونحن عبيده وهو مالك الملك، ولابد للملك من جنود، والله له جنود السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١]
ولابد للملك من أوامر تصح به أحوال رعيته وهي الكتب السماوية المشتملة على الحث والترغيب والنهي والتحذير، ولابد له من سفراء بينه وبين خلقه وهم الأنبياء والرسل الذين يبينون للناس ما نُزل إليهم من ربهم، ولابد أن تكون له محكمة يحاسب فيها من أطاع ومن عصى، فيجزي على الخير خيرًا وعلى الشر شرًا، وهي يوم القيامة:﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
ولابد له بعد الحساب أن يكرم على طاعته بما يُسعدهم وهو الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
ولابد له أن يُذل ويُهين أهل معصيته بما أعد لهم من العذاب وهي النار، دار الأشقياء والمشركين والكفار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
وقال الله ﷿: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩].
***
مختارات

