الخزانة الثامنة..
• فقه خلق الإنسان:
ثم إن الله ﷿ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وتأمل كيف جعل سبحانه الرقبة مركبًا للرأس، وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات، ثم طبق بعضها على بعض حتى كأنها خرزةٌ واحدة، ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر، ثم ركب الظهر من أعلى إلى منتهى العجز من أربعٍ وعشرين خرزة، وركب بعضها في بعض، هي مجموع أضلاعه والتي تمسكها أن تنحل أو تنفصل.
فسبحان الخلاق العليم.
ثم وصل الحكيم الخبير تلك العظام ببعضها ببعض، وصل عظام الرأس بعظام الرقبة، وعظام الرقبة بعظام الظهر، وعظام الظهر بعظام الصدر، وعظام الكتفين بعظام العضدين، وعظام العضدين بالذراعين، والذراعين بالكفين، والكفين بالأصابع، ووصل عظام الظهر بالعجز، ووصل عظام العجز بالفخذين، والفخذين بالساقين، والساقين بالقدمين، والقدمين بالأصابع: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والرأس كسوةً من اللحم تناسبها، والعظام الدقيقة كسوةً تناسبها كالأصابع، والمتوسطة كذلك، كعظام الذراعين والعضدين، فالإنسان مركبٌ على ثلاثمائة وستين عظمة، فلو زادت واحدة أو نقصت واحدة لاختل تركيب الجسم ونظامه، واضطربت حركة الإنسان.
ثم إنه سبحانه ربط تلك الأعضاء والأجزاء بالرباطات، فشد بها أسرها لتمسكها وتحفظها، حتى بلغ عددها خمسمائة وتسعةٍ وعشرين رباطًا، وهي مختلفة الطول والقصر، والغلظة والدقة، بحسب اختلاف مواضعها ووظائفها، فجعل منها أربعةٍ وعشرين رباطًا آلة لتحريك العين، وفتحها وضمها وإبصارها، لو نقص منها رباطٌ واحدٌ لاختل أمر العين.
وهكذا لكل عضوٍ من الأعضاء رباطات، هن له كالآلات التي بها يتحرك ويتصرف، وذلك كله صنع الرب الحكيم، وتقدير العزيز العليم، في قطرةٍ من ماءٍ مهين، فويلٌ للمكذبين، وبعدًا للجاحدين فتبارك الله أحسن الخالقين:﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن عجائب خلقه سبحانه، أنه جعل في الرأس ثلاث خزائن، في مقدمته، وفي وسطه، وفي مؤخرته، وأودع تلك الخزائن من الأسرار ما أودع، من التذكر والتفكر والتعقل والحفظ، ومن عجائب خلق الإنسان ما فيه من الأمور الباطنة، التي لا تشاهد، كالقلب والكبد والطحال، والأمعاء والرئة والمعدة، والمثانة والحرارة والمرارة، وسائر ما في بطنه من الآلات العجيبة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
أما القلب فهو الملك، المستغل لجميع آلات البدن، المستخدم لها، فهو مخدومٌ مستقرٌ في الوسط، وهو أشرف أعضاء البدن، وبه قوام الحياة: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
متفقٌ عليه.
والقلب معدن العقل والعلم، والحلم والشجاعة، والمروءة والكرم، والصبر والحب، والرضا والغضب، والإيمان والكفر، والتقوى والفجور، وسائر صفات الكمال، وجميع الأعضاء الظاهرة والباطنة وقواها إنما هي جندٌ من أجناد القلب، فالعين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات والمبصرات، والأذن رسوله المؤدي له جميع المسموعات، واللسان ترجمانه المخبر عنه، وجعل الله سبحانه الرئتين كالمروحة، تروح عليه دائمًا لأنه أكثر الأعضاء عملًا، وأشدها حرارةً، وأعظمها إدارةً وحركة.
هذا خلق الله في قطرةٍ واحدة من ماءٍ مهين، فكم خلق الله من قطرةٍ في العالم، وكم جعل في هذه القطرة من الأحياء؟
هذا في عالم الإنسان، فكم من العجائب في خلق الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، وغيرها من المخلوقات من الجمادات والنباتات والحيوانات، والإنس والجن والملائكة، وغيرها مما لا نعلمه أو نعلم بعضه:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فسبحان الخلاق العليم الذي تولى خلق هذه النطفة، وجعل منها إنسانًا سويًا سميعًا بصيرًا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢].
فما أعظم قدرة الله، وما أعظم صنعه في هذه النطفة، كيف جعلها إنسانًا، وبث منها البشرية المنتشرة على وجه الأرض، فمن هذه عظمته، وهذه نعمه، وهذا صنعه، كيف لا يعبده الإنسان ويطيعه وهو الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره؟
أما يخاف هذا الإنسان يومًا عبوسًا قمطريرًا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥٢].
إن الإنسان إذا نظر إلى غذائه في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب، كيف جعل الله له آلة يتناول بها، ثم بابًا يدخل منه، ثم آلةٌ تقطعه صغارًا، ثم طاحونٌ يطحنه، ثم أُعين بماء يعجنه، ثم جعل له مجرى وطريقًا إلى جانب النفَس، ينزل هذا ويصعد هذا، فإذا وصل الطعام إلى المعدة التي هي خزانته، ولها بابان، بابٌ أعلى يدخل منه الطعام، وبابٌ أسفل يخرج منه تفله.
والباب الأعلى أوسع من الأسفل، والأسفل منطبقٌ دائمًا، فإذا انتهى الهضم انفتح ذلك الباب لخروج الفضلات، وقد أحاط الله المعدة من داخلها وخارجها بحرارةٍ نارية، ربما تزيد على حرارة النار، ينضج بها الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار.
فإذا أذابته المعدة وطبخته على صفوه إلى فوق، ورسا كدره إلى أسفل، ومن المعدة عروقٌ متصلة بسائر البدن يُبعث فيها نصيب كل عضو وقوامه بحسب استعداده وقبوله، فيبعث ألطف ما يتولد من الغذاء وأخفه وأشرفه إلى الأرواح، وينبعث إلى الدماغ منه ما يناسبه في اللطافة والاعتدال، وينبعث منه إلى العظام والشعر والأظافر ما يغذيها ويحفظها، وينبعث من الباقي إلى بقية الأعضاء كلٌ بحسبه.
ولما كان الغذاء يستحيل في المعدة إلى دم، ومرةٍ سوداء ومرةٍ صفراء وبلغم، اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل لكل واحدٍ من هذه الأخلاط مصرفًا يُصبُّ إليه، ويجتمع فيه، ولا ينبعث للأعضاء الشريفة إلا أكمله.
فوضع الله سبحانه المرارة مصبًا للمرة الصفراء، ووضع الطحال مقرًا للمرة السوداء، والكبد تمتص أشرف ما في ذلك وهو الدم، ثم تصفيه وتبعثه إلى جميع البدن، من عرقٍ واحد ينقسم إلى مجارٍ كثيرة، يوصل إلى كل واحدٍ من العروق والأعصاب والعظام والشعور ما يكون به قوامه.
سبحان الملك الحق ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وإذا كان هذا صنعه في قطرة ماءٍ مهين، فكيف صنعه في ملكوت السماوات والأرض؟ وكيف شأن الكرسي الكريم؟ وكيف شأن عرشه العظيم؟ وكم تكون عظمة الرب ﷻ؟ وكم تكون عظمة الجنة التي خلقها، والنار التي سعرها؟ وكيف عظمته وجلاله وكبرياؤه؟.
قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
من عجائب خلق الإنسان ما خلق الله فيه من الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك، ورتبها بحكمته سبحانه، فأولها حاسة اللمس، وهو أول حس يُخلق للحيوان، وأقل درجاته أن يحس بما يلاصقه، وخلق الله للبعيد حسًا آخر تدرك به ما يبعد عن الإنسان.
فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد، ولكن لا تدري من أي ناحيةً جاءت الرائحة، فخلق الله لك البصر تدرك به ما بعُد عنك وتدرك جهته، فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصًا، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فقد يقصدك عدوٌ بينك وبينه حجاب، وقرُب منك قبل أن يُكشف الحجاب فتعجز عن الهرب.
فخلق الله سبحانه السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات، عند جريان الحركات، ولا يكفي ذلك لو لم يُخلق لك حس الذوق، الذي تعلم به ما يوافقك وما يضرك، وتعلم به الطعوم وأحوالها من حلوٍ وحامض، ومرٍ ومالح، وحارٍ وبارد.
ثم أكرمك الله ﵎ بصفة أخرى هي أشرف من الكل، وهي العقل الذي تدرك به معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته، وعظمته وقدرته، وآلائه وإحسانه، وهذا أعلى فوائد العقل:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأدناها ما تدرك به الأطعمة وما ينفعك وما يضرك، ثم انظر إلى حكمة ربك الخلاق العليم في خلق القدرة والإرادة في الإنسان، فلو خلق لك البصر حتى ترى به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوقٌ إليه وشهوةٌ له تستحثك على القصد إليه لكان البصر معطلًا، فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته.
فخلق لك الرحيم شهوة الطعام، وسلطها عليك لتأكل فتبقى، ثم هذه الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام لأسرفت وأهلكت نفسك، فخلق -العليم- الكراهية للطعام عند الشبع، لتترك الأكل بها.
وكذلك خلق شهوة الجماع لحكمة بقاء النسل، وقد خلق الله ﷿ كل حيوانٍ ورزقه، والرزق والأجل قرينان، فما دام الأجل باقيًا كان الرزق آتيا، وإذا سد الله على العبد بحكمته طريقًا من طرق الرزق فتح الله له برحمته طريقًا أنفع له منه، لأنه الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فانظر إلى الجنين في بطن أمه، يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريقٍ واحدة وهو حبل السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطرق فتح الله له طريقين اثنين وهما الثديان، وأخرج الله له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول، لبنًا خالصًا سائغًا يناسب حال المولود، فلما تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح له المولى الكريم طرقًا أربعة أكمل منها تناسب حاله، وهما طعامان وشرابان:
• فالطعامان:
النبات.
والحيوان.
• والشرابان:
المياه، وما يتصل بها من الألبان والعسل ونحوها من المنافع والملاذّ.
فإذا مات الإنسان انقطعت عنه هذه الأربعة، لكنه سبحانه فتح له -إن كان سعيدًا- طرقًا ثمانية وهي أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء، ليجد نعيمًا لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر:﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
فأي نعيمٍ فوق هذا؟ وأي كرمٍ من ربنا علينا فوق هذا؟
إن الرب جل وعلا لا يمنع عبده المؤمن شيئًا من الدنيا إلا ويؤتيه ما هو أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
فإنه سبحانه يمنع الحظ الأدنى ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦].
ولكن العبد لجهله بربه، وجهله بكرمه، وجهله لحكمته ولطفه، وجهله بمصالح نفسه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ادخر له، بل هو مولعٌ بحب العاجل وإن كان دنيئًا فانيًا قليلًا، فبقلة الرغبة في العاجل وإن كان عليًا باقيًا.
ولو تأمل العبد وفكر لعلم أن غضب الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها أعظم من غضبه عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطريق الموصلة إليه، وهي طريق الإيمان والتقوى:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
ركب الله ﷿ في الإنسان قوتين، هما قوة الشهوة وقوة الغضب، وهاتان القوتان بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهما، وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وبهما ينال العبد منازل الأبرار، أو ينحط تحت أقدام الأشرار في أسفل سافلين: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فمن شهوته مصروفة إلى ما أعد الله له في دار النعيم، وغضبه حميةً لدين الله ولكتابه ولرسوله ولدينه، فهذا في الدرجات العلى والنعيم والمقيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن كانت شهوته مصروفةٌ في هواه وأمانيه العاجلة، وغضبه مقصورٌ على حظه، ولو انتهكت محارم الله وحدوده وشرائعه، وهو ملحوظٌ بعين الاحترام والتقدير ونفوذ الكلمة، فهذا في أسفل سافلين.
• ولن يجمع الله بين الصنفين في دارٍ واحدة:
الأول: صعد بشهواته وغضبه إلى أعلى عليين فهو في الجنة،فمحبوباته: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
فهذا وعده الله بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
والثاني: هبط بالشهوة والغضب إلى أسفل سافلين، فهو في النار: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله ﷿: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
فسبحان من خلق هذا الإنسان من تراب، وجعل نسله من ماءٍ مهين، ووكل بخلقه من هذا الماء ملائكة تنفذ أمر الله فيه، فهم المدبرات أمرًا، فهذه النطفة بمجرد استقرارها في الرحم تتولاها ملائكةٌ بأمر الله، فتنقسم إلى خلايا، يلهمها الله ماذا تفعل وماذا تريد وأين تكون.
وكل خلية من هذه الخلايا مكلفةٌ بأمر الله ببناء ركنٍ من أركان هذه العمارة الهائلة، عمارة الجسم الإنساني العجيب، فتنطلق مجموعةٌ منها لتنشئ بأمر الله الهيكل العظمي، وأخرى تنشئ الجهاز الهضمي، وأخرى تبني الجهاز العصبي، وأخرى تبني الجهاز الدموي، وأخرى تبني الجهاز التناسلي، وأخرى تبني الجهاز التنفسي، إلى آخر بقية الأركان في العمارة الإنسانية العظيمة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وهذه العمارة دقيقة الصنع، عجيبة التركيب، متنوعة الوظائف، وكل خليةٍ مأمورةٍ تقوم بنوعٍ معين من العمل في الركن المخصص لها من العمارة، يأمرها الملك، فتنطلق بأمر الله وهي تعرف طريقها وتعرف إلى أين هي ذاهبة، وما هو مطلوبٌ منها، ولا تخطئ واحدةٌ منها الخلايا المكلفة من تصنع العين تعرف أين مكانها، وتعرف أين العين، وتعرف أن العين ينبغي أن تكون في الوجه.
ولا يجوز أن تكون في البطن أو الظهر أو القدم، مع أنه يمكن أن تنمو في أي مكان، فمن ترى قال لها إن هذا الجهاز يحتاج إلى عين في هذا المكان دون سواه، فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، إنه العلي الأعلى الذي خلقها وهداها إلى طريقها في المتاهة التي لا هادي فيها إلا الله وحده:﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
وكما أودع الله في الأرض ودائع بالجهد عليها تظهر هذه الودائع وتنفع الناس، كما هو الحديد والذهب والفضة وسائر المعادن، كذلك وضع الله في الآدمي ودائع، إذا اجتهدنا عليها في المنهج الصحيح ظهرت هذه الودائع وخدمت الدين، وإلا نجتهد عليها يضيع هذا الاستعداد بين شهوات البهائم أو غضب السباع، أو كيد الشياطين: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
فكل جوارح الإنسان خلقت للعبادة، وخدمة الدين والقيام بالدين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
فالعين عندها استعداد النظر، والأذن عندها استعداد السمع، والقلب عنده استعداد الإيمان، والعقل عنده استعداد الفكر، واللسان عنده استعداد الكلام، واليد عندها استعداد البطش بالأعداء، والرجل عندها استعداد المشي والكر والفر، وهكذا بقية الجوارح: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فأين الذي استفاد منها حسب أمر الله؟.
قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقد خلق الله اللسان، وجعل فيه استعداد الكلام، حيث يحدث الصوت من هواءٍ ساذج، يخرج من الصدر حتى يصل إلى الحلق واللسان والشفتين والأسنان، فيحدث منه الكلام و الصوت، نظمه ونثره، وخطبه ومواعظه، لينه وخشنه، والضحك والبكاء، والترغيب والترهيب، والسؤال والجواب، والإبلاغ والتبشير، والنداء والدعاء، والحمد والذم، والتسبيح والاستغفار، وغير ذلك مما يمكن حصره من أنواع الكلام الذي ينطق به الإنسان بإذن الله: ﴿الرَّحْمَنُ (١)عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
فسبحان القدير الذي أخرج كل ذلك من هواءٍ ساذج يخرج من الصدر، ولا يدري ما يراد به، ولا أين ينتهي، ولا أين مستقره، فهو بحرٌ من الهواء يقلبه الله إلى بحرٍ من الكلمات والجمل التي تحمل المعاني وأعجب من هذا اختلاف الألسنة والأصوات واللغات: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢].
فيجتمع خلقٌ من الناس من بلادٍ شتى وكلٌ يتكلم بلغته، ولا يدري كلٌ منهم ما يقول الآخر، مع أن الهواء واحد واللسان واحد والحلق واحد، والأضراس واحدة والشفتان واحدة:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٨].
فمثل اللسان مثل الأرض، تسقى بماءٍ واحد، وتخرج نباتات مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والأحجام، من الأشجار والأزهار والحبوب والثمار، مع أن التراب واحد والماء واحد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤].
قال الله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ومن عجائب خلق الإنسان عملية تحويل الغذاء في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم المختلفة، إنها عمليةٌ عجيبةٌ فائقة العجب، وهي بقدرة الله وتدبيره، تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عملية الاحتراق كما تتم عملية التنفس.
وفي كل لحظة تتم في جسم الإنسان عمليات هدمٍ وبناء مستمرة، لا تكف حتى تفارق الروح الجسد.
ولا يملك الإنسان أمام هذه المخلوقات العظيمة وهذه العمليات العجيبة إلا أن تهتف كل ذرةٍ فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الكون والإنسان.
والله خلق الإنسان وزوده بآلات العلم والمعرفة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، فأي نعمةٍ فوق هذه النعم:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فمتى يشكر الإنسان ربه على هذه النعم الظاهرة والباطنة؟.
قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وأول الشكر وأعظمه الإيمان بالله الواحد الأحد، وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته فيما أمر ونهى، والدعوة إليه والإحسان إلى خلقه، ألا ما أعظم فضل الله على الإنسان في خلقه وحُسن صورته الخَلْقيّة والخُلُقِيّة، وحسن صورته الشعورية.
فالإنسان أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني، كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداده الروحي، ومن ثم وُكلت إليه الخلافة في الأرض،وأقيم خليفةٍ في هذا الملك العارية إلى يوم الدين: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
***
مختارات

