الصحابة مرآة لا تكذب
ثمة سؤال واحد، بسيط، لا يحتاج عالِماً ولا مجلداً ضخماً.
أربع كلمات فقط:أين هذا عند الصحابة؟
تفتش في كلامهم كله.
في مجالسهم ووصاياهم ولحظات احتضارهم.
في ما نُقل عنهم في كتب الحديث والسير والطبقات — وهي كتب لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أثبتتها.
فلن تجد كلمة واحدة عن كرامات لوليّ ميت.
ولن تجد حديثاً عن كشف يُكشف للسالك حين يبلغ مرتبة من مراتب الطريق.
ولن تسمع من أحدهم كلاماً عن أقطاب يُدار بهم العالم في الخفاء، ولا عن أبدال تقوم بهم الأرض، ولا عن أغواث يُستغاث بهم حين تضيق الأسباب.
هذه المصطلحات كلها — بكل ما تحمله من فلسفة دخيلة وهرمية روحية وعوالم مُتخيَّلة — لم تنطق بها شفة صحابي واحد.
كأنهم لم يعرفوها _وهم لم يعرفوها_ لأنها لم تكن من الإسلام الذي تعلّموه.
وكذلك تلك الأحوال المروية — الصعق والغشيان والنُّواح الجماعي عند الذكر، والحلقات المرتّبة على هيئات مخصوصة لا أصل لها في السنة.
لم يُنقل شيء من هذا عن أحد منهم.
لا عن أبي بكر ولا عمر ولا عن أحد من العشرة المبشرين بالجنة.
كانوا يذكرون الله — لكن بذكر تعلّموه من النبي عليه الصلاة والسلام، لا بذكر اخترعه شيخ وقرر أنه الطريق.
تديّنهم كان واضحاً كالماء.
لا غموض فيه ولا طبقات خفية ولا أسرار لا تُقال إلا لمن بلغ درجة كذا.
كان ديناً يُتعلَّم ويُعلَّم، ويُسأل عنه ويُجاب، ويُحتجّ به ويُردّ به على المخالف.
بلا مصطلحات مستوردة من فلسفات اليونان والفرس.
وبلا طقوس مخترعة تُؤدَّى في حلقات ويُسمى ذلك ذكراً.
كان ديناً أنزله الله، وبلّغه نبيّه، وحفظه أصحابه.
لا أكثر، ولا أقل.
وهذا هو الذي يُزعج.
ليس الكلام عن الصحابة في ذاته — بل حين يتحول إلى معيار.
حين تسأل: ماذا فعلوا هم في هذه المسألة بالذات؟ هل وقف أحدهم عند ضريح؟ هل استغاث بميت؟ هل تكلّم عن قطب أو بدل أو فيض؟
المرآة لا تتملقتُري ما هو موجود فقط.
وحين يكون الجواب لا — وهو لا دائماً — لا يبقى أمام المخالف إلا أحد طريقين: إما أن يعترف، وإما أن يتهرب.
وللتهرب أشكال يعرفها كل من تابع هذه النقاشات — تغيير الموضوع، والاتهام بالجفاء، والهجوم على من يسأل بدل الإجابة على السؤال.
ومن أكبر أسباب الخداع أن يأتي بنص مفهومه البعيد محتمل، فيستدل به على حال بغيض، مخالف لأحوال الصحابة في الاستغاثة والتوسل وغيرها، بل ولم يُعرف عن أحدٍ منهم، (كحديث إنى أتوجه إليك بنبيك).
كل هذا اللف والدوران، لأنهم يعرفون جيداً أن المواجهة المباشرة خاسرة.
الصحابة لم يكونوا جافّين ولا باردي القلوب.
بل كانوا أشد الناس بكاءً وخشوعاً وشوقاً إلى الله.
لكن طريقهم كان مفتوحاً للجميع — لا أسرار فيه ولا مفاتيح خاصة ولا وسطاء بين العبد وربه.
ولن ترى عندهم هذه الأوهام ولا الأحوال المخترعة.
وذلك التضايق من سؤال بسيط — قبل أي جواب — هو الجواب.
والسؤال لا يزال قائماً.
أين هذا عند الصحابة؟
رضي الله عنهم، وجعلنا ممن يتبع آثارهم، علم وعمل، حال ومنهج، وألحقنا بهم في جنّات النعيم.
مختارات

