الخزانة الرابعة..
• قوة الملائكة:
الملائكة خلقٌ عظيم من خلق الخلاق العظيم ﷻ، والملائكة كغيرهم من المخلوقات متفاوتون في الخلق، متفاوتون في الصفات، ومتفاوتون في الأعمال، جعلهم الله ﷿ رُسلًا في تدبير أوامره القدرية، وجعلهم رُسلًا بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الشرعية لرسله وأنبيائه، ومنحهم سبحانه من القوة والقدرة ما يستطيعون به تنفيذ أوامر الله في أسرع وقت، فقوة جميع الخلائق كلها لا تساوي قوة ملك من الملائكة، فكيف بقوة جميع الملائكة؟ فكيف بقوة من خلقهم سبحانه؟
قال الله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤].
فإسرافيل ﷺ ملك من الملائكة، وكَّله الله بالنفخ في الصور، والصور كالبوق، وبنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات السبع، ومن في الأراضين السبع، فهذه نفخة الصعق، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الخلائق كلهم قيام ينظرون.
بنفخة واحدة يصعق من في العالم العلوي، ومن في العالم السفلي إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يقومون لرب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
فهاتان نفختان عظيمتان من إسرافيل، بالأولى مات من بالعالم، وبالأخرى دبت الحياة في جميع من في العالم، فماذا يملك إسرافيل ﷺ من النفخات؟ وإذا كانت هذه قوة نفخته؟ فكم تكون قوة جسده؟ وكم تكون قوة من خلقه وأمره جل جلاه؟!.
فسبحان العزيز الجبار الكبير المتعال، الذي قهر جميع الخلائق، وخلق القوة في كل قوي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
وجبريل ﷺ من أعظم الملائكة، وكَّله الله بالوحي إلى الأنبياء، خلق الله له ستمائة جناح، جناح واحد منها لما نشره سد الأفق، وبطرف جناحه قلع خمس قرى من قرى قوم لوط، بما فيها من المخلوقات، والجبال، ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم بأمر الله ﷿: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر: ٧٤].
فإذا كانت هذه قوة طرف جناحه؛ فكم تكون قوة كامل جناحه؟.
وإذا كانت هذه قوة طرف جناحه؛ فكم تكون قوة جميع أجنحته الستمائة؟ وكم تكون قوة جسده؟، فكيف بقوة خالقه العزيز الجبار ﷻ؟!.
فلا إله إلا الله، ما أعظم قوته وقدرته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وعن ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ».
متفق عليه.
وميكائيل ﷺ من أكابر الملائكة، وكَّله الله بالقطر والنبات الذي به حياة الأبدان، فكم من المياه يُكيلُها ويفرقها حول العالم بأمر الله؟ وكم من الأرزاق يُكيلُها للخلائق كل يوم بأمر الله؟ فسبحان من أعطاه القدرة على معرفتها وقسمتها وتوزيعها في العالم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأحد حملة العرش خلقه الله ما بين شحمة أذنه ومنكبه مسيرة سبعمائة عام، كما قال النبي ﷺ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ».
أخرجه أبو داود بسند صحيح.
وإذا كانت المسافة من الأذن إلى العاتق سبعمائة سنة، فكم تكون المسافة من رأسه إلى رجليه؟ وكم تكون قوة هذا الملك الذي يحمل هذا العرش العظيم الذي السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة من خاتم في أرض فلاة؟ وكم عظمة العرش الذي هذا الملك أحد حملته؟ فكيف بقوة وعظمة الرب الذي خلق العرش، وخلق حملته، وخلق جميع ما في الكون؟
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فما أجهلنا بالرب وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ وما أجرأنا على معصية أوامره: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وخلق الملائكة سابق على خلق آدم وذريته:
ولما كانت أجسام الملائكة نورانية لطيفة، فإن البشر لا يستطيعون رؤيتهم إلا إذا تمثلوا في صورة بشر، ولم ير الملائكة من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ
رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق.
والملائكة ليسوا على درجة واحد في الخلق، والمقدار.
بعض الملائكة له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وجبريل له ستمائة جناح: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
ومقاماتهم عند ربهم متفاوتة معلومة، كما قال سبحانه:﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٤ - ١٦٥].
قال سبحانه في جبريل ﷺ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].
ومساكن الملائكة ومنازلهم في السماء، وينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ أوامر الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤].
ويكثر نزولهم في مناسبات وأوقات خاصة، كليلة القدر:﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]
والملائكة يموتون عند النفخ في الصور كما يموت الإنس والجن وكل ذي روح، وتقبض أرواحهم حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم بالبقاء كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
والملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى، يستغفرون لمسيئهم، ويثنون على مؤمنيهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على أعدائهم من الكفار والشياطين.
والشياطين أغش خلق الله لعباده، وعلى أيديهم حصل للبشر كل شر وإضلال، وغواية وإفساد: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
والملائكة أهل طاعةٍ مطلقة، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة، ولكنهم دائمون في تسبيح ربهم واستغفاره:﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله ﷿ عن الملائكة: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨].
استدرارًا لمغفرته ورحمته، ولما يحسون من علوه وعظمته، ولما يعلمون من جماله وجلاله، ولما يخشون من التقصير في طاعته وحمده، بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف يكفرون، وينحرفون في أقوالهم وأعمالهم، حتى أن السماوات ليكدن يتفطرن من فوقهن من شذوذ بعض أهل الأرض، وإشراكهم بالله، وكفرهم به.
بينما الملائكة الكرام يستغفرون لمن في الأرض جميعًا من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين والكافرين: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].
وقال الله ﷿: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فتشفق الملائكة من غضب الله، ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير لفاطر السماوات والأرض ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقد وكل الله بالعرش العظيم ملائكةً يحملونه، وملائكةً حوله يطوفون به، لهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس والتعظيم لربهم، صافّون لا يسأمون ولا يفترون عن العبادة لربهم، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول.
يا حسرةً على العباد، ماذا علموا وماذا جهلوا من عظمة الرب العظيم، وقدرته وجلاله وجماله وكبريائه، وما الذي غرهم حتى أعرضوا عن ربهم فعصوه وأطاعوا عدوه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
وقد وكّل الله سبحانه بالرياح ملائكة تصرفها بأمره، ووكل بالقطر ملائكة، ووكل بالسحاب ملائكة تسوقه وتفرقه حيث أُمِرت.
قال النبي ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ».
أخرجه مسلم.
وكل سبحانه بالجبال ملائكة يقومون عليها، ويحركونها ويرفعونها بأمر الله، ووكل سبحانه بالرحمة ملائكة، ووكل بالعذاب ملائكة، ووكل بالوحي ملائكة يؤدونه إلى أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].
ووكل سبحانه بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها، ويصنعون أرائكها وسررها، وصحافها ونمارقها، وزرابيها وقصورها: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويسجرونها، ويصنعون أغلالها وسلاسلها، ويقومون بأمرها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
ووكل سبحانه بالبحار ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها.
ووكل ﷻ ملائكة بأعمال بني آدم خيرها وشرها، تحصلها وتحفظها وتكتبها: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
فالإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وإذا عرفنا ذلك فيجب أن نعلم أن كل حركةٍ في العالم العلوي والسفلي فسببها الملائكة، وحركتهم طاعةٌ لله ﷿، وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته، ويرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعًا وقدرًا، والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره، فهم رسل الله في تنفيذ أوامره في ملكه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء/ ٢٧ - ٢٨].
وجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعةٌ للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فما تحرك في العالم العلوي والعالم السفلي إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها.
فالملائكة هم المقسمات أمر الله ﷿ الذي أمِرت به بين خلقه، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]
والملائكة هم المدبرات أمر الخلائق بأمر الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
فالملائكة تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، وكلٌ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا، وأمور الآخرة، وأمور العالم العلوي، وأمور العالم السفلي، لا يتعدى منه ما قدر له، ولا ينقص منه شيئًا، فالملائكة ينفذون أوامر الله في خلقه، في كل حال، وفي كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل مخلوق: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
فجبريل ﷺ ينزل بالوحي على الرسل والأنبياء، ويقسم العذاب وأنواع العقوبة على من خالف أمر الله ورسله.
وميكائيل ﷺ قائم على القطر والنبات، والبرد والثلج يقسمها بأمر الله على البلاد والعباد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وملك الموت ﷺ يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله، فلا يفر من الموت أحد، ولا يموت أحدٌ قبل أجله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١].
وإسرافيل ﷺ يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور النفخة الثانية.
فتدبير أمر العالم العلوي والسفلي إنما هو بأمر الله، على أيدي الملائكة الذين يدبر الله بهم أمر العالم.
هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن، وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم، وحسن الخلق، وكمال الانقياد لأمر الله، والقيام بعبادته، وتنفيذ أوامره في أقطار العالم.
فسبحان الرب العظيم الذي خلق هذا الخلق العظيم الذي يعبده كما ينبغي لجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وينفذ أوامره في مملكته، وملكه العظيم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فكل حركةٍ في السماوات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر، والرياح والسحاب، والنبات والحيوان، والتراب والحبال، فهي ناشئةٌ عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض ومن فيهن كما قال سبحانه عنهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
والقرآن العظيم كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل ﷺ على قلب سيد المرسلين محمدٍ ﷺ.
وقد أضاف الله القرآن إلى الرسول الملكي وهو جبريل تارة فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]
وأضافه إلى الرسول البشري محمدٍ ﷺ تارة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣].
وإضافة القرآن الكريم إلى كل واحدٍ من الرسولين الملكي والبشري إضافة تبليغٍ، لا إضافة إنشاءٍ من عنده، فهو كلام الله الذي تكلم به حقًا، وجبريل سمعه من الله، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل، والأمة سمعته وبلغها من محمدٍ ﷺ،وهذه الأمة عليها أن تبلغ هذا القرآن إلى البشرية إلى يوم القيامة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقد وصف الله رسوله الملكي جبريل بأنه كريم، قوي، مكين عند الرب تعالى، مطاعٌ في السماوات، أمين: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].
هذه خمس صفات تضمن تزكية سند القرآن الكريم.
فهذا الملك الذي ألقى القرآن على محمدٍ ﷺ ملكٌ كريمٌ، جميل المنظر، كثير الخير، وكل خيرٍ في الأرض من هدى وعلمٍ ومعرفةٍ، وإيمان وتقوى، وبر وإحسان، فهو مما أجراه ربه على يده، وهذا غاية الكرم.
وهو ذو قوةٍ، فبقوته يمنع الشياطين أن يغيروا من القرآن، وأن ينالوا منه شيئًا، وأن يزيدوا في القرآن، أو ينقصوا منه، وهو قادرٌ على تنفيذ ما أمره الله به لقوته، مؤدٍ له كما أُمر به لأمانته، فهو القوي الأمين، الذي تطيعه ملائكة السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى، وله مكانةٌ ووجاهةٌ عند ربه، وهو أقرب الملائكة إليه، ولعلو منزلته صار قريبًا من ذي العرش سبحانه، فمحمدٌ ﷺ مطاعٌ في الأرض، وجبريل ﷺ مطاعٌ في السماء، وكلٌ من الرسولين مطاعٌ في محله وقومه.
وصف الله عبده ورسوله جبريل ﷺ بهذه الصفات، ليدل على عظمة شأن المرسل وهو الله ﷿، والرسول وهو جبريل والرسالة وهي الدين والقرآن، والمرسل إليه وهو محمد ﷺحيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده، المطاع في الملأ الأعلى، الأمين حق أمين، فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية، فكيف برسول ملك الملوك جبريل ﷺ؟!.
فعلينا أن نشعر بوجود هؤلاء الملائكة الكرام، الذين هم معنا يكتبون الأعمال والأقوال ويحصونها، وعلينا أن نجلهم ونوقرهم ونكرمهم ونستحي منهم، فالملائكة هم الذين يدافعون عن المؤمن، ويستغفرون له، ويدعون له.
فلا يليق بالمؤمن أن ينسى جوارهم، ويبالغ في أذاهم، وطردهم عنه، فالملك ضيف الإنسان وجاره، والإحسان إلى الجار وإكرام الضيف من لوازم الإيمان، والملائكة المرافقون للإنسان أكرم ضيفٍ، وأعز جار، ومعنا من الملائكة من لا يفارقنا، فليستحِ العبد منهم وليكرمهم،وقد نبه الله على ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
***
مختارات

