الخزانة الثالثة..
• أصناف الملائكة:
ذكر الله في القرآن أصناف الملائكة، وأوصافهم.
فأما أصناف الملائكة:
فأحدها: حملة العرش كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].
الثاني: الحافون حول العرش: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥].
الثالث: أكابر الملائكة، وهم، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨].
فجبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء الذي به حياة القلوب، وميكائيل صاحب القطر الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل صاحب الصور الذي به حياة الأرواح.
الرابع: ملائكة الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
الخامس: ملائكة النار، ورئيسهم مالك كما قال سبحانه:﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧].
وقال الله ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١]
السادس: الملائكة الموكَّلون ببني آدم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
السابع: الملائكة الموكَّلون بأحوال العالم: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ [الصافات: ١ - ٢].
وقال الله ﷿: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]
وقال الله ﷿: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
هم كثير مما لا يحصيهم إلا الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فسبحان الله ما أعظمَ هذا الخلق العظيم، وما أحسنَ عباداتهم، وما أحسنَ صفوفهم، وما أحسن تدبيرهم.
• صفات الملائكة:
أما صفات الملائكة فمن وجوه:
أحدها: أنهم رسل الله ﷿: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
الثاني: قربهم من الله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
الثالث: استمرار عباداتهم، كما قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
وكما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
الرابع: مبادرتهم إلى امتثال أوامر الله، تعظيمًا له: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وقال سبحانه عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
الخامس: أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحي الله وأمره، كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧].
السادسة: عظمة قدرتهم، فالذين يحملون العرش من الملائكة ثمانية، والعرش العظيم محيط بالكرسي الكريم، والكرسي محيط بالسماوات السبع، والسماوات السبع محيطة بالأراضين السبع: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله ﷿ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].
وأحد حملة العرش أخبر عنه النبي ﷺ بأن ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام.
فسبحان الرب العظيم الذي أعطاهم هذه القدرة العظيمة،وهذا الخلق العظيم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
وإسرافيل ﷺ صاحب الصور، بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم يصعق ثانية فيقومون أحياء: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
فما أعظم قدرة هذا الملك، وما أعظم قدرة الجبار الذي خلقه.
وجبريل ﷺ بلغ من قوة بأنه رفع خمس قرى من قرى قوم لوط بطرف جناحه، ثم قلبها، وله ستمائة جناح، جناح منها يسد الأفق.
السابع: أن الملائكة مع كثرتهم، ومع كثرة عباداتهم، ودوامها، ومع عدم معاصيهم، يكونون خائفين وجلين،حتى كأن عباداتهم معاصي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠].
وقال الله ﷿ عن الملائكة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فسبحان من خلق هذا الخلق العظيم جمالًا وجلالًا، فهم بين يدي ربهم قائمون، وراكعون، وساجدون، وصافون ومسبحون، لا يملون ولا يسأمون، يسبحون بحمد ربهم، ويتصاغرون لكبريائه، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا غفلة النسيان، ولا فتر الأبدان، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
• محبة الملائكة:
الملائكة خلقٌ عظيم، الله من نور، خلقهم لعبادته، وتنفيذ أوامره، في ملكه وملكوته، والمؤمن يُحب الملائكة، والملائكة يُحبونَ المؤمنين، والله سبحانه أخبرهم بنا قبل أن يخلقنا، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
ثم لما خلقنا الله ﷿ أمرهم بالسجود لأبينا آدم ﷺ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فسجدوا كلهم أجمعون، طاعة لربهم، وتكريمًا لهذا المخلوق الذي خلقه الله بيده، وجعله خليفةً في الأرض.
ثم أمرهم الله بالدخول عليك في بطن أمك لينفخُ الملك فيكَ الروح، وكتابة رزقك، وأجلك، وعملك، وشقي أو سعيد، ثم لما خرجت من بطن أمك، أوكَل الله بك مجموعة كاملة من الملائكة، رقيبٌ، وعتيدٌ، وحفظة، وكرام كاتبين: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
وقال الله ﷿ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
والملائكة الذين معك يحرسونك في حِلق الذكر، أو في زيارة في الله وغيرهم.
قال النبي ﷺ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
أخرجه مسلم.
ثم إذا حصل النزع، معك الملائكة، يثبتونك، ويبشرونك:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ثم إذا تبت إلى ربك الملائكة يستغفرون لك، ويدعون لك، قال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٧ - ٨].
ثم هم يصلون ويدعون لمعلم الناس الخير، فما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك راكع، أو ساجد، أو قائم بين يدي الله ﷿.
إن الله وملائكته وجميع أهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير.
ثم إذا أُدخِلت القبر زارك منكر ونكير، يسألوك من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟.
ثم إذا كنت في يوم القيامة الملائكة تكون معك تبشرك:﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
ثم إذا أُدخِلت الجنة، هم معك، يُسلمون عليك، ويهنئونك بالفوز والفلاح: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
والله ﷿ يصلي على نبيه، وملائكته، فعلينا أن نصلي عليه ﷺ كما صلى ربُنا، وملائكته: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
فالمؤمن يحب الملائكة، لا يقومون به من عبادة الله، وطاعة الله، وتنفيذ أوامره، والدعاء للمؤمنين، والقيام عليهم، والعناية بهم، وغير ذلك من فضائلهم.
***
مختارات

