الخزانة الخامسة..
وظائف الملائكة:
للملائكة مع البشر ثلاثة أدوار:
الأول: دورهم مع جميع بني آدم، مؤمنهم وكافرهم، من تشكيلهم للنطفة، وحراسة العباد، ومراقبة كل أحد: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١].
وتبليغ الوحي، ونزع الأرواح، ونحو ذلك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
الثاني: دور الملائكة مع المؤمنين، ومن ذلك:
أولا: محبتهم للمؤمنين كما قال النبي ﷺ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ».
متفقٌ عليه.
ثانيًا: صلاتهم على المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، ورحمته له، والصلاة من الملائكة بمعنى الدعاء للمؤمنين، والاستغفار لهم، والملائكة يصلون على معلم الناس الخير، ويصلون على الذين ينتظرون صلاة الجماعة ولم يحدثوا، والله وملائكته يصلون على الصف الأول وعلى الصفوف
المتقدمة، وعلى الذين يصلون الصفوف، ويسدون الفرج، وعلى الذين يتسحرون، وعلى الذين يصلون على النبي ﷺ، والملائكة يستغفرون للذين يعودون المرضى.
ثالثًا: تأمين الملائكة على دعاء المؤمنين، وبذلك يكون أقرب للإجابة كما قال النبي ﷺ: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» أخرجه مسلم وقال النبي ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ».
أخرجه مسلم.
وإذا كان الدعاء للمؤمن المؤمن عليه حريًا بالإجابة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر.
عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ».
أخرجه الإمام مسلم.
رابعًا: استغفار الملائكة للمؤمنين، ودعائهم لهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
خامسًا: شهود الملائكة مجالس العلم وحلق الذكر كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا».
متفقٌ عليه.
وإذا جلس المسلم في حلقة علم استفاد من الملائكة فائدتين:
الأولى: أن الملائكة تحف بمن يطلب العلم إكرامًا لهم، وتدعوا لهم، وتحرسهم.
الثانية: أن الصحبة مؤثرة، فإذا حفتهم الملائكة استفادوا منها كرامتين:
الأولى: أنهم في ذلك المجلس لا يعصون الله ما أمرهم.
الثانية: أنهم يفعلون ما يؤمرون.
وهذان مقصد حياة الإنسان، امتثال أوامر الله، وعدم معصية الله.
فالأعمال الصالحة تقرب الملائكة منا، وتقربنا منهم، ولو استمر العباد في حالةٍ عاليةٍ من الإيمان والسمو الروحي، لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم كما قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً».
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
أخرجه مسلم.
سادسًا: تسجيل الملائكة للمسلمين الذين يحضرون الجمعة، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلَائِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ».
متفقٌ عليه.
سابعًا: تعاقب الملائكة على المؤمنين، فطائفةٌ تأتي، وطائفةٌ تذهب، كما قال النبي ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ، وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» متفقٌ عليه.
ومن الملائكة من ينزل عند قراءة القرآن يستمعون له، ولله ملائكة سياحون يبلغون سلام الأمة للنبي ﷺ في كل وقت، ومنهم من يحمل البشارات للأنبياء وغيرهم، كما بشرت الملائكة إبراهيم ﷺ، كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الذاريات: ٢٨].
وكما بشرت الملائكة زكريا بيحيى كما قال سبحانه:﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩].
والملائكة تقاتل مع المؤمنين ضد أعدائهم كما حصل في غزوة بدر.
ومنهم من يرسله الله لحماية ونصرة صالح عباده، كما أرسل الله جبريل لإغاثة هاجر وابنها إسماعيل، فبحث في عقبه حتى خرج ماء زمزم بأمر الله ﷿.
والملائكة تشهد جنائز الصالحين، وتظل الشهداء بأجنحتها، وتحمي مكة والمدينة من الدجال، والملائكة يؤمنون مع المؤمنين كما قال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺيَقُولُ: آمِينَ».
متفقٌ عليه.
فهذه بعض أعمال الملائكة مع المؤمنين ومع بني آدم عمومًا، فعلينا أن نتولى جميع الملائكة بالحب والتوقير والإكرام، وأن نتجنب ما يسيء إليهم ويؤذيهم من المعاصي والمنكرات والروائح الكريهة، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ وما الظن بمبارزة الملك العظيم الجبار بالمعاصي والفواحش؟.
فما الذي غر الإنسان حتى غرق في بحر المعاصي والفواحش والمنكرات، أغره حلم الله ﷿؟ أم يظن أن الله لا يراه؟ أم استغنى بما عنده عن ربه؟ أم يحسب أنه لا يعود إليه؟.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨].
والملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يُعصى الله فيها، أو يوجد فيها ما يكرهه الله ويبغضه، كالأنصاب والصور والتماثيل والكلاب، والسُكر، والجنب إلا أن يتوضأ كما قال النبي ﷺ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ».
متفقٌ عليه.
الثالث: دور الملائكة مع الكفار والفساق.
الملائكة لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين، بل يعادونهم ويحاربونهم ويلعنونهم، كما حاربت الملائكة مع المؤمنين ضد الكفار في بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وكما حاربوا الأحزاب في الخندق كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
وقد أرسل الله ملائكةً إلى قوم لوط، الذين جمعوا مع الكفر فاحشة إتيان الذكران من العالمين، فرفع جبريل ديارهم بمن فيها، ثم قلبها عليهم كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨١ - ٨٣].
وقد من الله ﷿ علينا فرأينا ذلك المكان، وهو مكان البحر الميت، نعوذ بالله من غضبه وعقوبته ومعصيته.
والملائكة تلعن الكفرة الذين كفروا بالله ولم يستجيبوا للرسل، وماتوا على ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١].
ولا تلعن الملائكة الكفرة فحسب، بل قد تلعن من فعل ذنوبًا معينة، كالمرأة التي يدعوها زوجها إلى الفراش فتأبى، فالملائكة تلعنها حتى ترجع، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، لما فيها من الترويع لأخيه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فما أعظم قدرة الله ﷿، وما أعظم مخلوقاته، وما أعظم خلقه من الملائكة الذين لا يحصيهم، ولا يحصي أعمالهم وأعدادهم إلا الله وحده لا شريك له الذي أحصى كل شيءً عددًا.
فلله الحمد سبحانه على عنايته ببني آدم حيث وكل من الملائكة من يقوم بحفظهم ونصرتهم، والدعاء لهم والاستغفار لهم، والعناية بهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فعلينا محبة جميع الملائكة، الذين يقومون بعبادة الله، والدعاء والاستغفار للمؤمنين، وتنفيذ أوامر الله، وتبليغ الوحي إلى رسل الله.
إن الإيمان بالملائكة شأنه شأن الحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله، يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون عنده على ما تدركه الحواس، وهو ضئيل في هذه الدنيا، كما أن الإيمان بالملائكة يؤنس قلب الإنسان بهذه الروح المؤمنة من حوله، التي تشاركه إيمانه بربه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله.
• ثمرات الإيمان بالملائكة:
للإيمان بالملائكة ثمراتٌ عظيمة عاجلةٌ وآجلة، منها:
أولًا: أن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو أعظم صفات المؤمنين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣].
ثانيًا: الثقة التامة بسند الرسالة، فمنهم السفراء بين الله ورسله في تبليغ رسالته إلى رسله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
ثالثًا: التأسي بالملائكة في حسن عبادتهم، وحسن صفوفهم، ودوام طاعتهم لربهم، ودوام ذكرهم له، فمعرفة ذلك يحمل المسلم على حسن الاستقامة، ودوام الطاعة:﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨].
وقال الله ﷿: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].
رابعًا: الإيمان بعظمة الله، وكمال قدرته في خلق الملائكة على هذه الخلقة الكريمة القوية الحسنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
خامسًا: شكر الرب ﷿ على عنايته ببني آدم، حيث وكل بهم ملائكةً كراماً يحفظونهم، ويحفظون أعمالهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على عبادة ربهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
سادسًا: لزوم الاستقامة والحذر من المعاصي، فإن الملائكة يكتبون على بني آدم كل عمل، ويشهدون عليه بما عمل، وإذا ذكر العبد ذلك استحى منهم، فلم يقارف معصية:﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وقال ﷿: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
سابعًا: النشاط في فعل الخيرات، والمبادرة إلى أعمال البر، لعلم المسلم بحضور الملائكة مجالس الذكر، ودعائهم لفاعله، وإعانتهم له.
ثامنًا: حسن الأدب مع الملائكة واحترامهم، والحياء منهم، والأنس بهم وحسن صحبتهم، لأنهم مع الإنسان في جميع أحواله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وقال الله ﷿: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠].
تاسعًا: اجتناب الأقوال البذيئة، والأفعال السيئة، والروائح الكريهة، لأن الملائكة يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم.
عاشرًا: تكميل الإيمان والتقوى، والمسارعة إلى الخيرات، اقتداءً بالملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
الحادي عشر: اجتناب ما يسبب بعد الملائكة عن الإنسان أو المكان، كالصور، والتماثيل، وآلات اللهو، والكلاب، والنجاسات، والروائح التي تكرهها الملائكة، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا تماثيل.
الثاني عشر: الإلحاح على الله بالدعاء والثناء عليه، رجاء موافقة دعائهم واستغفارهم لنا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
الثالث عشر: تحصيل المزيد من دعائهم، وحضورهم، وصلاتهم، بحضور أماكن الذكر والصلاة ومجالس العلم.
رابع عشر: حب الملائكة لحسن عبادتهم لربهم وطاعتهم له، ودعائهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم، وإعانتهم على الخير.
فلله الحمد على عظمة ملكه وسلطانه، وله الحمد على هذا الخلق العظيم من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم.
***
مختارات

