قصة موسى عليه السلام (٤)
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٠ - ٦٤].
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سَحَرةً فضلاء في فنّهم غاية، فجمعوا له من كلِّ بلدٍ، ومن كلّ مكان، فاجتمع منهم خلقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ، فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب.
وقيل: سبعين ألفًا، قاله القاسم بن أبي بَزَّة ).
وقال السُّدِّي: بضعة وثلاثين ألفًا.
وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا.
وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا.
وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا ).
وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنّهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلَّموا السّحر، ولهذا قالوا:﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] وفي هذا نظر.
وحضر فرعون، وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بَكرة أبيهم ).
وذلك أنّ فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: لعلّنا نتّبع السّحرة إن كانوا هم الغالبين.
وتقدّم موسى ﵇ إلى السّحرة فوعظهم، وزجرهم عن تعاطي السّحر الباطل الذي فيه معارضةٌ لآيات الله وحججه فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: معناه أنّهم اختلفوا فيما بينهم؛ فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر، فالله أعلم.
وأسرّوا التناجي بهذا وغيره ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إنَّ هذا وأخاه هارون ساحرانِ ) عليمان مطبقان متقنان لهذه الصِّناعة، ومرادهم أن يجتمع النّاس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمر ) عليكم بهذه الصناعة، ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.
وإنما قالوا الكلام الأوّل ليتدبّروا ويتواصَوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسِّحر، والبُهتان، وهيهات، كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء.
أنّى يعارِضُ البهتان، والسحرُ والهذيان، خَوارقَ العادات التي أجراها الدَّيَّان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان.
وقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: جميع ما عندكم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: جملةً واحدةً، ثمّ حَضُّوا بعضهم بعضًا على التقدّم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومَنَّاهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩].
لما اصطفّ السَّحرةُ، ووقف موسى وهارون ﵉ تجاههم قالوا له: إمّا أن تلقيَ قبلنا، وإما أن نلقيَ قبلك.
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبالٍ وعِصِيٍّ، فأودعوها الزئبقَ وغيرَه من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يخيل للرائي أنّها تسعى باختيارها، وإنّما تتحرَّك بسبب ذلك.
فعند ذلك سحروا أعين النَّاس، واسترهبوهم، وألقَوا حبالهم وعصيَّهم وهم يقولون: بعزَّة فرعون إنّا لنحن الغالبون ).
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يُلْقِيَ ما في يده فإنه لا يصنع شيئًا قبل أن يُؤمَر، فأُوحيَ إليه فى السَّاعة الراهنة ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: ما جئتم به السِّحرُ إن الله سيُبْطِله إن الله لا يُصْلِحُ عمل المفسدين ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى ) عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١٢٢] وذلك أن موسى ﵇ لمَّا ألقاها صارت حيةً عظيمة ذات قوائم -فيما ذكره غيرُ واحد من علماء السّلف- وعُنُقٍ عظيم، وشكلٍ هائل مزعجٍ، بحيث إنّ النَّاس انحازوا منها وهَربوا سِراعًا، وتأخّروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعِصيّ فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والنّاس ينظرون إليها ويتعجّبون منها.
وأما السَّحَرة فإنهم رأوا ما هالَهم وحيّرهم في أمرهم، واطَّلعوا على أمر لم يكن في خَلَدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم.
فعند ذلك، وهنالك تحقَّقوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر، ولا شَعْبَذة، ولا محالٍ، ولا خيالٍ، ولا زورٍ، ولا بهتانٍ، ولا ضلالٍ، بل حق لا يقدر عليه إلا الحقّ الذي ابتعث هذا المؤيَّدَ به بالحقّ، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما خَلَق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربِّهم وخرّوا له ساجدين، وقالوا جَهْرةً للحاضرين، ولم يخشوا عقوبةً ولا بلوَى ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٠ - ٧٦].
قال سعيد بن جُبيرٍ، وعكرمة، والقاسم بن أبي بَزَّة، والأوزاعي، وغيرُهم: لمَّا سجد السَّحَرة رأوا منازلَهم وقصورَهم في الجنة تُهَيّأ لهم، وتُزَخْرَف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده، وذلك لأن فرعون لمّا رأى هؤلاء السَّحَرةَ قد أسلموا، وأشهروا ذِكر موسى وهارون في النّاس على هذه الصِّفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيدٌ، ومكرٌ، وخداع، وصنعة بليغة في الصدِّ عن سبيل الله،فقال مخاطبًا للسَّحرة بحضرة الناس: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: هلّا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيّتي، ثُمَّ تهدَّدَ، وتوعّد، وأبرق، وأرعد، وكذَّب فأبعد قائلًا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾.
وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣].
وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل عاقل ) ما فيه من الكفر، والكذب، والهذيان، بل لا يروج مثلا )على الصِّبيان، فإنَّ الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أنّ موسى لم يَرَه هؤلاء يومًا من الدَّهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علّمهم السِّحر.
ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كلِّ فجٍّ عميقٍ، ووادٍ سحيقٍ، ومن حواضر بلاد مصر والأطراف، ومن المدن والأرياف.
قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الآيات: ١٠٣ - ١٢٦].
وقال تعالى في سورة يونس: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الآيات: ٧٥ - ٨٢].
وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآيات: ٢٩ - ٥١].
والمقصود أن فرعون كذب وافترى، وكفر غاية الكفر في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وأتى ببهتان يعلمه العالِمون، بل العالَمون في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾،وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه، ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا لئلَّا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل مِلَّته، ولهذا قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل؛ لأنَّها أعلى وأشهر ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ يعني: في الدنيا.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: لن نُطيعَكَ وَنَترك ما وَقَر في قلوبنا من البيّنات والدلائل القاطعات ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قيل: معطوف، وقيل: قَسَم،﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: فافعل ما قدرت عليه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنَّما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة؛ صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له، واتبعنا رسله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: وأَدْوم من هذه الدار الفانية.
وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من القبط، بموسى وهارون ﵉.
وقالوا له أيضًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا واتِّباعنا آيات ربنا لمَّا جاءتنا، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ثَبّتنا على ما ابتُلينا به من عقوبة هذا الجبَّار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وقالوا له (١) أيضًا يعظونه، ويخوّفونه بأس ربّه العظيم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾،يقولون له: فإيّاك أن تكون منهم، فكان منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي:المنازل العالية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾، فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تُغالَب ولا تمانَع، وحكم العليُّ العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم، ليباشر العذاب الأليم، يُصبُّ من فوق رأسه الحميم، ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح (١) الذَّميم اللَّئيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].
والظّاهر من هذه السياقات ) أن فرعون لعنه الله، صلبهم وعذَّبهم، ﵃.
قال عبد الله بن عباس، وعُبيد بن عُمير: كانوا من أوّل النّهار سَحَرة فصاروا من آخره شهداء بَرَرة.
ويؤيّد هذا قولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
* * *
فصل
ولمَّا وقع ما وقع من الأمر العظيم، وهو الغَلَبُ الذي غُلِبَتْهُ القِبط في ذلك الموقف الهائل، وأسلم السَّحَرة الذين استنصروا بهم، لم يزِدْهم ذلك إلا كُفرًا وعِنادًا وبُعدًا عن الحق.
قال الله تعالى بعد قَصَصِ ما تقدَّم في سورة الأعراف:﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الآيات: ١٢٧ - ١٢٩].
يخبر ﷾ عَنِ الملأ من قوم فرعون، وهم الأمراء والكبراء، أنّهم حَرَّضوا ملِكهم فرعون على أذيّة نبى الله موسى ﵇،ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والردِّ والأذى فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ يعنون -قَبَّحهم اللهُ- أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهيَ عن عبادة ما سواه، فسادٌ بالنسبة إلى اعتقاد القِبط، لعنهم الله.
وقرأ بعضهم
﴿ويذرك وإِلهتك﴾ أي: وعبادتك ) ويَحتمل شيئين: أحدهما: ويذر دينك، وتقوّيه القراءة الأخرى.
الثَّاني: ويذر أنْ يعبدَك، فإنّه كان يزعم أنّه إلهٌ، لعنه الله.
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، أي: لئلَّا يكثر مقاتِلتهم، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، أي: غالبون.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: إذا همّوا هم بأذيَّتكم، والفتكِ بكم، فاستعينوا أنتم بربِّكم،واصبروا على بليَّتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: فكونوا أنتم من ) المتقين لتكونَ لكم العاقبة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦].
وقولهم: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: قد كانت ) الأبناء تُقَتَّل قبل مجيئك، وبعد مجيئك إلينا ﴿جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقال الله تعالى في سورة ﴿حم﴾ المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] وكان فرعون الملك، وهامان الوزير، وكان قارون (٤) إسرائيليًّا من قوم موسى، إلّا أنّه كان على دين فرعون وَمَلَئِهِ، وكان ذا مالٍ جَزيلٍ جدًّا، كما ستأتي قِصَّته فيما بعد إن شاء الله تعالى.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥] وهذا القتلُ للغلمان من بعد بعثة موسى إنَّما كان على وجه الإهانة، والإذلال، والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلَّا يكون لهم شوكةٌ يمتنعون بها، أو يصولون على القِبْط بسببها، وكانت القبط منهم يحذرون، فلم ينفعهم ذلك، ولم يردّ عنهم قدر الله الذي يقول للشيء كُنْ فَيَكُون.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
ولذا يقول الناس على سبيل التهكّم: صار فرعون مُذَكِّرًا، وهذا منه، فإن فرعون في زعمه يخاف على النَّاس أن يضلهم موسى ﵇.
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
أي: عذت
بالله، ولجأت إليه واستجرت ) بجنابه من أن يَسْطُوَ فِرْعَونُ وغيرُه عليَّ بسوءٍ.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: جبَّار عنيدٍ لا يَرْعَوي، ولا ينتهي، ولا يخافُ عذابَ الله وعقابه )؛ لأنّه لا يعتقد معادًا ولا جزاءً.
ولهذا قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٧ - ٢٩].
هذا الرجل هو ابن عمِّ فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفًا منهم على نفسه.
وزعم بعض النّاس أنَّه كان إسرائيليًا، وهو بعيدٌ ومخالف لسياق الكلام لفظًا ومعنى، والله أعلم.
قال ابن جُرَيج: قال ابن عباس: لم يُؤْمِن من القِبط بموسى إلّا هذا، والذي جاء من أَقْصى المدينة، وامرأةُ فرعون.
رواه ابن أبي حاتم.
قال الدَّارَقُطْني: لا يُعْرف من اسمُه شمعان، بالشين المعجمة، إلا مؤمن آل فرعون، حكاه السّهيلي).
وفي تاريخ الطبري أن اسمه: خير، فالله أعلم.
والمقصود أنَّ هذا الرجل كان يكتم إيمانَه، فلما هَمَّ فرعون لعنه الله بقتل موسى ﵇ وعزم على ذلك، وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى، فتلطَّف في ردِّ فرعون بكلامٍ جمع فيه الترغيبَ والترهيبَ، فقال على وجه المشورة والرَّأي،وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أَفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ" ).
وهذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لأشد جَوْرًا منه، وهذا الكلام لا أعدل منه، لأن فيه عصمة نبي.
ويحتمل أنَّه كاشرهم (٢)بإظهار إيمانه، وصرَّح لهم بما كان يكتمه، والأوَّل أظهر.
والله أعلم.
قال ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أي: من أجل أنَّه قال: ربي الله، فمثل هذا لا يقابَل بهذا؛ بل بالإكرام والاحترام، أو الموادعة وترك الانتقام، يعني لأنّه إن ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي:
بالخوارق التي دلَّت على صدقه فيما جاء به عمَّن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامةٍ لأنه ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، ولا يضرّكم ذلك، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ وقد تعرّضتم له ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاءٍ مما يتوعدكم به، فكيف بكم إن حلَّ جميعه عليكم.
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطُّف، والاحتراز، والعقل التام.
وقوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يُحذِّرهم أن يُسلبوا هذا الملك العزيز فإنَّه ما تعرّض الدول للدِّين إلا سُلبوا مُلْكَهم وذلّوا بعد عزِّهم، وكذا وقع لآل فرعون؛ ما زالوا في شك، وريبٍ، ومخالفةٍ، ومعاندةٍ لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك، والدُّور والقصور والنِّعمة والحبور، ثمّ حوِّلوا إلى البحر مهانين، ونُقِلَتْ أرواحهم بعد العلوّ والرِّفعة إلى أسفل السّافلين.
ولهذا قال هذا الرجل المؤمن الصّادق)البارُّ الراشد، التابع للحقّ، الناصح لقومه، الكامل العقل:﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: عالين على الناس حاكمين عليهم ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أي: لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدّة، والقوَّة والشدّة لما نفعنا ذلك، ولا ردّعنا بأس مالك الملك.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: في جواب هذا كلِّه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم إلا ما عندي، ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وكذب في كل من هذين القولين، وهاتين المقدِّمتين، فإنّه قد كان يتحقَّق في باطنه وفي نفسه أنّ هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنّما كان يُظْهِرُ خلافه بغيًا وعدوانًا وعتوًّا وكفرانًا.
قال الله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٢ - ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤].
وأما قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فقد كذب أيضًا، فإنّه لم يكن على رشادٍ من الأمر، بل كان على سَفَهٍ وضلالٍ وخَبَلٍ وخَيالٍ، فكان أولًا ممن يعبد الأصنام والأمثال، ثم دعا قومه الجَهَلَةَ الضُّلَّالَ إلى أن اتَّبعوه وطاوعوه وصدَّقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنّه ربٌّ، تعالى الله ذو الجلال.
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٠ - ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٦ - ٩٩].
والمقصود بيان كذبه في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾،وفي قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٢٩ - ٣٥].
يحذِّرهم وليُّ الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يَحُلَّ بهم ما حلَّ بالأمم من قبلهم من النقمات والمثُلات (٣)، مما تواتر عندهم، وعند غيرهم ما حلَّ بقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ ومَن بعدهم إلى زمانهم، ذلك مما أقام الله به الحجج على أهل الأرض قاطبةً في صدق ما جاءت به الأنبياء لما أنزل من النقمة بمكذِّبيهم من الأعداء، وما أنجى الله من اتَّبعهم من الأولياء، وخوَّفهم يومَ القيامة، وهو ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أي: حين ينادي الناسُ بعضهم بعضًا، حين يولون -إن قدروا على ذلك-، ولا إلى ذلك سبيل ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٦].
وقرأ بَعْضُهُم ) ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾، بتشديد الدال: أي: يوم الفرار، ويحتمل أن يكون يوم القيامة،
ويحتمل أن يكون يوم يُحِلُّ الله بهم البأس فيريدون الفرار ولاتَ حِيْنَ مَناص.
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢ - ١٣].
ثم أخبرهم عن نبوَّة يوسف في بلاد مصر وما كان منه من الإحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم، وهذا من سلالته وذريته، ويدعو النَّاس إلى توحيد الله تعالى وعبادته، وأن لا يشركوا به أحدًا من بريّته، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان، أن من سجيَّتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل، ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: وكذّبتم في هذا، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: يردّون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجّة ولا دليل عندهم من الله، فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت، أي يبغض من تلَبَّس به من الناس، ومن اتَّصَف به من الخلق ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، قُرئ بالإضافة وبالنعت، وكلاهما متلازم، أي:هكذا إذا خالفت القلوب الحقّ ولا تخالفه إلا بلا برهان، فإن الله يطبع عليه أي يختم عليها ).
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧].
كذّب فرعونُ موسى ﵇ في دعواه أن الله أرسله، وزَعْمُ فرعونَ لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾،وقال هاهنا: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: طُرُقها ومَسَالِكها، ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾.
ويحتمل هذا معنيين: أحدهما: وإني لأظنه كاذبًا في قوله: إن للعالم ربًّا غيري.
والثاني: في دعواه أن الله أرسله.
والأوّل أشبه بظاهر حال فرعون، فإنه كان ينكر ظاهر إثبات الصانع (٥)، والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال:﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: فأسأله.
هل أرسله أم لا ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ أي: في دعواه ذلك.
وإنما كان مقصود فرعون أن يَصُدَّ النّاس عن تصديق موسى ﵇ وأن يحثّهم على تكذيبه.
قال الله تعالى:﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾،
وقُرئ ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.
قال ابن عباس ومجاهد: يقول: إلّا في خسار، أي:باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه، فإنّه لا سبيل للبشر أن يتوصّلوا بقواهم إلى نيل السماء أبدًا، أعني السماء الدنيا، فكيف بما بعدها من السماوات العُلى وما فوق ذلك من الارتفاع الذي لا يعلمه إلا الله ﷿.
وذكر غير واحد من المفسّرين أن هذا الصرح، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له، لم يُرَ بناءٌ أعلى منه، وإن كان مبنيًا من الآجرِّ المشويِّ بالنار، ولهذا قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾.
وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يُسَخَّرون في ضرب اللَّبِن، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يُساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون تُرابه وتِبنه ومَاءه، ويُطلب منهم في كلِّ يوم قسط معين، إنْ لم يفعلوه وإلَّا ضُربوا وأُهينوا غاية الإهانة، وأُوذوا غاية الأَذِيَّةِ.
ولهذا قالوا لموسى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط وكذلك وقع، وهذا من دلائل النبوة.
ولنرجع إلى نصيحة المؤمن، وموعظته، واحتجاجه قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٠] يدعوهم ﵁إلى طريق الرشاد والحق، وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من ربه، ثم زهَّدهم في الدنيا الدنيَّة الفانية المنقضية لا محالة، ورغّبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه، الذي يعطي على القليل كثيرًا، ومِن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها.
وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار؛ التي مَن وافاها مؤمنًا قد عمل الصالحات فلهم الجنات العاليات والغرف الآمنات، والخيرات الكثيرة الفائقات، والأرزاق الدائمة التي لا تبيد.
والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد.
ثم شرع في بيان إبطال ما هم عليه، وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤١ - ٤٦].
كان يدعوهم إلى عبادة ربّ السماوات والأرض، الذي يقول للشيء: كن فيكون، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون، ولهذا قال لهم على سبيل الإنكار:﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾، ثمّ بيّن لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان، وأنها لا تملك من نفعٍ ولا إضرار فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: لا تملك تصرّفًا ولا حكمًا في هذه الدار، فكيف تملكه يوم القرار.
وأَمَّا الله ﷿فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجّار، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار.
ثُمَّ توَّعَدهم إنْ هم استمروا على العناد بقوله:﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
قال الله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: بإنكاره سَلِم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدِّهم عن سبيل الله، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي لبَّسوا بها على عوامّهم وطَغَامهم، ولهذا قال: ﴿وَحَاقَ﴾ أي: أحاط ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي: تُعرض أرواحهم في برزخهم صباحًا ومساءً على النار ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقد تكلَّمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في "التفسير" ولله الحمد.
والمقصود أنّ الله تعالى لم يُهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم، وإرسال الرسول إليهم، وإزاحة الشُبه عنهم، وأخذ الحجَّة عليهم منهم، فبالترهيب تارةً والترغيب أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣].
(١) المنبوح: المشتوم.
يقال: نبحتني كلابك: أي لحقتني شتائمك.
وأصلِه من نباح الكلب، وهو صياحه.
اللسان.
(٢) كاشرهم: ضحك في وجههم وباسطهم.
(٣) المثُلات: مفردها مَثْلَة وهي النقمة تنزل بالإنسان فيُجعل مثالًا يرتدع به غيره، وذلك كالنكال.
مفردات الراغب الأصفهاني.
مختارات

