لعلكم تتقون
*لعلكم تتقون*
قال الله تعالى:> ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
ليست الغاية من الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، ولا مجرد تغيير نظام الحياة اليومية في شهر رمضان، وإنما الغاية العظمى التي نصّ عليها القرآن صراحة هي: تحصيل التقوى.
فالصيام عبادة مقصودة لذاتها من حيث الأثر التربوي الذي تُحدثه في القلب قبل الجوارح، وفي الباطن قبل الظاهر.
والإنسان في حقيقته مكوَّن من جسدٍ من طين، وروحٍ يعلم حقيقتها من خلقها ؛ فالجسد بطبيعته يميل إلى الشهوات، ويطلب اللذة العاجلة، ويتغذى على المباحات قبل المحرمات، أما الروح فإن غذاءها الإيمان، وشرابها الطاعة، وحياتها في القرب من الله تعالى.
ومن هنا كان الصيام رياضةً للروح، وكبحًا لشهوة الجسد، وميدانًا عمليًا لتحقيق التوازن بين مطالب الطين ونداء السماء.
من أعظم أسرار الصيام أنه عبادة سرّية، لا يطّلع على حقيقتها إلا الله.
فقد يستطيع الإنسان أن يأكل أو يشرب في خلوته دون أن يراه أحد، ومع ذلك يمتنع؛ لأنه يعلم أن عين الله لا تغفل عنه.
وهنا تتجلى حقيقة التقوى التي عرّفها طلق بن حبيب رحمه الله بقوله:> “أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
”
وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم في قوله:> «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).
▪️فالصيام عبادة الإخلاص، ومدرسة المراقبة، ومحراب السرّ بين العبد وربه.
▪️الصيام تهذيب للنفس لا تجويع للجسد
▪️الصيام في حقيقته ليس امتناعًا عن المفطرات فقط، بل هو امتناع شامل عن كل ما يُفسد القلب ويشوّه الروح.
ولذلك قال النبي ﷺ:«من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).
▪️فالصيام الذي لا ينهى عن الكذب، ولا يردع عن الظلم، ولا يزجر عن الغيبة، ولا يضبط اللسان والجوارح؛ هو صيام صورة لا صيام حقيقة، وصيام عادة لا صيام عبادة.
ولهذا قال ﷺ:> «الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (متفق عليه).
أي أن الصيام درع وقاية للنفس من الانفلات، وسياج حماية للأخلاق من الانهيار.
ومن أعظم مقاصد الصيام أنه يحرر الإنسان من عبودية الشهوة، ويكسر سطوة العادة، ويعيد ترتيب الأولويات في القلب.
فالذي يتعود أن يقول لشهوته: “لا”، يملك مفاتيح السيطرة على نفسه في بقية العام.
ولذلك قال النبي ﷺ:> «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء» (متفق عليه).
أي أن الصيام كابح للشهوة، ومطفئ لحرارتها، ومهذّب لاندفاعها.
رمضان ليس شهرًا عاديًا في حياة المؤمن، بل هو موسم تربية إلهية، ومدرسة سنوية لإعادة بناء القلب.
قال ﷺ:> «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين» (متفق عليه).
ومع ذلك، فإن المؤلم حقًا أن يمرّ رمضان على كثير من الناس عامًا بعد عام، دون أن يترك في قلوبهم أثرًا، ولا في أخلاقهم تحولًا، ولا في علاقتهم بالله نقلة حقيقية.
يصومون عن الطعام، ولا يصومون عن المعاصي، ويجوع الجسد، ويظل القلب ممتلئًا بالغفلة.
ولهذا قال ﷺ:> «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
▪️الصيام شرعه الله وسيلة إلى التقوى، وطريق إلى تزكية النفس، وجسر للعبور من العبادة الشكلية إلى الإيمان الحي.
فمن لم يزدد في رمضان قربًا من الله، وصدقًا مع نفسه، ومجاهدةً لشهوته، وتهذيبًا لأخلاقه؛ فليعلم أنه أدرك صورة الصيام، وفاته سره.
نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام المتقين،وقيامنا قيام المحبين،وأن لا يجعلنا ممن أدركوا رمضان بالجسد،وفاتهم رمضان بالقلب،وأن يرزقنا حقيقة التقوى لا مجرد الحديث عنها
مختارات

