قصة موسى عليه السلام (٣)
ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبيِّنًا له أنه القادر على كل شيء،الذي يقول للشيء كن فيكون ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صَحِبْتها!؟ ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.
أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحقّقها، ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ١٩ - ٢٠].
وهذا خارقٌ عظيم، وبرهانٌ قاطعٌ على أن الذي يكلِّمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنّه الفعّال بالاختيار.
وعند أهل الكتاب: أنه سألَ برهانًا على صِدْقه عند مَن يكذِّبُه من أهل مصر، فقال له الربِّ ﷿: ما هذه التي في يدك؟ قال: عصا.
قال: ألقها إلى الأرض، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾، فهرب موسى من قدَّامها، فأمره الرَّبُّ ﷿ أن يبسط يده، ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده، وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: قد صارت حيةً عظيمةً لها ضخامةٌ هائلةٌ وأنيابٌ تصطك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيَّات (١)،يقال: الجان والجِنَّان، وهو لطيف لكنه سريع الاضطراب والحركة جدًا، فهذه جمعت الضخامةَ والسرعةَ الشديدة،فلمّا عاينها موسى ﵇ ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي: هاربًا منها، لأن طبيعة البشريَّة تقتضي ذلك ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَ﴾ أي: ولم يلتفت، (فناداه ربُّهُ) قائلًا له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ فَلَمَّا رَجَعَ أمَرَهُ اللهُ تعالَى أَنْ يمسكها، ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١].
فيقال:إنَّه هابَها شديدًا، فوضع يده في كمّ مِدْرَعَته (٢)، ثم وضع يده في وسط فمها.
وعند أهل الكتاب: بذنبها.
فلمَّا استمكن منها، إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين.
فسبحان القدير العظيم ربِّ المشرقين والمغربين.
ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزْعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، أي: من غير برص ولا بَهَق (٣)، ولهذا قال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] قيل: معناه إذا خِفتْ فضع يدك على فؤادك يسكن جأشُك.
وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق بأن تنفع من استعمال ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء
وقال في النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [آية: ١٢] أي: هاتان الآيتان، هما: العصا واليد،هما البرهانان المشار إليهما في قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ومع ذلك سبع آياتٍ أُخَر، فذلك تسع آيات بينات، وهي المذكورة في آخر سورة ﴿سُبْحَانَ﴾ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١ - ١٠٢] وهي المبسوطة في سورة الأعراف، في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الآيات: ١٣٠ - ١٣٣] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، في التسع من كلمات الله القدرية، والعشرة من كلماته الشرعية، وإنما نبهنا على هذا لأنَّه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أنّ هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسيرآخر سورة بني إسرائيل
والمقصود أنّ الله سبحانه لما أمر موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣ - ٣٥].
يقول تعالى، مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى ﵇ في جوابه لربّه ﷿ حين أمره بالذهاب إلى عدوّه الذي خرج من ديار مصر، فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
أي: اجعله معي مُعينًا، ورِدْأً، ووزيرًا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنّه أفصح مني لسانًا، وأبلغ بيانًا.
قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: برهانًا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل: ببركة آياتنا ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
وقال في سورة طه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [الآيات: ٢٤ - ٢٨].
قيل: إنَّه أصابه في لسانه لثغةٌ بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه؛ التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهمَّ بقتله فحاجَّت عنه ) آسية،وقالت: إنّه طفلٌ، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهمّ بأخذ التمرة، فصرفَ الملكُ يدَه إلى الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه، فأصابه لثغةٌ بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالَها بالكلية.
قال الحسن البصري: والرّسل إنّما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقيةٌ، ولهذا قال فرعون قبّحه الله فيما زعم أنّه يعيب به الكليم: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]أي: يُفصح عن مراده ويعبّر عمّا في ضميره وفؤاده.
ثم قال موسى ﵇ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٦].
أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وَجاهته عند ربّه ﷿ حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه، فأوحى إليه، وهذا جاهٌ عظيمٌ.
قال اللّه تعالى:﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقد سمعت
أمّ المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحجّ: أي أخ أمَنُّ على أخيه؟ فسكت القوم، فقالت عائشة:لمن حولَ هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون، فأوحي إليه )، قالَ الله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، وقال تعالى في سورة الشعراء:﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الآيات: ١٠ - ٢٠] تقدير الكلام: فأَتَيَاه فقالا له ذلك، وبلَّغاه ما أُرْسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحدَه لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته، وقهره، وسطوته، وتركهم يعبدون ربّهم حيث شاؤوا، ويتفرَّغون لتوحيده، ودعائه، والتضرُّع لديه، فتكبَّر فرعون في نفسه، وعتا، وطغى، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقّص قائلًا له:﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: أما أنت الذي ربَّيناه فيِ منزلنا وأحسنَّا إليه، وأنعمنا عليه مدةً من الدَّهر؟ وهذا يدلّ على أنَّ فرعون الذي بُعث إليه هو الذي فرَّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فَرَّ منه مات في مُدّة مقامه بِمَدْين، وأن الذي بُعِث إليه فرعونٌ آخر.
وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منّا، وجحدت نعمتنا،﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يوحَى إليَّ وينزَل عليَّ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي: نبوَّة، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١].
ثم قال، مجيبًا لفرعون عما امتنّ به من التربية والإحسان إليه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: وهذه النعمة التى ذكرت من أنّك أحسنت إليّ، وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك، وخدمِك، وأشغالك.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨].
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة، والمحاجَّة، والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعونَ اللئيمِ من الحجّة العقليّة المعنويّة ثم الحسيِّة.
وذلك أنَّ فرعون قَبَّحه الله أظهر جحد الصانع ﵎، وزعم أنّه الإله ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٤].
وقال:﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنّه عبدٌ مربوب، وأنّ الله هو الخالق البارئ المصوِّر الإله الحقُّ، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]، ولهذا قال لموسى ﵇ على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنَّه ما ثَمَّ ربٌّ أرسله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ لأنَّهما قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،فكأنه يقول لهما: ومَن ربُّ العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وبعثكما؟ فأجابه موسى قائلًا: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني: ربُّ العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتجدّدة من السحاب، والرياح، والمطر والنبات، والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولابدّ لها من موجدٍ ومُحْدِثٍ وخالقٍ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين ﴿قَالَ﴾ أي: فرعون لمن حوله من أُمرائه ومَرَازِبته (٤) ووزرائه على سبيل التهكّم والتنقص لما قرَّره موسى ﵇: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ يعني كلامه هذا، قال موسى مخاطبًا له ولهم: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السّالفة في الآباد، فإنّ كلّ أحدٍ يعلم أنّه لم يخلق نفسه، ولا أبوه ولا أمه، ولم يَحدُث من غير مُحدِث، وإنَّما أوجده وخلقه الله ربُّ العالمين.
وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، ومع هذا كلّه لم يستفق فرعون من رَقدته، ولا نزع عن ضلالته؛ بل استمرّ على طُغيانه، وعِناده، وكفرانه، ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسيِّرُ للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، وربُّ الأرض والسماء، ربُّ الأوَّلين والآخِرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة، خالق اللَّيل بظلامه، والنهار بضيائه، والكلُّ تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفي فلك يَسبحون؛ يتعاقبون في سائر الأوقات، ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرِّف في خلقه بما يشاء.
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قولٌ سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه، وجاهه، وسطوته ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩ - ٣٣].
وهذان هما البرهانان اللذان أَيَّده الله بهما، وهما العصا واليد.
وذلك مقامٌ أظهر فيه الخارقُ العظيم الذي بَهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه؛ فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل، بديعٌ
في الضخامة، والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إنَّ فرعون لمَّا شاهد ذلك وعاينه أخذه رَهَبٌ شديد، وخوف عظيم، بحيث إنه حصل له إسهالٌ عظيم أكثر من أربعين مرّة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرّز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال.
وهكذا لما أَدخل موسى ﵇ يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفِلْقَةِ القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كلّه لم ينتفع فرعون لعنه الله بشيء من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أنَّ هذا كلّه سحر، وأراد معارضته بالسَّحَرة، فأرسل يجمعهم من سائر (٥) مملكته، ومن في رعيته، وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه من إظهار الله الحق المبين والحجّة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه وأهل دولته وملّته، ولله الحمد والمِنَّةُ.
وقال تعالى في سورة طه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [الآيات: ٤٠ - ٤٦].
يقول تعالى مخاطبًا لموسى، فيما كلَّمه به لَيلة أَوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلَّمه منه إليه: قد كنتُ مشاهدًا لكَ وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي ولطفي، ثُمَّ أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مَدين بمشيئتي وقَدَري وتدبيري، فلبثت فيها سنين.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾، أي: منّي لذلك،فوافق ذلك تقديري وتسييري ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي:اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ يعني: ولا تفتُرا في ذِكري إذا قَدِمتما عليه، ووفدتما إليه، فإن ذلك عونٌ لكما على مخاطبته، ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجّة عليه.
وقد جاء في بعض الأحاديث: "يقول الله تعالى: إنَّ عَبْدي كُلَّ عَبْدي الذي يذكرني وهو ملاق ) قِرْنه".
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا.
.
﴾ [الأنفال: ٤٥].
ثم قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وهذا من حلمه تعالى )، وكرمه، ورأفته، ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوّه، وتجبُّره وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي
هي أحسن؛ برفقٍ ولين، ويعاملاه معاملةَ مَنْ يرجو أن يتذكّر أو يخشى، كما قال تعالى لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ … ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
قال الحسن البصري: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أعذرا إليه،قُولا له: إن لك ربًّا ولك معادًا، وإن بين يديك جنةً ونارًا ).
وقال وهْب بن مُنَبِّه: قولا له: إنِّي إلى العفو والمغفرة أقرب منِّي إلى الغضب والعقوبة ).
وقال يزيد الرَّقَاشي ) عند هذه الآية: يا من يتحبّب إلى من يعاديه؛ فكيف بمن يتولّاه ويناديه.
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ وذلك أنّ فرعون كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مَريدًا، له سلطان في بلاد مِصر، طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشريةُ، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبّتهما ﷾ وهو العلى الأعلى فقال: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥].
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٧ - ٤٨].
يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبُدَه وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويُطلقهم من أسره وقهره، ولا يعذبهم ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، وهو البرهان العظيم في العصا واليد ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ تقييدٌ مفيدٌ بليغٌ عظيمٌ.
ثم تهدَّداه وتوعّداه على التكذيب فقالا: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذّب بالحق بقلبه، وتولّى عن العمل بقالَبه.
وقد ذكر السُّدِّي وغيره أنه لما قدم من بلاد مَدين دخل على أمّه وأخيه هارون، وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل (٦)؛ وهو اللِّفْتُ، فأكل معهما.
ثم قال: يا هارون إنَّ الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته، فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوَّابين والحجَبة: أعلموه أنَّ رسولَ الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به.
وقد زعم بعضهم أنّه لم يؤذَن لهما عليه إلّا بعد حينٍ طويلٍ.
وقال محمد بن إسحاق: أُذن لهما بعد سنتين، لأنّه لم يكُ أحدٌ يتجاسر على الاستئذان لهما )، فالله أعلم.
ويقال: إنّ موسى تقدَّم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون، وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه، فدعواه إلى الله ﷿ كما أمرهما.
وعند أهل الكتاب: أن الله قال لموسى ﵇: إن هارون اللاوي، يعني الذي من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقّاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يُظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأُقسّي قلبه فلا يرسل الشعب، وأُكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر.
وأوحى الله تعالى إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقّاه بالبرّيَّة عند جبل حوريب، فلما تلقّاه أخبره موسى بما أمره به ربّه، فلما دخلا مِصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلَّغاه رسالة الله، قال: مَنْ هو الله؟ لا أعرفه، ولا أُرْسِلُ بني إسرائيل.
وقال الله تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥].
يقول تعالى، مخبرًا عن فرعون: إنّه أنكر إثبات الصّانع تعالى قائلًا: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللّوحِ المحفوظ، ثمّ هدى كل مخلوقٍ إلى ما قدَّره له، فطابَقَ عمله فيهم على الوجه الذي قدّره وعَلِمَه لكمال علمه وقدرته وقدره.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] أي: قدّر قدرًا وهدى الخلائق إليه.
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يقول فرعونُ لموسى: فإذا كان ربُّك هو الخالق المقدِّر، الهادي الخلائق لما قَدَّره، وهو بهذه المثابة من أنّه لا يستحقُّ العبادة سواه، فلِمَ عبد الأوَّلون غيرَه، وأشركوا به من
الكواكب والأنداد ما قد علمت، فهلَّا اهتدى إلى ما ذكرته القرونُ الأولى؟! ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: هم وإن عبدوا غيرَه، فليس ذلك بحجةٍ لك، ولا يدلُّ على خلافِ ما أقول؛ لأنَّهم جهلة مثلك، كل شيءٍ فعلوه مستطرٌ عليهم في الزُّبر من صغيرٍ وكبيرٍ، وسيجزيهم على ذلك ربِّي ﷿، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرَّة، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتابٍ لا يضلُّ عنه شيءٌ، ولا ينسى ربي شيئًا.
ثُمَّ ذكر له عظمة الرَّبّ وقدرته على خلق الأشياء، وجَعْلِه الأرضَ مهادًا والسماءَ سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابّهم وأَنعامهم، كما قال تعالى:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفِطَر القويمة غير السَّقيمة فهو تعالى الخالق الرازق.
وكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبَّه به على المعاد فقال: ﴿مِنْهَا﴾، أي: من الأرض خلقناكم ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، كما قال تعالى:﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
ثم قال تعالى ): ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٦ - ٥٩].
يخبر تعالى عن شَقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلّة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتِّباعها، وقوله لموسى:إن هذا الذي جئت به سحرٌ، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقتٍ معلومٍ، ومكان معلومٍ، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى ﵇ أن يُظهر آياتِ الله وحججه، وبراهينه جَهْرة بحضرة النَّاس، ولهذا قال:﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وكان يوم عيدٍ من أعيادهم، ومجتمع لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي: من أَوَّل النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحقّ أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلامٍ، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرةً لأنه على بصيرة من ربّه، ويقينٍ أن الله سيظهرُ كلمته ودينه؛ وإن رغمت أنوف القبط.
(١) في اللسان، والجانُّ: ضرب من الحيات أكحل العينين، يَضرِب إلى الصفرة، لا يؤذي.
والجمع جِنَّان.
(٢) المدرعة: ضرب من الثياب، ولا تكون إلا من الصوف، اللسان: درع.
(٣) البهق، بفتحتين: بياض يعتري الجسد بخلاف لونه؛ ليس من البرص.
(٤) المرازبة: واحدها: مرزبان، وهو الفارس الشجاع المقدَّم على القوم، دون الملك، وهو معرَّب.
اللسان.
(٥) سائر الشيء: بقيته.
(٦) في المحيط: الطَّفَيْشل، بالمعجمة، كَسَميدع: نوع من المرق.
: وكان طعامهما ليلتئذٍ الطفيل، وهو اللفت.
مختارات

