قصة موسى عليه السلام (٥)
يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون، وهم قومه من القبط،بالسِّنين: وهي أعوام الجَدْب التي لا يُستغل فيها زرع ولا يُنتفع بضرع، وقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
وهي قلّة الثمار من الأشجار ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: فَلَم ينتفعوا ولم يرعَوُوا، بل تمرّدوا واستمروا على كفرهم وعنادهم ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ وهو الخصب ونحوه، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي:هذا الذي نستحقّه، وهذا الذي يليق بنا، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولون: هذا بشؤمهم أصابنا هذا، ولا يقولون في الأوَّل إنه بركتُهم وحسن مجاورتهم، ولكنْ قلوبهم منكرة مستكبرة، نافرة عن الحق، إذا جاء الشرُّ أسندوه إليه، وإن رأوا خيرًا ادَّعوه لأنفسهم.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مهما جئتنا به من الآيات، وهي الخوارق للعادات، فلسنا نؤمن بك ولا نتَّبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكلِّ آية.
وهكذا أخبر الله عنهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أما الطوفان، فعن ابن عباس: هو كَثْرةُ الأمطار المُتْلِفَةِ للزروع والثمار.
وبه قال سعيد بن جُبير وقتادة والسُّدِّي والضحَّاك.
وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت وقال مجاهد الطوفان: الماء والطاعون على كل حال.
وعن ابن عباس: أمرٌ طافَ بهم.
وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، من طريق يحيى بن يَمَان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجَّاج، عن الحكم بن مِيْنا، عن عائشة، عن النبي ﷺ "الطُّوفانُ الموْتُ" وهو غريب.
وأما الجراد: فمعروف.
وقد روى أبو دَاود، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: سُئل رسول الله عن الجراد فقال: "أكْثَرُ جُنُوْدِ اللهِ لا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ" وترك النبي ﷺ أكله إنما هو على وجه التقذُّر له، كما ترك أكل الضَّبِّ، وتنزَّه عن أكل البَصَل والثوم والكرَّاث؛ لما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن أبي أَوْفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكلُ الجراد.
وقد تكلّمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآراء في "التفسير" والمقصود أنه استاف خضراءهم فلم يترك لهم زروعًا ولا ثمارًا ولا سَبَدًا (١) ولا لَبَدًا.
وأما القُمَّل: فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة.
وعنه:أنّه الجرادُ الصغار الذي لا أجنحة له.
وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة.
وقال سعيد بن جبير، والحسن: هو دوابٌّ سودٌ صغار.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي البراغيث.
وحكى ابن جَرير (٢) عن أهل العربية أنها الحَمْنان، وهو صغار القِرْدان، فوق القَمْقَامة، فدخل معهم البيوت والفُرش، فلم يَقِرَّ لهم قرارٌ، ولم يُمكنْهم معه الغمض ولا العيش.
وفسَّره عطاء بن السائب بهذا القَمْل المعروف.
وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف.
وأمَّا الضفادع: فمعروفة، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم (٣) وأوانيهم، حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعامٍ أو شرابٍ سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع.
وأمّا الدم: فكان قد مَزج ماءهم كلّه، فلا يستَقُون من النيل شيئًا إلا وجدوه دمًا عَبِيطًا (٤)، ولا من نهرٍ ولا بئرٍ ولا شيء إلا كان دمًا في الساعة الراهنة.
هذا كله، ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلّية.
وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجّة القاطعة، أن هذا كلّه يحصل لهم من فعل موسى ﵇، فينالهم عن آخرهم ولا يحصل هذا لأحدٍ من بني إسرائيل، وفي هذا أدل دليل.
قال محمد بن إسحاق: فَرَجع عدوُّ الله فرعونُ حين آمنت السّحرة مغلوبًا مفلولًا، ثمّ أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، فأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثُمَّ الجراد، ثم القُمَّل، ثُمَّ الضفادع، ثمّ الدم، آيات مفصلات.
فأرسل الطوفان، وهو الماء، ففاض على وجه الأرض ثمّ ركد.
لا يقدرون على أن يخرجوا ولا أن يعملوا شيئًا حتى جهدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] فدعا مُوْسَى رَبَّه فكشفه عنهم، فلم يفوا له بشيء، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر -فيما بلغني- حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربَّه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القُمَّل، فذُكر لي أن موسى ﵇ أُمر أن يَمْشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها، فانثال عليهم قملًا حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومنعهم النومَ والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربّه فكشفه عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلم يكشف أحدٌ ثوبًا ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع قد غلب عليه، فلمَّا جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربّه فكشف عنهم، فلم يفوا بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدمَ، فصارت مياه آل فرعون دمًا؛ لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناءٍ إلا عاد دمًا عَبِيْطًا.
وقال زيد بن أسْلم: المراد بالدم: الرعاف، رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٦].
يخبر ﷾ عن كفرهم، وعتوِّهم، واستمرارهم على الضلال والجهل، والاستكبار عن اتباع آيات الله وتصديق رسوله، مع ما أُيّد به من الآيات العظيمة الباهرة، والحجج البليغة القاهرة، التي أراهم الله إياها عَيانًا، وجعلها عليهم دليلًا وبرهانًا.
وكلَّما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حَلَفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنُنَّ به وليرسلُنَّ معه مَن هو من حِزبه، فكلَّما رُفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شرّ مما كانوا عليه، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه، فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى، فيقولون فيكذبون، ويعدون ولا يفون: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل.
ثمّ
يعودون إلى جهلهم العريض الطويل، هذا والعظيم الحليم القدير يُنظرهم ولا يُعَجّل عليهم، ويؤخِّرهم ويتقدَّم بالوعيد إليهم، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والإنذار إليهم أخْذَ عزيز مقتدر، فجعلهم عِبرةً ونَكالًا وسلفًا لمن أشبههم من الكافرين، ومَثَلًا لمن اتّعظ بهم من عباده المؤمنين، كما قال ﵎ -وهو أصدق القائلين- في سورة ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٥٦].
يذكر تعالى إرسالَه عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم، وأنّه تعالى أيّد رسولَه بآيات بيّنات واضحات تستحق أن تقابَل بالتعظيم والتصديق، وأن يرتدعوا عمّا هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحقّ والصراط المستقيم، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزؤون، وعن سبيل الله يصدُّون، وعن الحق يصدّون، فأرسل الله عليهم الآيات تَتْرى يتبع بعضُها بعضًا، وكلّ آية أكبر من التي تتلوها، لأن التوكيد أبلغ مما قبله ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
لم يكن لفظ السّاحر في زمنهم نقصًا ولا عيبًا؛ لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السَّحَرة، ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تبجُّح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها، وتخرُّق الأنهار فيها، وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام زيادة النيل، ثمّ تبجّح بنفسه وحِلْيته،وأخذ يتنقّص رسولَ الله موسى ﵇ ويزدريه بكونه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني: كلامه؛ بسبب ما كان في لسانه من بقيّة تلك اللثّغة التي هي شرف له وكمال وجمال، ولم تكن مانعَةً له، أن كلمه الله تعالى، وأوحى إليه، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه، وتنقَّصه فرعون -لعنه الله- بكونه لا أساور في يديه ولا زينة عليه إنما ذلك من حلية النّساء لا يليق بشهامة الرجال فكيف بالرسل الذين
هم أكمل عقلًا، وأتمّ معرفة، وأعلى همَّة، وأزهد في الدنيا، وأعلم بما أعدّ الله لأوليائه في الأخرى.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان إنما المراد أن تعظمه الملائكة، فالملائكة يعظّمون ويتواضعون لمن هو دون موسى ﵇ بكثير، كما جاء في الحديث: "إنَّ الملائِكَةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطَالِبِ العِلْمِ رِضىً بما يَصْنَعُ" فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم، عليه الصلاة والتسليم والتكريم.
وإن كان إنما المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيّد من المعجزات بما يدل قطعًا لذوي الألباب، ولمن قصد إلى الحق والصواب، ولعمي عما جاء به من البيِّنات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور وترك اللباب، وطبع على قلبه ربَّ الأرباب، وختم عليه بما فيه من الشد والارتياب، كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذَّاب.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: استخف عقولهم الفاسدة ودَرَجهم من حالٍ إلى حالٍ إلى أن صدَّقوه في دعواه الربوبية، لعنه الله وقبَّحهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: بالغرق والإهانة، وسَلْب العزِّ، والتبدّل بالذُّلِّ، وبالعذاب بعد النِّعمة، والهوان بعد الرفاهية، والنار بعد طيب العيش، عياذًا بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ أي: لمن اتبعهم في الصفات ﴿وَمَثَلًا﴾ أي: لمن اتَّعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بَلَغه جليَّةُ خبرهم، وما كان من أمرهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٣٨ - ٤٢].
يخبر ﷾ أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق، وادَّعى مَلِكُهم الباطلَ، ووافقوا عليه
وأطاعوه فيه، اشتد غضب الربّ القدير العزيز الذي لا يُغَالَب ولا يمانَع عليهم، فانتقم منهم أشد الانتقام، وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة، فلم يفلت منهم أحدٌ ولم يبق ) منهم ديَّار، بل كلٌّ قد غرق فدخل النار، وأُتبعوا لعنة في هذه الدار بين العالمين، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، ويوم القيامة هم من المقبوحين.
ذكر هلَاك فرعون وجنوده )
لما تمادى قبطُ مصر على كفرهم وعتوِّهم وعنادهم، متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇، وأقام الله على أهل مصر الحجج ) العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بَهر الأبصار وحيَّر العقول، وهم مع ذلك لا يرعوون، ولا ينتهون، ولا ينزعون، ولا يرجعون، ولم يؤمن منهم إلا القليل، قيل: ثلاثة، وهم:امرأة فرعون -ولا علم لأهل الكتاب بخبرها- ومؤمن آل فرعون الذي تقدمت حكاية موعظته، ومشورته، وحجَّته عليهم، والرجل الناصح الذي جَاءَ يَسْعَى من أقصى المدينة فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] قاله ابن عباس؛ فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، ومراده غيرَ السَّحَرةِ، فإنَّهم كانوا من القبط.
وقيل: بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون، والسَّحرة كلّهم، وجميع شعب بني إسرائيل.
ويدلُّ على هذا قوله تعالى:﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، فالضمير في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ عائدٌ على فرعون، لأن السياق يدلُّ عليه، وقيل: على موسى لقربه، والأول أظهر كما هو مقرر في "التفسير".
وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسَطوته وجبروته وسلطته، ومن ملئهم أن ينفُوا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم.
قال الله تعالى مخبرًا عن فرعون، وكفى بالله شهيدًا:﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جبّارٍ عنيدٍ مستعلٍ بغير الحق ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: في جميع أموره، وشؤونه، وأحواله، ولكنه جرثومةٌ قد حان انجعافها (٥)، وثمرةٌ خبيثة قد آن قطافها، ومهجةٌ ملعونة قد حُتم إتلافها.
وعند ذلك قال موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا
تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦]، يأمرهم بالتوكل على الله، والاستعانة به، والالتجاء إليه، فأتمَروا بذلك، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فَرَجًا ومخرجًا.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧].
أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون ﵉ أن يتَّخذا لقومهما بيوتًا متميّزة فيما بينهم عن بيوت القبط؛ ليكونوا على أُهبة في الرحيل إذا أُمروا به، ليعرف بعضهم بيوت بعض.
وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قيل: مساجد.
وقيل:معناه كثرة الصلاة فيها.
قاله مجاهد، وأبو مالك، وإبراهيم النَّخعي، والربيع، والضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، وغيرهم.
ومعناه على هذا: الاستعانة على ما هم فيه من الضرِّ والشّدة والضِّيق بكثرة الصلاة، كما قال تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة: ٤٥] وكان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه أمر صَلَّى.
وقيل: معناه أنّهم لم يكونوا حينئذٍ يقدرون على إظهار عباداتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم، فأُمروا أن يصلُّوا في بيوتهم عوضًا عمَّا فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالُهم إخفاءَه خوفًا من فرعون وملئه.
والمعنى الأول أقوى، لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن كان لا ينافي الثاني أيضًا، والله أعلم.
وقال سعيد بن جبير ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أي متقابلة.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] هذه دعوةٌ عظيمةٌ دعا بها كَليمُ الله موسى على عدوَّ الله فرعون، غضبًا لله عليه لتكبُّره عن اتباع الحق، وصدّه عن سبيل الله، ومعاندته وعتوِّه وتمرُّده واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسّي والمعنوي، والبرهان القطعي فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾ يعني قومَه من القبط ومَن كان على ملّته ودان بدينه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي: وهذا يغترُّ به من يُعظِّم أمرَ الدنيا فيحسب الجاهلُ أَنَّهم على شيء لكون هذه الأموال، وهذه الزِّينة من اللباس، والمراكب الحسنة الهنيَّة، والدُّور الأنيقة، والقصور المبنيَّة، والمآكل الشهية، والمناظر البهية، والمُلك العزيز والتمكين، والجاه العريض في الدنيا لا الدين ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها.
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، والضحاك: اجعلها حجارةً منقوشةً كهيئة ما كانت.
وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حِجارةً.
وقال محمد بن كعب: جعل سُكَّرَهُمْ حجارةً، وقال أيضًا: صارت أموالهم كلّها حجارة.
ذُكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام: قم إيتني بكيس، فجاءه بكيس، فإذا فيه حِمْصٌ وبَيضٌ قد قطع وقد حُوّل حجارة، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله:﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها، وهذه دعوةُ غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله تعالى لها وحقّقها وتقبَّلها، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]ولهذا قال تعالى، مخاطبًا لموسى حين دعا على فرعون وملئهِ وأَمَّن أخوه هارون على دعائه، فنزل ذلك منزلة الداعي أيضًا:﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيدٍ لهم، فأذن لهم وهو كارهٌ، ولكنهم تجهزوا للخروج، وتأهَّبوا له، وإنّما كان في نفس الأمر مكيدةٌ بفرعون وجنوده ليتخلّصوا منهم ويخرجوا عنهم، وأمرهم الله تعالى -فيما ذكره أهل الكتاب- أن يستعيروا حليًّا منهم، فأعاروهم شيئًا كثيرًا، فخرجوا بليل، فساروا مستمرّين ذاهبين من فورهم، طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعونُ حَنِق عليهم كلّ الحنق، واشْتَدَّ غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه، وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٨].
قال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده طالبًا بني إسرائيل يقفو أثرهم، كان في جيشٍ كثيفٍ عرمرم، حتى قيل: إنه كان في خيوله مئة ألف فحل أدْهَم، وكانت عدَّة الجنود تزيد على ألف ألف وستمئة ألف.
فالله أعلم.
وقيل:إن بني إسرائيل كانوا نحوًا من ستمئة ألف مقاتل غير الذرّية، وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى ﵇، ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمئة سنة وست وعشرون سنة شمسية.
والمقصود أنَّ فرعون لحقهم بالجنود، فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان، ولم يبق ثَمَّ ريب ولا لَبس، وعاين كلٌّ من الفريقين صاحبه، وتحقّقه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجاولة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى،وهم خائفون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك لأنهم اضْطُرّوا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكُه وخوضه.
وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم، وهي شاهقةٌ منيفةٌ، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعَدَده وعُدَده، وهم منه في غاية الخوف والذُّعر لِما قاسوا في سلطانه من الإهانة والنّكر، فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه، فقال لهم الرسول الصَّادق المصدوق:﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وكان في السَّاقة (٦) فتقدَّم إلى المقدمة، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زَبَدُ أُجاجه (٧)، وهو يقول: هاهنا أمرت، ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعُبَّادهم الكبار، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيًا بعد موسى وهارون ﵉ كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضًا مؤمن آل فرعون، وهم وقوفٌ، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عُكوف، ويقال: إن مؤمن آل فرعون جَعل يَقْتَحم بفرسه مرارًا في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن، ويقول لموسى ﵇: يا نبي الله أهاهُنا أُمِرت؟فيقول: نعم.
فلما تفاقم الأمر، وضاق الحالُ، واشتد الأمرُ، واقترب فرعون وجنوده في جَدِّهم، وحَدّهم، وحَديدهم، وغضبهم، وحنقهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ربُّ العرش الكريم إلى موسى الكليم: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فلمّا ضربه يقال: إنّه قال له: انفلق بإذن الله، ويقال: إنَّه كنَّاه بأبي خالد، فالله أعلم.
(١) السبد: ما يطلع من رؤوس النبات قبل أن ينتشر، والسبد: الوبر، وقيل: الشعر.
والعرب تقول: ماله سَبَد ولا لَبَد؛ أي: ماله وبر ولا صوف متلبد، يكنى بهما عن الإبل والغنم.
وقيل: أي ماله قليل ولا كثير.
اللسان (سبد).
(٢) القُراد أول ما يكون وهو صغير لا يكاد يرى من صِغره يقال له: قمقامة، ثم يصير حمنانة، ثم قرادًا، ثم حلمة.
اللسان (حمن).
(٣) جمع طعام: أطعمة، وجمع الجمع: أطعمات.
(٤) دم عبيط: طري.
(٥) انجعافها: انقلاعها.
يقال: جعفه فانجعف: أي صرعه وضرب به الأرض فانصرع.
(٥) الساقة: مؤخرة الجيش.
(٦) الأجاج: الماء الملح.
والأجيج: صوت انصباب الماء.
مختارات

