حكمة تعدد بعث الرسل (٢)
ومن سنة الله عزَّ وجلَّ في إرسال الرسل بعث كل رسول من قومه وبلسانهم؛ تأليفاً لقلوب الذين لم تفسد فطرهم، وتيسيراً على البشر في التفاهم والتعارف، وإن كان الذي فسدت فطرهم يعجبون من هذه السنة فلا يستجيبون، ويستكبرون أن يؤمنوا لبشر مثلهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)} [إبراهيم: ٤].
ويطلبون أن تبلغهم الملائكة، وإن هي إلا تعلة، وما كانوا ليستجيبوا إلى الهدى مهما جاءهم من أي طريق.
أرسل الله تبارك وتعالى نوحاً إلى قومه كما قال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)} [الأعراف: ٥٩].
فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة إلى التوحيد وماذا قالوا له؟ {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)} [الأعراف: ٦٠].
دعاهم نوح - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادة الله وحده، وإقامة منهج الله في الحياة، ليكون السلطان كله لله في حياة الناس كلها، قال لهم ذلك، وأنذرهم عاقبة التكذيب بها في إشفاق الأخ الناصح لإخوانه، ولكنهم رموا الداعي إلى الحق المبين بالضلال المبين، وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب أن من يدعوه إلى الهدى هو الضال، هكذا تنقلب الموازين، ويحكم الهوى، ويضل العباد بسبب إغواء الشيطان، وغياب دعوة الرسل، وغلبة حب الدنيا على الناس.
فماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدي الله؟
إنها تسميهم الضالين، وتعد من يسقط منهم في الوحل والمستنقع الكريه بالرضا والقبول.
وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها؟
وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص؟
إنها تسمي ذلك كله تخلفاً وجموداً.
وماذا تقول الجاهلية لمن يترفع عن جنون اللعب، والفن، والحفلات الفارغة والملاهي؟
إنها تقول إنه جامد، مغلق على نفسه، وتنقصه المرونة والثقافة، وتحاول أن تجره إلى الوحل الساقط الهابط مع البهائم.
وينفي نوح عن نفسه الضلال، ويكشف لقومه عن حقيقة دعوته، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه، إنما هو رسول رب العالمين، يحمل لهم الرسالة، ومعها النصح والأمانة، ويعلم من الله ما لا يعلمون: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)} [الأعراف: ٦١].
وأرسلت إليكم: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)} [الأعراف: ٦٢].
وقد عجب هؤلاء الملأ أن يختار الله رسولاً من البشر من بينهم، ويحمله رسالة إلى قومه، وما من عجب في هذا الاختيار؟
فإذا اختار الله من البشر رسولاً، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، فيتلقى هذا المختار عنه الحق، ويبلغه إلى خلقه ليسعدوا ويفلحوا فما العجب في ذلك؟
{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)} [الأعراف: ٦٣].
إن الفطرة حين تبلغ حداً معيناً من الفساد لا تتفكر ولا تتدبر، ولا تتذكر ولا تستجيب، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير، وحينئذ تتحقق سنة الله في المكذبين المعرضين: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)} [الأعراف: ٦٤].
فبعماهم هذا كذبوا، وبعماهم لاقوا هذا المصير، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وتمضي عجلة الزمن، وتتابع الأيام، فإذا نحن أمام عاد قوم هود، وقوم عاد من ذرية نوح والذين نجوا معه في السفينة، وكانوا يعبدون الله وحده.
فلما طال عليهم الأمد، وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية، وقادهم من شهواتهم وفق الهوى لا وفق شريعة الله، عاد قوم هود إلى الجاهلية مرة أخرى.
يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد كما قال سبحانه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)} [الأعراف: ٦٥].
وقبيلة عاد كانوا بالأحقاف، وهي كثبان رملية على حدود اليمن، وقد أضلهم الشيطان كما أضل قوم نوح، فاغتروا بقوتهم ودنياهم واستكبروا في الأرض كما قال الله عنهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)} [فصلت: ١٥].
ولم يتدبروا، ولم يتذكروا، ما حل بقوم نوح - صلى الله عليه وسلم - من الغرق والهلاك.
وحذرهم نبيهم هود - صلى الله عليه وسلم - عافبة كفرهم.
وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى، وأن يستنكر منهم قلة التقوى، فراحوا يتهمونه بالسفاهة والكذب جميعاً في غير تحرج ولا حياد: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)} [الأعراف: ٦٦].
فكشف لهم هود عن نفسه، وبين لهم العمل الذي أرسل به: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)} [الأعراف: ٦٧، ٦٨].
وكلما جاء رسول ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم تعجب البشر من اختيار الله له من البشر.
وقد عجب قوم عاد من اختيار الله لهود - صلى الله عليه وسلم - نبياً لهم، كما عجب قوم نوح - صلى الله عليه وسلم - من قبل، فإذا هود - صلى الله عليه وسلم - يكرر لهم ما قاله نوح لقومه من قبل: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} [الأعراف: ٦٩].
ثم ذكرهم هود - صلى الله عليه وسلم - بنعمة الله عليهم من استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح - صلى الله عليه وسلم -، وأعطاهم قوة في الأجسام، وقوة في السلطان والسيطرة فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)} [الأعراف: ٦٩].
ونعمة هذا الاستخلاف، وهذه القوة والبسطة، تستوجب شكر النعمة، والحذر من البطر والكفر، واتقاء مصير المجرمين الغابرين.
ولكن الفكرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر، ولا تتذكر، وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم، واختصروا الجدل، واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح، ويهزأ بالإيمان والإنذار، فماذا قالوا لنبيهم هود: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)} [الأعراف: ٧٠].
وهكذا استعجل القوم العذاب فراراً من مواجهة الحق، واتباعاً للهوى والشهوات، ومن ثم كان الجواب حاسماً وسريعاً، فأرسل الله عليهم الريح العقيم، التي تدمر كل شيء بأمر ربها، وبلغهم نوح عاقبة تكذيبهم: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: ٧١].
وجاءهم العذاب صريحاً بالهواء الذي لا يستغني عنه أحد كما جاء العذاب قوم نوح بالماء الذي لا يستغني عنه أحد: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)} [فصلت: ١٦].
لقد نزل بهم العذاب الذي لا دافع له، وغضب الله المصاحب له، وانتقم الله من هؤلاء المكذبين المعاندين، وأخزاهم في الدنيا والآخرة.
وأنجى الله هوداً ومن آمن به، وقطع دابر الكافرين، وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير، وطويت صفحة سوداء من صحائف المكذبين، وبقيت العاقبة للمتقين: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)} [الأعراف: ٧٢].
وتتوالى الأيام، وتمر الدهور، فتأتي أمة أخرى، أغواها الشيطان وأضلها عن هدي ربها، وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية، ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل، ومصرع جديد من مصارع المكذبين بعد الإنذار والتبليغ، إنهم ثمود قوم صالح - صلى الله عليه وسلم -، دعاهم نبيهم صالح إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}.
[الأعراف: ٧٣].
وقبيلة ثمود كانوا يسكنون الحجر وما حوله من أرض الحجاز بين المدينة وتبوك، وقد جاءهم صالح - صلى الله عليه وسلم - بآية بينة تدل على صدق نبوته، لعلهم إذا رأوها يؤمنون به فقال لهم: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)} [الأعراف: ٧٣].
ثم أخذ صالح - صلى الله عليه وسلم - بالنصح لقومه بالتدبر والتذكر والتفكر في مصائر الغابرين، والشكر لله على نعمة الاستخلاف بعد أولئك الغابرين قائلاً لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)} [الأعراف: ٧٤].
فآمنت طائفة من قوم صالح - صلى الله عليه وسلم -، وكفرت طائفة، واتجه الملأ الذين استكبروا من قوم صالح إلى من آمن من الضعفاء بالفتنة والتهديد: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)} [الأعراف: ٧٥].
فعاد الضعاف بالإيمان أقوياء، فقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم، فأعلنوا للمستكبرين أنهم مؤمنون بما جاء به صالح - صلى الله عليه وسلم -.
فأعلن الملأ المستكبرون عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد، على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح - صلى الله عليه وسلم -، والتي لا تدع ريبة لمستريب: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)} [الأعراف: ٧٦].
ثم أتبعوا القول بالعمل، فاعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه، والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم، ولكنهم عتوا وهددوا وطغوا: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)} [الأعراف: ٧٧].
فماذا كانت عاقبة المجرمين؟ وماذا نزل بهم من العذاب؟.
{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)} [الأعراف: ٧٨].
وهم إلى الآن في ديارهم جاثمون، أما صالح الذي كذبوه وتحدوه: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)} [الأعراف: ٧٩].
وقال سبحانه: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)} [فصلت: ١٧،١٨].
وقال سبحانه: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)} [الذاريات: ٤٣ - ٤٥].
وهكذا نزل عذاب الله بكل من طغى وبغى، وتجبر واستكبر، وكذب وتولى.
تارة بالماء.
وتارة بالريح.
وتارة بالرجفة، وتارة بالصاعقة.
وتارة بالصيحة {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)} [يونس: ٤٤].
وهكذا طويت صفحة من صحائف المكذبين الظالمين، وحق النذير بعد التذكير على المستهزئين: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)} [الشعراء: ١٥٨،١٥٩].
وتمضي عجلة الزمن، وتتوالى الأيام، فيأتي عهد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فيرسله الله إلى قومه داعياً إلى التوحيد، وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)} [الأنبياء: ٥١،٥٢].
فماذا قال له قومه: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)} [الأنبياء: ٥٣].
فقال لهم: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)} [الأنبياء: ٥٤].
فبماذا أجابوه: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)} [الأنبياء: ٥٥].
فقال لهم: {بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)} [الأنبياء: ٥٦].
فأقسم إبراهيم أنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل؛ ثقة بالله ودفاعاً عن دينه، فواجه قومه كلهم بقوله: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)} [الأنبياء: ٥٧،٥٨].
فلما رجعوا وجدوا أصنامهم التي يعبدونها مكسرة قطعاً إلا الأكبر منها: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)} [الأنبياء: ٥٩ - ٦١].
فلما جاء إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)} [الأنبياء: ٦٢].
فماذا قال لهم إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)} [الأنبياء: ٦٣ - ٦٥].
فلما أقروا بعجز أصنامهم وأنها لا تتمكن من الدفاع عن نفسها لا بالقول ولا بالفعل: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)} [الأنبياء: ٦٦،٦٧].
فلما عجزوا عن محاجة إبراهيم أرادوا إظهار الغلبة بأي وجه كان، بالانتقام ممن فعل بأصنامهم ما فعل: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)} [الأنبياء: ٦٨].
فتوجه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه، فأمر الله النار فوراً أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)} [الأنبياء: ٦٩].
فأحبط الله كيدهم، وأنجى إبراهيم إلى الأرض المباركة في الشام، ورزقه إسحاق، ويعقوب نافلة، وجعل الجميع هداة ودعاة إلى دينه، يعبدون الله ويفعلون الطاعات، ويجتنبون ما نهاهم الله عنه كما قال سبحانه: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)} [الأنبياء: ٧٠ - ٧٣].
ثم جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من نسله، وشرفه ببناء البيت مع ابنه إسماعيل كما قال سبحانه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)} [البقرة: ١٢٧].
وجعل سيد الأنبياء محمداً - صلى الله عليه وسلم - من نسله، حيث دعا ربه بقوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)} [البقرة: ١٢٩].
وجعل ملته وشريعته ديناً يقتدى به من بعده، ولا يعرض عنه إلا من سفه نفسه كما قال سبحانه: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)} [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].
وفي زمن إبراهيم عاش لوط - صلى الله عليه وسلم -، وقد أرسله الله إلى القرية التي كانت تعمل الخبائث فماذا قال لهم: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)} [الأعراف: ٨٠،٨١].
والإسراف الذي يدمغهم به لوط - صلى الله عليه وسلم - هو الإسراف في تجاوز منهج الله، المتمثل في الفطرة السوية، والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها؛ لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة.
فإذا أراقوها في غير موضع الإخصاب فهي مجرد شهوة شاذة؛ لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية.
ويتجلى الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)} [الأعراف: ٨٢].
إن فطرة الإنسان إذا انحرفت رأت الحق باطلاً، والباطل حقاً، والقذر نظيفاً، والخبيث طيباً، والنجس طاهراً.
من يتطهر يخرج من القرية إخراجاً، ليبقى فيها المدنسون الملوثون، إنها الجاهلية التي لا تطيق أن ترى المتطهرين، وترحب بأهل الأدناس والأقذار والنجاسة.
فماذا فعل الله بهؤلاء المفسدين؟، وماذا حل بديارهم؟.
{فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)} [الحجر: ٧٤].
رفعت ديارهم إلى السماء، ثم قلبت عليهم، وأتبعوا بحجارة من سجيل، وأمطروا مطراً مهلكاً، مع ما صاحبه من عواصف، فكان هذا المطر المغرق والماء الدافق لتطهير الأرض من ذلك الدنس الذي كانوا فيه، والوحل الذي عاشوا وماتوا فيه، وأنجى الله لوطاً وأهله إلا امرأته، ودمر العصاة الفاسقين كما قال سبحانه: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)} [الأعراف: ٨٣،٨٤].
ثم سارت عجلة الزمن فجاءت أمة أخرى، ولها صفحة من صحائف الأقوام المكذبة بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك، وهم مدين الذين أرسل الله إليهم رسوله شعيباً، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: ٨٥].
وقد جاءهم ببينة من ربه تثبت أنه مرسل من عند الله، ويدعوهم إلى توفية الكيل والميزان، والنهي عن الفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم كما قال شعيب لقومه: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: ٨٥،٨٦].
وقوم شعيب كانوا مشركين بالله، لا يعبدون الله وحده، وكانوا لا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع الله العادل، مع إفسادهم في الأرض، وقطع الطريق على سواهم.
فبدأ شعيب بدعوتهم إلى عبادة الله وحده، وإقرار منهج الله وحده في حياتهم، ويذكرهم بنعم الله عليهم، ويخوفهم عاقبة المفسدين من قبلهم فيقول لهم:
{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)} [الأعراف: ٨٦].
كذلك يطلب منهم العدل وسعة الصدر، فلا يفتنون المؤمنين عن دينهم الذي هداهم الله إليه، ولا يقعدون لهم بكل صراط مهددين لهم، وأن ينتظروا حكم الله بين الفريقين، إن كانوا هم لا يريدون الإيمان كما قال شعيب - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)} [الأعراف: ٨٧].
لقد دعا شعيب قومه إلى أعدل خطة، ووقف عند آخر نقطة، لا يملك أن يتراجع عنها خطوة، وهي الانتظار والتعايش بغير أذى، وترك كل وما اعتنق من دين.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان بالله وجود في الأرض ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت، بل تدين لله.
إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت، حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة، إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل، وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: ٨٨].
فلما تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم، أو العودة في ملتهم صدع شعيب بالحق مستمسكاً بملته، كارهاً أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه الله منها، واتجه إلى ربه سبحانه يدعوه ويستنصره: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)} [الأعراف: ٨٨،٨٩].
إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة كبرى مهما لاح فيها من السلامة والأمن، وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان؟.
وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان؟ وفوق هذا فإن حكم الطواغيت يكلف الناس أموالهم التي لا يحميها إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والمال والعرض، ومهما تكن تكاليف العبودية لله فهي أربح وأقوم، حتى بميزان هذه الحياة، فضلاً عن وزنها بميزان الله عزَّ وجلَّ الذي له ما في السموات وما في الأرض.
إن صلاح البشرية وفسادها متوقف على من بيده زمام أمرها من الأمراء والعلماء.
فهم الذين لهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمور، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شئون الإنسانية، وتتعلق بأذيالهم نفوس الأمة وآمالها، ويصوغون الحياة كما يحبون ولو كان يغضب الله ورسوله.
فإذا كان هؤلاء الزعماء ممن يؤمنون بالله ويرجون حسابه، فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الأشرار والفجار إلى كنف الدين، وهذه وظيفة الخليفة كما قال سبحانه: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)} [ص: ٢٦].
وأما إذا كانت سلطة الزعامة والإمامة بأيدي رجال انحرفوا عن الدين الحق، وعصوا الله ورسوله، واتبعوا الشهوات، وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة تدريجياً ثم كلياً بقضه وقضيضه على البغي والعدوان، والفواحش والمنكرات، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والعلوم، والآداب والأخلاق، والمعاشرات والمعاملات، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها، وماذا بعد الحق إلا الضلال: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)} [القصص: ٥٠].
إن أول ما يطالب به الله عباده أن يدخلوا في عبودية الحق كافة، مخلصين له الطاعة والانقياد، وأن لا يكون لحياتهم منهج إلا ما أنزله الله تعالى، وجاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)} [البقرة: ٢٠٨].
ثم الإسلام يطالبهم مع هذا بإزالة الفساد في الأرض، واستئصال شأفة السيئات والمنكرات، الجالبة على العباد غضب الله وسخطه والفتنة.
كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)} [آل عمران: ١٠٤،١٠٥].
وهذه الغايات السامية من الاستقامة والدعوة والإصلاح لا يمكن أن يتحقق منها شيء ما دامت قيادة البشرية وتسيير شئونهم في الأرض بأيدي أئمة الكفر والضلال، وأتباع الحق وأنصاره مستسلمون لهؤلاء، منقادون لجبروتهم، قانعون بذكر الله وتلاوة كتابه في بيوتهم أو مساجدهم، منقطعون عن الدنيا وتدبير شئونها، راضون بما يتصدق عليهم هؤلاء الجبابرة من الأموال والإعانات، والتسهيلات والمسامحات، والشفاعات وقضاء الحاجات.
ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة، وإقامة نظام الحق من أهمية كبرى تجعلها من غايات الدين وأسسه، ولذلك أوجب الله طاعة أولي الأمر الصالحين إذا حكموا وأمروا بما جاء عن الله ورسوله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)} [النساء: ٥٩].
والمسلم لا يمكنه أن يبلغ رضا الله تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة، وتقاعس عن القيام بها.
فإن غرض الدين الحقيقي وهدفه هو تحقيق العبودية لله رب العالمين في حياة البشرية كلها، وإقامة نظام الحق والإمامة الراشدة، وتوطيد دعائم الدين في الأرض كلها، حتى يكون الدين كله لله، وينسجم العالم البشري مع العالم الكوني كله في طاعة الله وعبادته سبحانه.
ولا يتم ذلك إلا وفق سنة الله بالدعوة إلى الله أولاً.
فإذا دخل الإيمان في قلوب البشر اشتاقت قلوبهم لمعرفة الأحكام.
وجاء عندهم الاستعداد لفعل الأوامر واجتناب النواهي.
فإذا حصل هذا وحقق البشر العبودية مكن الله لهم في الأرض كما قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)} [النور: ٥٥].
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويؤمن بالله ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل على البشرية، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة الدين الحق في العالم.
فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك.
ليفتنوهم عن دينهم كما قال سبحانه: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)} [الأعراف: ٩٠].
فالطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية إلى الله ليسكتوه، ويصرفوه عن الدعوة إما بالأذى، أو بشغله بما يعطونه من الحطام ليكف عن الدعوة.
فإذا استعصم بربه وتمسك بإيمانه ولم يرهبه التخويف بما يملكه الطغاة من الوسائل والأسلحة تحولوا إلى الذين اتبعوه، يفتنونهم عن دينهم الحق بالوعيد والتهديد، ثم بالبطش والعذاب.
ولكن من سنة الله الجارية، أنه عندما يتمحض الحق والباطل، ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة، تجري سنة الله التي لا تتخلف، وهكذا كان لقوم شعيب: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)} [الأعراف: ٩١].
فكل نبي لم يؤمر بقتال يتولى الله تدمير أعدائه وإهلاكهم بما شاء، وهكذا عاقب الله قوم شعيب بالرجفة والجثوم، جزاء التهديد والاستطالة، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة للمؤمنين.
وطويت صفحة هؤلاء الكفار من أهل مدين، وباءوا بالهلاك والخسار والعذاب، وانفصلوا عن نبيهم شعيب - صلى الله عليه وسلم -، ولم يندم ولم ييأس على مصيرهم الأليم بعدما أبلغهم ونصحهم: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)} [الأعراف: ٩٣].
مختارات

