فقه النعم والمصائب (٥)
إن الله تبارك وتعالى يبتلي عباده بالسراء والضراء.
والخير والشر.
والرخاء والشدة.
فالرخاء ابتلاء من الله وفتنة.
والشدة كذلك ابتلاء من الله وفتنة.
والصبر على الرخاء، أشق من الصبر على الشدة.
فكثير من الناس يصبرون على الشدة ويتماسكون لها.
وأما الرخاء فينسي ويلهي، ويهيء الفرصة للغرور بالنعمة، والاستنامة للشيطان، والإعراض عن الرحمن.
فنعمة المال كثيراً ما تقود إلى فتنة البطر، وقلة الشكر، مع السرف أو البخل، وكلاهما آفة للنفس والحياة.
ونعمة القوة كثيراً ما تقود إلى البطر، وقلة الشكر، مع الطغيان والجور، والتطاول بالقوة على الحق وعلى الناس، والتهجم على حرمات الله.
ونعمة الجمال كثيراً ما تقود إلى فتنة الخيلاء والتيه والغرور، والتردي في مدارك الإثم والغواية.
ونعمة الذكاء كثيراً ما تقود إلى فتنة الغرور والاستخفاف بالآخرين، وما تكاد تخلو نعمة من الفتنة إلا من ذكر الله فعصمه الله.
وكل ما رزقه الله لعباده فهو مقيد محدود محسوب، لما يعلمه الله من أن هؤلاء البشر لا يطيقون في الأرض أن يفتح عليهم فيض الله غير المحدود، ولما يحدثه من البغي في الأرض كما قال سبحانه: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)} [الشورى: ٢٧].
أما فضل الله في الآخرة فهو مطلق بلا حساب ولا حدود، ولا قيود ولا جهود، يكرم الله به أهل طاعته كما قال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)} [غافر: ٤٠].
وكل ذرة.
وكل حشرة.
وكل طائر.
وكل حيوان.
وكل إنسان.
وكل أمة في البر أو في البحر.
كل مخلوق من هؤلاء سيصل إليه رزقه.
فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً لا محالة.
فإن سد الله عليك بحكمته طريقاً، فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه.
وتأمل حال الجنين في بطن أمه يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة.
فلما خرج من بطن الأم، وانقطعت تلك الطريق، فتح الله له طريقين اثنين لبناً خالصاً.
فإذا تمت مدة الرضاع، وانقطع الطريقان بالفطام، فتح له مولاه طرقاً أربعة أكمل منها، طعامان من النبات والحيوان، وشرابان من المياه والألبان.
فإذا مات الإنسان، انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة، وفتحت له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية، وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
وهكذا الله عزَّ وجلَّ الكريم المنان لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك إلا للمؤمن.
والله حكيم عليم قسم الأرزاق بين عباده بالسوية، ونعم الله ظاهرة وباطنة، ومن الناس من لا يرى إلا النعم الظاهرة، ويغفل عن النعم الباطنة.
وبعض الناس يرى أنه ينبغي أن يعطى فوق ما هو فيه، ويرى أنه مظلوم مع الرب، لا ينصفه ولا يعطيه مرتبته، وأن ينبغي أن ينال الثريا، ولكنه مظلوم مبخوس الحظ.
وهذا الضرب من الخلق من أبغض الخلق إلى الله، وأشدهم مقتاً عنده، لا يذكرون إلا ما ينبغي لهم، ولا يذكرون ما يجب عليهم لله وخلقه.
وحكمة الله عزَّ وجلَّ تقتضي أن هؤلاء لا يزالون في سفال، فهم بين عتب على الخالق، وشكوى له، وذل لخلقه، وحاجة إليهم، وخدمة لهم.
أشغل الناس قلوباً بأرباب الولايات والمناصب، ينتظرون ما يقذفون به إليهم من عظامهم وغسالة أيديهم.
وأفرغ الناس قلوباً عن معاملة الله، والانقطاع إليه، والتلذذ بمناجاته والطمأنينة بذكره، والافتقار إليه، وبث الشكوى له.
وليس لأحد حجة على الله، بل لله الحجة على الناس جميعاً فقد خلقنا وأعطانا المكان.
وأعطانا الزمان.
وأعطانا العقل.
وأعطانا السمع والبصر.
وأرسل إلينا رسله.
وأنزل علينا كتبه.
ورزقنا من الطيبات.
وهدانا للإسلام.
وما جعل علينا في الدين من حرج.
ووعدنا بعد الموت الجنة في الآخرة.
فهل فوق هذا من عطاء؟.
وهل بعد هذا من إكرام؟.
فماذا عملنا؟.
وماذا قدمنا؟.
وماذا أخرنا؟:
{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)} [إبراهيم: ٣٤].
ونعم الله سبحانه على عباده لا يحصيها أحد، والاستعانة بها على طاعته هو ما يقتضيه الشرع والعقل، فإن من أحسن إليك بشيء لا يجوز لك أن تقابله بالإساءة إليه، ومن فعل ذلك من الناس فهو في نظرهم وقح ناكر للجميل وجاحد له، فكيف إذا استعان بإحسانه على الإساءة إليه، فهو أشد وقاحةً وجحوداً للجميل.
والنعم إنما خلقها الله عزَّ وجلَّ ليستعين بها أهل الإيمان على طاعة الرحمن، وأما أهل الكفر والفجور فإنها محرمة عليهم، لأنهم يستعينون بها على معصية الله، وهم محاسبون عليها يوم القيامة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)} [الأعراف: ٣٢].
وفي كل جارحة من جوارح الإنسان نعمة.
وعلى كل جارحة شكر يخصها.
وعلى اللسان من ذلك ما على سائر الجوارح.
وشكر كل جارحة إنما هو باستعمالها بتقوى الله، بامتثال ما يخصها من الطاعات، واجتناب ما يخصها من العصيان.
فشكر البدن ألا تستعمل جوارحه في غير طاعة الله.
وشكر القلب ألا تشغله بغير ذكر الله ومعرفته.
وشكر اللسان ألا تستعمله في غير الثناء على الله ومدحه، وذكره وسؤاله، وتلاوة كتابه، والدعوة إلى دينه، وتعليم أحكام شرعه، والإصلاح بين عباده.
وشكر المال ألا تنفقه في غير رضاه ومحبته وطاعته.
وكلما كملت للعبد معرفة الله، ومعرفة آلائه ونعمه، ازداد شكر العبد وثناؤه على ربه، فقد قام النبي - صلى الله عليه وسلم - الليل حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً» متفق عليه (١).
وكل ما خلقه الله عزَّ وجلَّ فيه إحسان إلى عباده يشكر عليه، وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق أن يحمد عليها لذاته، وجميع المخلوقات فيها إحسان وإنعام على عباده، تحصل بها هدايتهم، وتدل على وحدانيته، وصدق أنبيائه.
ونعمة السراء والضراء تحتاج مع الشكر إلى الصبر، أما الضراء فظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء، والصبر في الضراء، والله منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر ابتداء لأكثر الناس، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وذنوب الإنسان من نفسه، ومع هذا فهي مع حسن العاقبة نعمة، وهي نعمة على غيره لما يحصل بها من الاعتبار: {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)} [البقرة: ٢١٦].
والله تبارك وتعالى ذو فضل على العالمين:
بين سبحانه بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر الله به.
وجميع ما نهى الله عنه.
وجميع ما أحله.
وجميع ما حرمه.
وجميع ما عفا عنه.
وجميع ما يحب.
وجميع ما يكره.
وجميع ما يرضيه.
وجميع ما يسخطه.
وبهذا كان دينه كاملاً، ونعمته تامة كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣].
وسعادة الإنسان في الدنيا مبنية على ثلاثة أركان:
الإيمان بالله.
والاتباع لرسول الله.
والعافية.
وأوامر الله عزَّ وجلَّ كلها رحمة وإحسان، وشفاء ودواء، وغذاء للقلوب، وزينة للظاهر والباطن، وحياة للقلب والبدن.
وكم في ضمنها من مسرة وفرحة، ولذة وبهجة.
فما يسميه بعض الناس تكاليف إنما هو قرة للعيون.
وبهجة للنفوس.
وحياة للقلوب.
وإحسان تام إلى النوع الإنساني.
أعظم من إحسانه إليه بالصحة والعافية، والطعام والشراب.
فنعمته سبحانه على عباده بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، وتعريفهم بأمره ونهيه، وما يحبه وما يبغضه، أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها.
بل لا نسية لرحمتهم بالشمس والقمر، والغيث والنبات، والطعام والشراب، إلى رحمتهم بالعلم والإيمان، والشرائع، ومعرفة الحلال والحرام.
ولولا ذلك لكان الناس بمنزلة البهائم يتهارجون في الطرقات، ويتسافدون تسافد الحيوانات بين الملأ، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، ولا يمتنعون من قبيح، ولا يهتدون إلى رشد.
فاللهم لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.
والأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة أو ضعفت ساد فيها الجهل والظلم، والكفر والشرك، وعمت فيها المنكرات والقبائح والفواحش.
فالإسلام غذاء للأصحاء، وشفاء للمرضى، وعافية للقلوب، وزينة للجوارح: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)} [آل عمران: ٨٥].
والفرق بين النعمة والفتنة، أن على الإنسان أن يفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى به الاستدراج إلى العقوبة والعذاب.
فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه، وستره عليه مع معاصيه.
فإذا كملت هذه الثلاثة فيه (النعمة، والثناء عليه، وقضاء حوائجه) عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه يجمعه على الله فهو نعمة حقيقة.
وما فرقه عنه، وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة، والمحنة في صورة المنحة، فليحذر فإنما هو مستدرج كما قال سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)} [الأعراف: ١٨٢].
ويميز كذلك بين المنّة والحجة، فإن العبد بين منّة من الله عليه، وحجة منّه عليه، ولا ينفك عنهما.
والحكم الديني متضمن لمنّته وحجته كما قال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)} [آل عمران: ١٦٤].
وكل علم صحبه عمل يرضي الله ورسوله فهو منّة، وإلا فهو حجة.
وكل قوة ظاهرة أو باطنة صحبها تنفيذ لأوامره فهي منّة، وإلا فهي حجة سيسأل عنها.
وكل مال، وكل حال، وكل طاقة صحبها تأثير في نصرة دين الله، والدعوة إليه فهو منّة عليه، وإلا فهو حجة سيسأل عنها.
وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منّة عليه، وإلا فهو حجة سيسأل عنه.
وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب، وذل له وانكسار، ومعرفة بعيب النفس والعمل، وبذل النصيحة للخلق، فهو منّة، وإلا فهو حجة من الله عليه، سيسأل عنه.
وكل موعظة وتذكير بالرب، اتصل به عبرة ومزيد في العقل، ومعرفة الإيمان فهي منّة، وإلا فهي حجة من الله عليه، سيسأل عنها.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٤٨٣٦) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٨١٩).
مختارات

