حكمة تعدد بعث الرسل (١)
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)} [النساء: ١٦٥].
وقال الله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)} [الأنعام: ٨٣ - ٨٧].
إن الله تبارك وتعالى خلق البشر، واصطفى منهم رسلاً مبشرين ومنذرين، وأرسلهم إلى خلقه رحمة منه؛ ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، فأدوا ما أرسلوا به، وبلغوا البلاغ المبين واحداً بعد الآخر، الأول يبشر بالآخر، والآخر يصدق بالأول.
وقد أرسلهم الله عزَّ وجلَّ رحمة بعباده، ليأمروا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، وإقرار منهج الله في الحياة وحده.
هذا موكب الإيمان.
وهؤلاء رسله الكرام.
وهذا منهجه العدل.
إنه يواجه البشرية ويوجهها في رحلتها الطويلة على هذه الأرض.
يواجهها كلما التوت بها الطريق، وكلما انحرفت عن صراط الله المستقيم، وكلما تفرقت بها السبل، تحت ضغط الشهوات التي يقودها بها الشيطان من خطامها، ليرضي حقده وينفذ وعيده، ويمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم.
ولكن رحمة الله جلَّ جلاله تدرك العباد كلما ضلوا، فإذا الموكب الكريم من رسل الله يواجه البشرية بالهدى، ويلوح لها بالنور، يبشرها بالجنة، ويحذرها من النار، ونزغات الشيطان الرجيم.
إن هذا الإنسان المزدوج الطبيعة، العجيب التركيب، ذو فطرة وعقل، وذو جسد وروح، خلقه الله قابلاً للهدى والضلال، والإيمان والكفر، يؤمن بربه، ويتعامل معه فيعرف أسماءه وصفاته، ومشيئته وقدره، وقدرته وجبروته، ورحمته وفضله.
ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكة ربه.
ويتعامل مع إبليس وقبيله.
ويتعامل مع هذا الكون المشهود.
ويتعرف على سنن الله فيه.
ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.
ويتعامل مع بعضه البعض.
يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك.
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط يجري تاريخه، وتختلف أحواله، ويتلون سلوكه، وتختلف مشاربه، فهو بحاجة إلى الهدى والرشاد، والحفظ والإيمان، والتوفيق والسداد، وقد شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى، وأمر الملائكة بالسجود له، والبارئ العظيم يعلن ميلاده، ويعلن خلافته في الأرض كما ذكر الله في كتابه.
وشهدنا ضعفه بعد ذلك، وكيف قاده منه عدوه الشيطان، وكان سبباً في خروجه من الجنة.
وشهدنا مهبطه إلى الأرض، وانطلاقه بشتى أنواع التعامل على ظهرها وقد أهبط الله آدم إلى هذه الأرض مؤمناً بربه، مستغفراً لذنبه مأخوذاً عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه، ولا يتبع الهوى ولا الشيطان بعد ما ابتلاه الله في الجنة.
ثم مضى به الزمن وتقاذفته الأمواج في الخضم، وتفاعلت تلك العوامل في كيان ذاته وفي الوجود من حوله، فإذا هو يدلف إلى الجاهلية.
إنه ينسى وقد نسي، إنه يضعف وقد ضعف، إن الشيطان يغلبه وقد غلبه، ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى.
لقد هبط إلى الأرض مؤمناً مهتدياً تائباً موحداً، ولكن ها نحن نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً فماذا حصل؟.
لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.
واجتمعت عليه الشياطين من كل جهة.
وداعبته الشهوات والمشتهيات في كل وقت.
فنسي وضل.
ولكن رحمة ربه لا تفارقه، فمن رحمة ربه ألا يتركه وحده، فيهلك بين هذه الأمواج العاتية، فأرسل إليه الرسل ترده إلى ربه الذي خلقه وصوره، وفطره على الإيمان والتوحيد.
فها هو موكب الإيمان يرفع أعلامه رسل الله الكرام من النبيين والمرسلين، ومنهم نوح وهود وصالح.
وإبراهيم ولوط وشعيب.
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.
ويونس وموسى وهارون.
وداود وسليمان وأيوب.
وزكريا ويحيى وعيسى.
ومحمد.
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا الموكب الجليل الكريم يحاول بتوجيه الله وتعليمه إنقاذ الركب البشري من الضلال والهاوية التي يقوده إليها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان.
فكم من صراع حصل بين الحق والباطل؟.
وكم من معارك وخصومات حصلت بين أهل الهوى وأهل الضلال؟.
وكم جرى بين الرسل الكرام وبين شياطين الجن والإنس من حروب وجدل وخصومات؟.
وكل ذلك من أجل سعادة الإنسان ونجاته وخلاصه في الدنيا والآخرة.
وفي الختام وبعد الإنذار والتذكير نشهد مصارع المكذبين ونجاة المؤمنين في كل مرحلة.
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة، ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشتركة، وذلك بفعل عوامل في ذات الإنسان، إلى جانب العوالم والعناصر التي يتعامل معها، والبيئة التي يعيش فيها.
وهنا يأتي من الكريم الرحمن رسول يرد الناس إلى فطرتهم التي كانوا عليها، يردوهم إلى طاعة ربهم وعبادته قائلاً لقومه: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)} [هود: ٥٠].
وهذه الحقيقة الشرعية يقوم عليها الدين كله، ويتعاقب بها الرسل على مدار التاريخ، وعليها مدار سعادة الإنسان في كل زمان ومكان.
فكل رسول يجيء يقولها لقومه الذين اجتالتهم الشياطين عنها فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى.
وعلى أساس ذلك تدور المعركة بين الحق والباطل، وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.
لقد جاءت الرسل رسولاً بعد رسول بالتوحيد الخالص، ليعرف الناس رب العالمين، ويتوجهوا له بالعبادة أجمعين.
مبينين الشعائر والشرائع التي أرسلوا بها للبشر كمنهج حياة من رب العالمين، معرفين لهم بمالهم بعد القدوم على الله يوم الدين.
وكل رسول جاء إلى قومه بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.
فبنوا آدم نشأوا موحدين لرب العالمين كما كانت عقيدة آدم وزوجه، ثم انحرفوا بفعل العوامل السابقة كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (١).
فلما جاء نوح - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى فترة طويلة، فما آمن معه إلا قليل، ثم جاء الطوفان لما دعا عليهم فأهلك الله به المكذبين، ونجا المؤمنين، وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين.
حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من قبلهم، حتى إذا جاء هود أهلك الله المكذبين لرسوله بالريح العقيم وهكذا.
ولقد أرسل الله كل رسول إلى قومه ليقول لهم: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: ٥٠].
ونصح كل رسول قومه، وحذرهم عاقبة ما هم عليه من الشرك والجهل والظلم، وفي كل مرة وقف الملأ من علية القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه، ورفضوا الاستسلام لرب العالمين، وأبوا أن تكون العبودية لله وحده، وأبوا أن تكون الحياة على منهج الله وحده.
فصدع كل رسول في وجه هؤلاء الطواغيت، فانقسم قومه إلى مؤمنين وكفار، وعندئذ يجيء الفتح، ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المستكبرين المكذبين، وينجي الطائعين المسلمين.
وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل ولا نصر قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده، وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم، وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم والبراءة منهم.
وهذا ما بينه الله في القرآن في حكاية أحوال الرسل مع أممهم.
فمصارع المكذبين للرسل تجري على سنة لا تتبدل.
نسيان لآيات الله.
وانحراف عن طريقه.
إنذار من الله للغافلين على يد رسول.
استكبار عن العبودية لله وحده.
عدم الخضوع لرب العالمين.
اغترار بالرخاء.
واستهزاء بالإنذار.
واستعجال للعذاب.
طغيان وتهديد.
وإيذاء للمؤمنين.
وثبات للمؤمنين.
ومفاصلة على العقيدة.
ثم المصرع الذي يأتي وفق سنن الله بعد التبشير والإنذار.
وطاغوت الباطل لا يطيق مجرد وجود الحق، بل يتابع الحق ويطارده، وأهل الباطل لا يطيقون رؤية الحق يعيش، ولا رؤية جماعة تدين لله وحده، وتخرج من سلطان الطواغيت كما قال قوم شعيب: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف: ٨٨،٨٩].
فالطواغيت لن يتركوا أهل الإيمان إلا أن يتركوا دينهم كلية ويعودوا إلى ملة الكفر، فلا بدَّ من الصبر، وخوض المعركة، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة، ثم تجري سنة الله بعد ذلك بالفتح: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)} [الأعراف: ٨٩].
إن موكب الإيمان الذي يسير في مقدمته رسل الله الكرام سبقه موكب إيمان الخلائق في الكون كله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)} [الأعراف: ٥٤].
إن الإيمان بهذا الإله العظيم، الذي خلق السموات والأرض، والذي استوى على العرش، والذي تجري وتتحرك المخلوقات بأمره، والذي له الخلق والأمر كله، هو الذي يدعو إليه الرسل.
إن الدينونة لهذا الإله وحده هي التي يدعو إليها الرسل كافة، هي التي يدعون إليها البشرية كافة، كلما قعد لها الشيطان على صراط الله، فأضلها عنه، وردها إلى الجاهلية.
والله في القرآن الكريم يكثر من الربط بين عبودية هذا الكون لله ودعوة البشر إلى الاتساق مع الكون المطيع لربه، والذي يعيشون فيه، والإسلام لله الذي أسلم له الكون كله، والذي يتحرك مسخراً بأمره.
وفي ذلك ما يهز القلب البشري هزاً، ويستحثه من داخله على أن ينخرط في سلك الخلائق الطائعة لربها، ولا يكون هو وحده نشازاً في نظام الوجود كله.
إن رسل الله عزَّ وجلَّ لا يدعون البشرية لأمر شاذ، أو مستحيل، أو ضار، إنما يدعونهم إلى التوحيد الذي يقوم عليه الوجود كله، والمركوز في فطرة البشر.
إسلام الوجه لله.
والإيمان به.
وعبادته وطاعته.
وتنفيذ أوامره.
مع الخلائق الأخرى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)} [الحج: ١٨].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٨٦٥)
مختارات

