حكمة تعدد بعث الرسل (٣)
وتوالى إرسال الرسل إلى البشرية، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وحده، وإقامة الحياة على منهج الله وحده.
وأنشأ الله بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قروناً آخرين، كل أمة في وقت مسمى، وأجل محدود، وأرسل إليهم رسلاً متتابعة لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه وآذوه، مع أن كل رسول أوتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فأهلك الله هؤلاء، ولم يبق منهم باقية وصاروا أحاديث يتحدث بأحوالهم من بعدهم، فكان ما أصابهم عبرة للمتقين، ونكالاً للمكذبين كما قال سبحانه:
{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)} [المؤمنون: ٤٢ - ٤٤].
ولقد جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ولكنهم لم يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئاً، فلم يؤمنوا، فلما كذبوا رسلهم عاقبهم الله لردهم الحق: {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)} [الأعراف: ١٠١].
وقد أخبر الله أن تلك الأمم التي أرسل الله إليها رسله أكثرهم لم يلتزم بوصية الله، ولم ينقَدْ لأوامر الله التي أرسل بها رسوله، بل اتبعوا أهواءهم، وأعرض أكثرهم عن هدي الله، ولم يستقم على دينه إلا القليل، ممن سبقت لهم من الله السعادة.
وأما أكثر الخلق فأعرضوا عن الهدى، واستكبروا عما جاءت به الرسل، فأحل الله بهم من العقوبات المتنوعة ما حل كما قال سبحانه: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)} [الأعراف: ١٠٢].
وبعد بعثة موسى - صلى الله عليه وسلم - ونزول التوراة رفع الله عذاب الاستئصال عن الأمم المكذبة، وشرع الله لرسله والمؤمنين بهم جهاد المكذبين المعاندين، ووعدهم النصر على أعدائهم بالإيمان والتقوى، والتوكل على الله، وإعداد ما يستطيعون من قوة، وقد فعل سبحانه فنصر أولياءه، وخذل أعداءه.
فقد ذكر الله الأمم المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس كما قال سبحانه: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)} [الأعراف: ١٠٣].
وقال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)} [المؤمنون: ٤٩].
فبعد نزول التوراة على موسى - صلى الله عليه وسلم - بعد إهلاك فرعون انقطع الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)} [القصص: ٤٣].
وموسى - صلى الله عليه وسلم - دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وقد أرسله الله إلى فرعون، وإلى قومه بني إسرائيل، فآمن من قومه مَنْ آمن، وكفر من كفر، ولم يؤمن به إلا قليل على خوف من فرعون وملئه أن يفتنهم كما قال سبحانه: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)} [يونس: ٨٣].
وأما فرعون فأبى واستكبر وآذى موسى ومن آمن معه: فأهلكه الله بأن أغرقه وجنوده في البحر كما قال سبحانه: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)} [الذاريات: ٣٨ - ٤٠].
ثم أضل الشيطان من آمن بموسى، وفرقهم فاختلفوا، فلما أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن تبدلت حياتهم من السعادة إلى الشقاوة كما قال سبحانه: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)} [النحل: ٦٣].
وافترقت بنو إسرائيل من بعد موسى إلى طوائف:
فمنهم المتشددون في العبادة، ينكرون البدع، ويترخصون في حياتهم الشخصية، ويستمتعون بملاذ الحياة، ولا يعترفون بأن هناك قيامة.
وطائفة أخرى فيهم الزهد والتصوف، ينكرون على من قبلهم التشدد في العبادة، وجحدهم البعث والحساب، وفيهم غرور واعتزاز بالعلم والمعرفة.
وطائفة ثالثة وهم السامريون، يدينون بالكتب الخمسة في العهد القديم المعروفة، بالكتب الموسوية، وينفون ما سواها.
وطائفة رابعة يعيشون في عزلة عن بقية طوائف اليهود، ويأخذون أنفسهم بالشدة والتقشف، كما يأخذون جماعتهم بالشدة والتنظيم.
وغير ذلك من الطوائف التي يجمعها البلبلة في الاعتقاد، والاختلاف في الأعمال، والتبديل والتحريف.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)} [البقرة: ٨٧].
وقد حذر الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من هذا الاختلاف وتلك الفرقة التي حصلت في أهل الكتاب بقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)} [آل عمران: ١٠٤،١٠٥].
ولهذا الاختلاف والفرقة، وضلال بني إسرائيل، وإعراضهم عن الدين الحق، أرسل الله لهم عيسى - صلى الله عليه وسلم - ليردهم إلى الدين الحق، وإلى التوحيد الذي تركوه بعد موسى كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)} [الصف: ٦].
فلما جاء عيسى لبني إسرائيل بالبينات الدالة على صدق نبوته وصحة ما جاءهم به: من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى ونحو ذلك من الآيات، قال لهم: قد جئتكم بالنبوة والعلم، ولأبين لكم صواب وجواب ما اختلفتم فيه من شريعة موسى - صلى الله عليه وسلم -، فجاء عليه الصلاة والسلام متمماً ومكملاً لشريعة موسى - صلى الله عليه وسلم -، ولأحكام التوراة، ومجدداً لما ترك منها.
وجاء بعض التسهيلات الموجبة للانقياد له وقبول ما جاءهم به، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وطاعته وامتثال أمره، واجتناب نهيه والإيمان برسالته وطاعته
كما قال سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)} [الزخرف: ٦٣،٦٤].
فلما جاءهم عيسى بهذا اختلف الأحزاب من بينهم، كل قال بعيسى - صلى الله عليه وسلم - مقالة باطلة، ورد ما جاء به إلا من هدى الله من المؤمنين الذين آمنوا بالله وشهدوا له بالرسالة، وصدقوا ما جاء به كما قال سبحانه: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)} [الزخرف: ٦٥].
لقد أرسل الله عيسى - صلى الله عليه وسلم - إلى بني إسرائيل ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وقد اختلفوا في كثير من شريعة موسى، وانقسموا فرقاً وأحزاباً، ونقضوا العهد.
فدعاهم عيسى إلى تقوى الله وعبادته وطاعته فيما جاءهم به من عند الله، وجهر بكلمة التوحيد خالصة، وقال لهم: إن هذا صراط مستقيم، وجاء معه بشريعة التسامح والتهذيب الروحي، والعناية بالقلب البشري.
وكانوا ينتظرونه ليخلصهم مما كانوا فيه من الذل تحت حكم الرومان، وقد طال انتظارهم له، فلما جاءهم أنكروه وشاقوه، وهموا أن يصلبوه، وافتخروا بقتله كذباً وبهتاناً كما حكى الله عنهم: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)} [النساء: ١٥٦ - ١٥٨].
أما المؤمنون من أهل الكتاب بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر فلهم كغيرهم من المؤمنين أجر عظيم: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)} [النساء: ١٦٢].
وطارد اليهود أتباع عيسى - صلى الله عليه وسلم - وآذوهم، ثم ذهب عيسى - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه، حيث رفعه الله إليه، واختلف أتباعه من بعده شيعاً وأحزاباً:
بعضها يؤلهه.
وبعضها يقول هو ابن الله.
وبعضهم يقول: إن الله ثالث ثلاثة: أحدهم المسيح بن مريم، وضلوا عن الهدى، وفعلوا ما استحقوا به الكفر والضلال وغضب الله وسخطه.
وضاعت كلمة التوحيد الخالصة التي جاء بها عيسى - صلى الله عليه وسلم -، وضاعت دعوة الناس إلى الإيمان بربهم وعبادته مخلصين له الدين: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)} [الزخرف: ٦٥].
وهكذا انحرفت عقيدة النصارى، وصار أكثرهم كفاراً مشركين بالله كما قال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)} [المائدة: ٧٢].
وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)} [المائدة:٧٣، ٧٤].
ثم بين الله قول الحق في المسيح بقوله: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)} [المائدة: ٧٥،٧٦].
وضل الناس عن الهدى والإيمان والتوحيد الذي جاء به الأنبياء بسبب الاختلاف والفرقة، والتحريف والتبديل، والكفر والشرك من أهل الكتاب، الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ونقضوا العهد والميثاق، فلما فعلوا ذلك أنكر الله عليهم فقال: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)} [آل عمران: ٩٨].
وقال سبحانه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)} [آل عمران: ٩٩].
ولا بدَّ للمسلم من الإنفاق فيما يرضي الرب تبارك وتعالى؛ تطهيراً للقلب من الشح، واستعلاء على حب المال، وثقة بما عند الله، وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان، فإن الدين بذل وترك من أجل مصلحة الدين، وأمر ونهي، وحب وبغض في الله.
والدعوة كفاح، فلا بدَّ من التكافل في هذا الكفاح وجرائره، ولهذا كان من صفاتهم: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)} [البقرة: ٣].
وكان التكافل بين تلك الصفوة المختارة كاملاً، بحيث لا يبقى لأحد مال متميز كما حدث في أول العهد المدني بهجرة المهاجرين من مكة، ونزولهم على إخوانهم الأنصار في المدينة، فأكرموهم وأضافوهم ابتغاء وجه الله، فلما هدأت حال الأمة، وضعت الأسس الدائمة للإنفاق في الزكاة، فالإنفاق في عمومه سمة من سمات الجماعة المؤمنة المختارة للقيادة بهذه الصفات العالية.
ومن صفاتهم الكريمة: صفة الانتصار من البغي، وعدم الخضوع للظلم، وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس، لتكون خير أمة تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتغشى أوساط الناس، وممالك الدول، وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)} [الشورى: ٣٩].
فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي، وأن تدفع العدوان الجائر الذي يهلك الحرث والنسل رحمة بالعباد.
وأَمْرُ المؤمنين بكف أيديهم عمن يؤذيهم من الكفار في مكة أَمْرٌ عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصيلة، وله أسبابه الخاصة، إلى جانب ما فيه من تربية المسلمين على الصبر.
ولقد كانت هناك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي منها:
أن إيذاء المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم لم يصدر عن هيئة مسيطرة، إنما هو تعذيب فردي، فالذين يؤذون من أسلم هم غالباً خاصة أهله، ولم يكن أحد يجرؤ على إيذائه، ولم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحب أن تقع معركة في كل بيت بين الفرد المسلم من هذا البيت والذين لم يسلموا بعد، والمسالمة كانت أقرب إلى إلانة القلوب من المخاشنة.
ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة نخوة ونجدة تثور لصاحب الحق الذي يقع عليه الأذى والظلم، وصبر المسلمين على الأذى كان أقرب إلى استثارة هذه النخوة في صف الإسلام والمسلمين، وهذا ما حصل في حادث الشعب، وحصر بني هاشم فيه، فقد صارت النخوة ضد هذا الحصار، ومزقت العهد الذي حوته الصحيفة من الظلم والجور.
ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة حرب ومسارعة إلى السيف، وأعصاب متوفزة لا تنفع لنظام.
والتوازن في الشخصية الإسلامية كان يقتضي كبح جماح هذا التوفز الدائم، وإخضاعها لهدف وتعويدها الصبر وضبط الأعصاب، مع إشعار النفوس باستعلاء العقيدة على كل نزوة، وعلى كل مغنم، فلهذه الاعتبارات وأمثالها اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة، مع تقرير الطابع الأساسي من أول يوم بالانتصار ممن بغى واعتدى.
ويؤكد هذه القاعدة: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)} [الشورى: ٤٠].
مقابلة السيئة بالسيئة كي لا يتبجح الشر ويطغى حين لا يجد رادعاً يكفه عن الإفساد في الأرض، فيمضي وهو آمن مطمئن.
هذا هو الأصل مع استحباب العفو ابتغاء وجه الله، وإصلاح النفس من الغيظ، وهو استثناء من تلك القاعدة.
والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة، فهناك يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء.
فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة، ولم يجيء ضعفاً يخجل ويستحي،
والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو، فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا، ولا كذلك عند الضعف والعجز.
أما العفو عند العجز فهو شر يُطمع المعتدي، ويذل المعتدى عليه، وينشر البغي والفساد في الأرض.
والذي ينتصر بعد ظلمه، ويجزي بالسيئة السيئة، ولا يعتدي، ليس عليه من جناح، وهو يزاول حقه المشروع، فما لأحد عليه من سلطان، ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد.
إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذي يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)} [الشورى: ٤١،٤٢].
إن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس؛ ليكفوه ويمنعوه من ظلمه، وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه.
والله عزَّ وجلَّ يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم، ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له، ويأخذوا عليه الطريق.
أما حين يكون الصبر والسماحة مع المقدرة استعلاءً لا استخذاءً، وتجملاً لا ذلاً فهو محمود: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)} [الشورى: ٤٣].
هذه أهم صفات المؤمنين التي ترسم طابعاً مميزاً للجماعة التي تقود البشرية بعد نبيها، وترجو ما عند الله وهو خير وأبقى {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)} [الشورى: ٣٦].
ألا ما أعظم فضل الله على عباده، أية رعاية؟، وأية رحمة؟ وأية مكرمة؟، وأية عناية بهذا الإنسان من الرب الكريم؟.
إن الله تبارك وتعالى العلي الكبير، الغني الحميد، يتلطف فيعنى بهذه الخليقة الضئيلة المسماة بالإنسان، فيوحي إليها الوحي، ويرسل إليها الرسل لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، ورد شاردها، وهي وغيرها أهون على الله من البعوضة على الإنسان حين تقاس إلى ملكه العريض الواسع الذي لا يحيط به سواه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢].
فهذا الكتاب العزيز، الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - نور خالص تخالط بشاشته القلوب التي يشاء الله لها أن تهتدي به بما يعلمه من حقيقتها، ومن مخالطة هذا النور لها.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - واسطة لتحقيق مشيئة الله بما يعلمه بما في قلوب عباده، فهو يهدي إلى الصراط المستقيم الذي تلتقي عنده المسالك؛ لأنه الطريق إلى المالك الذي له ما في السموات وما في الأرض، والذي تصير الخلائق كلها إليه وتلتقي عنده، وهو يقضي فيها بأمره.
وهذا النور يهدي إلى طريقه الذي اختار للعباد أن يسيروا فيه.
ليصيروا إليه في النهاية مهتدين طائعين.
وقد وكل الله للقيادة الجديدة للبشرية ممثلة في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة أمانة قيادة البشرية إلى الصراط المستقيم كما قال سبحانه:
{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)} [الشورى: ٥٢،٥٣].
ألا ما أعظم هذه الأمانة.
وما أشد تبعاتها.
وما أعظم أجر من أداها.
وما أسعد البشرية التي تقبلها.
مختارات

