فقه العلم والعمل (١)
قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)} [النحل: ٩٧].
الناس في العلم والعمل أربعة أصناف:
الأول: من رزقه الله علماً وعملاً، وهؤلاء خلاصة الخلق، وأئمة هذا الصنف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم في ذلك درجات، فأفضلهم أولو العزم، ثم يلي الأنبياء أتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين، وهم في ذلك درجات متفاوتة.
الثاني: من حرم العلم والعمل، وهذا الصنف شر البرية، وهم الصم البكم العمي الذين لا يعقلون، وهؤلاء ناس في الصورة، وشياطين في الحقيقة، وجلهم أمثال البهائم والحمير والسباع.
الثالث: من فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب العمل.
فهذا في رتبة الجاهل أو شر منه، وما زاده العلم إلا وبالاً وعذاباً، ولا مطمع في صلاحه وهدايته.
فمن عرف الطريق وحاد عنها متعمداً فمتى ترجى هدايته؟: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)} [آل عمران: ٨٦].
الرابع: من رزقه الله حظاً من الإرادة والعزيمة والعمل، ولكن قل نصيبه من العلم.
فهذا إذا وفق له الاقتداء بعالم أو داع من دعاة الله ورسوله ازداد عمله، وحسن عمله.
والإنسان لا يرغب في طلب العلم، ولا يقبل عليه إلا بإرادة جازمة، ولا تأتي الإرادة إلا بمحرك لها وهو الإيمان، ومعرفة فضل العلم وثواب العلماء، ومعرفة درجاتهم عند الله.
ومما يرغب العبد لطلب العلم الشرعي، ويحرك نفسه لتعلمه وتعليمه أن يقول لنفسه:
إن الله أمرني بالعبادات والطاعات والفرائض، ولا أقدر على أدائها إلا بالعلم.
ونهاني الله عن المعاصي والآثام، ولا أقدر على اجتنابها إلا بعد معرفة قبحها وسوء عاقبتها، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
ويقول: إن الله عزَّ وجلَّ أوجب علي شكر نعمه الظاهرة والباطنة ولا أقدر على معرفتها، وطاعة الله فيها إلا بالعلم.
وأمرني الله عزَّ وجلَّ بإنصاف الخلق، ولا أقدر على إنصافهم إلا بعد معرفة حقوقهم، وما يجب لهم، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
وأمرني سبحانه بالصبر على بلائه، ولا أقدر عليه إلا بعد معرفة ثوابه وحسن عاقبته، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
وأمرني سبحانه بعداوة الشيطان، ولا أقدر عليها إلا بعد معرفة كيده وخطواته، ولا يتم ذلك إلا بالعلم.
وكمال العمل الصالح وقبوله مبني على ستة أمور:
الأول: إخلاص العمل لله.
الثاني: أن يكون على طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الثالث: الاحتساب، بأن يعرف قيمة العمل الذي يؤديه لله.
الرابع: اليقين على ذات الله الذي يملك كل شيء.
الخامس: أن يؤديه بالمجاهدة، بترك ما يحب من أجله.
السادس: أن يؤديه بصفة الإحسان، فيؤديه بأحسن هيئة، ويقوم به أمام ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن ربه يراه.
والعمل شرط لصحة الإيمان، والأعمال منها ما هو شرط صحةٍ كالصلاة، ومنها ما هو شرط كمالٍ كبر الوالدين.
والسائر إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين:
قو ة علمية.
وقوة إرادية.
فبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق، ومواضع السلوك، ويجتنب أسباب الهلاك، ومواضع العطب.
وبالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية، فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى الله إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر المعاثر والوهاد، فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر.
وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافراً في الطريق، قاطعاً منازلها منزلة بعد منزلة، وكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى.
فإذا استشعر قرب المنزل، هانت عليه مشقة السفر.
وكلما سكنت نفسه من كلال السير وعدها قرب التلاقي، وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطاً وفرحاً وهمة، فتواصل السير إلى منازل الأحبة، فتصل حميدة مسرورة، يتلقاها الأحبة بأنواع التحف والهدايا والكرامات، وليس بينها وبين ذلك إلا صبر ساعة.
والناس من حيث القوة العلمية والعملية قسمان:
الأول: من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أغلب القوتين عليه.
ويكون ضعيفاً في القوة العملية، يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المخاوف والمتالف ولا يتوقاها.
فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم، وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المشتغلة بالعلم، إذ قد يكون لها مقاصد غير وجه الله تحرمها ثمرة العلم، وهو العمل بموجبه، والمعصوم من عصمه الله.
الثاني: من تكون له القوة العملية الإرادية، وتكون أغلب القوتين عليه، وتقتضي هذه القوة السير والسلوك، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والجد والتشمير في العمل.
ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقيدة، والانحرافات في الأقوال والأعمال، كما كان الأول ضعيف العقل والإرادة عند ورود الشهوات.
فداء هذا من جهله.
وداء الأول من فساد إرادته، وضعف عقله.
وهذا حال أكثر أرباب الفقر والسالكين على غير طريق العلم.
فهؤلاء كلهم عمي عن ربهم وعن شريعته ودينه، لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه.
ومن كملت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله عزَّ وجلَّ، ورجي له النفوذ، وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته.
ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاء الله لأزالها وذهب بها، ولكن لله في خلقه شئون، وحكم وأسرار يجهلها أكثر العباد، والله حكيم عليم.
مختارات

