قيمة العلم والعلماء (٢)
والجهاد نوعان:
جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير.
وجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة من العلماء، وهو أفضل الجهادين؛ لعظم منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه من الكفار والمنافقين كما قال سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥١، ٥٢].
والجزاء من جنس العمل، فمن سلك طريقاً يطلب فيه حياة قلبه، ونجاته من الهلاك، سلك الله به طريقاً إلى الجنة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «.
مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ» أخرجه مسلم (١).
وقد نفى سبحانه التسوية بين أهل العلم وغيرهم فقال سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
وثواب العلم لا ينقطع، وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعظيم ثمرته، فإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به، فكأنه حي لم ينقطع عمله.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه» أخرجه مسلم (٢).
وقد حصر الله خشيته في العلماء، وكفى بخشية الله علماً، فأهل العلم الإلهي هم أهل خشيته سبحانه كما قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)} [فاطر: ٢٨].
ولأهمية العلم وشرفه أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يطلب المزيد منه فقال سبحانه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)} [طه: ١١٤].
ولا ينبغي لأحد أن يحسد أحداً حسد غبطة ويتمنى مثل حاله من غير أن يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في اثنتين: وهي الإحسان إلى الناس بعلمه أو بماله، وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمني مثل حاله، لقلة منفعة الناس به.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه (٣).
وقيمة الشيء ترتفع بقدر ما فيه من المنافع، وبقدر ما فيه من الصفات، وكذلك قيمة المسلم عند الله ترتفع بقدر ما فيه من المنافع والصفات الإيمانية كما قال سبحانه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)} [المجادلة: ١١].
وكمال المسلم بإصلاح نفسه، وإصلاح غيره.
فالداعية: كالنهر يجري في كل مكان، ويكون سبباً لنبات الزروع والأشجار، وكالشمس تجري ويدخل ضوؤها في كل مكان.
والعالم: كالمصباح يستفيد منه كل من اقترب منه، وكالبئر يؤمه الناس ليرتووا منه، وفي كل خير.
وإذا كان الداعي يجتهد على الكفار والشاردين خارج المسجد، والعالم يعلم الناس أحكام الدين داخل المسجد، امتلأت الدنيا نوراً، وازدانت بأهل الإيمان والعلم والتقوى، وفتحت عليها بركات السماء والأرض: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)} [الأعراف: ٩٦].
وبقدر توجه السامع الله يلهم المتكلم، فإن أعرض الناس عنه بقلوبهم التبس عليه الأمر، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قرأ خلفه أحد الصحابة في الصلاة: «مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ» أخرجه أبو داود والترمذي (٤).
والعلماء قسمان:
١ - أهل الإيمان والتقوى وهم العلماء بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، فهؤلاء في أعلى الدرجات، وهم ورثة الأنبياء.
٢ - علماء السوء، وهؤلاء كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب، وتبقى فيه النخالة، وتخرج من أفواههم الحكمة، ويبقى الغل في صدورهم، العلم يخرج من أفواههم، وأجوافهم منه مقفرة.
فهؤلاء يأكلون الدنيا بالدين، ويقولون على الله غير الحق، فهم أول من تسعر بهم النار؛ لأنهم ضلوا وأضلوا غيرهم.
وطلب العلم الشرعي وتعليمه فرض عين على كل من أعطاه الله فهماً وحفظاً، ولا يقال للعالم رباني حتى يكون عالماً معلماً عاملاً.
فالعالم الرباني سبب لبقاء أعمال الدين وأدائها على الوجه الصحيح، كما أن الداعي سبب لبقاء الدين ذاته وكثرة الداخلين فيه.
وكما وكل الله الشمس بالإنارة في العالم كله كذلك وكل الله المسلمين بنشر الهداية في العالم كله.
فالدعاة إلى الله يدعون البشرية إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعلماء يعلمون الناس كيف يعبدون الله وحده لا شريك له.
فما أحوج البشرية إلى هؤلاء وهؤلاء.
وما أعظم أثرهم على البلاد والعباد.
وما أعظم أجورهم وأكثر حسناتهم.
فالدعاة والعلماء ورثة الأنبياء، ويجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً» أخرجه مسلم (٥).
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٦٩٩).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٦٣١).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٠٢٦)، ومسلم برقم (٨١٦) واللفظ له.
(٤) صحيح: أخرجه أبو داود برقم (٨٢٦) وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود (٧٣٦) وأخرجه الترمذي برقم (٣١٢)، صحيح سنن الترمذي رقم (٢٥٧).
(٥) أخرجه مسلم برقم (٢٦٧٤).
مختارات

