فقه العلم والعمل (٢)
فلكل إنسان قوتان:
قوة علمية نظرية.
وقو ة عملية إرادية.
وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية والعملية.
واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة فاطره وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الطريق التي توصل إليه، ومعرفة آفاتها، ومعرفة نفسه، ومعرفة عيوبها.
فبهذه المعارف الخمس يحصل كمال قوته العلمية، وأعلم الناس أعرفهم بها وأفقههم بها.
واستكمال القوة العملية الإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد، والقيام بها إخلاصاً وصدقاً، ونصحاً وإحساناً، وشهوداً لمنة الله عليه، وتقصيره في أداء حقه سبحانه.
فهو مستح من مواجهته بتلك الخدمة لعلمه أنها دون ما يستحقه، وحقه أعظم وأكبر من ذلك بكثير، وأنه لا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته، فهو مضطر دائماً إلى أن يهديه الصراط المستقيم، وأن يجنبه الخروج عنه، إما بفساد في قوته العلمية فيقع في الضلال، وإما بفساد في قوته العملية فيوجب له الغضب من ربه.
والله عزَّ وجلَّ يحب أن تعرف سبيل المؤمنين مفصلة لتحب وتسلك، كما يحب أن تعرف سبيل المجرمين لتبغض وتجتنب.
وقد بين الله في القرآن سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء وهؤلاء، وأعمال هؤلاء وهؤلاء، وتوفيقه لهؤلاء، وخذلانه لهؤلاء، وبين ذلك غاية البيان وأتمه: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)} [الأنعام: ٥٥].
والناس في معرفة ذلك أربع فرق:
١ - العالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة مفصلة، وعرفوا سبيل المجرمين مفصلة، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى النجاة، والطريق الموصل إلى الهلكة.
فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة.
وفي مقدمة هؤلاء الصحابة الذين نشأوا في سبل الضلال والشرك، والسبل الموصلة إلى الهلاك، وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى، فخرجوا من الظلام إلى النور التام، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الظلم إلى العدل.
٢ - الثانية: من عميت عنه السبيلان من أشباه الأنعام، وهم بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك.
٣ - الثالثة: من صرف عنايته إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها، فهو لا يعرف ضدها إلا من حيث الجملة.
٤ - الرابعة: من عرف سبيل الكفر والشر والبدع مفصلة، وعرف سبيل المؤمنين مجملة.
وأعمال الإنسان قسمان:
الأول: أعمال القلوب كالإيمان بالله وتوحيده، ومحبته وخشيته، والتوكل عليه، وتعظيمه، والخضوع له، والإنابة إليه، واليقين على ذاته وأسمائه وصفاته.
الثاني: أعمال الجوارح كالذكر والدعاء، والصلاة والصوم، والحج ونحو ذلك.
وهذه الأعمال تتفاوت وتزيد وتنقص، والناس فيها درجات في الهيئة والقدرة، والقلة والكثرة، والرغبة والرهبة، والحسن والكمال.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
والعلم: هو نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في الداخل.
والعمل: هو نقل صورة المعلوم من النفس وإثباتها في الخارج.
والله بكل شيء عليم، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
والإنسان ظلوم جهول، ولا يعلم إلا ما علمه الله، فهو سبحانه الذي: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)} [العلق: ٥].
والإنسان مهما علم فعلمه لا يساوي ذرة بالنسبة لما لا يعلمه، بل نسبة علوم البشرية كلها إلى علم الله أصغر من الذرة بالنسبة للجبل، وأقل من القطرة بالنسبة إلى البحر، فإن علم الله مطلق، وعلم البشر مهما كان فهو محدود.
ألا ما أجهل الإنسان.
وما أقل علمه.
وما أكثر غروره وطغيانه.
وماذا حصلالبشر من العلم؟.
وماذا أدركوا منه؟.
إنك لو سألت أكبر العلماء منهم:
كم شعرة في رأسك؟.
وكم نفساً تنفسته؟.
وكم كلمة قلتها؟.
وكم خطوة مشيتها؟.
وكم لقمة أكلتها؟.
وكم كلمة سمعتها؟.
لم يستطع معرفة ذلك، لكن الله علام الغيوب يعلم ذلك كله.
ولو سألته:
كم عدد قطر الأمطار؟.
وكم عدد ورق الأشجار؟.
وكم مثاقيل الجبال؟.
وكم عدد الطيور والحيوانات؟.
وكم عدد الذرات والنباتات؟.
فإنه لا يعلم، لكن الله عزَّ وجلَّ أحاط بكل شيء علماً.
ولو سألته:
كم في السموات من الملائكة؟.
وكم في الجنة من القصور والأنهار والثمار وألوان النعيم؟.
وكم عدد النجوم والكواكب؟.
وكم عدد الأرواح؟.
وكم مقادير الأرزاق؟.
فإنه لا يعلم، لكن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، وهو بكل شيء عليم، وكل ما علمه الإنسان فهو مما علمه ربه.
ومتى يخاف الإنسان من ربه؟.
ومتى يجلّه ويكبره ويعظمه؟.
إذا عرف عظمته وعلم قدرته، وعلم سعة رحمته وعلمه، وغزارة نعمه.
ومتى يستحي الإنسان من أخيه؟.
عندما يعلم أنه يعرف أحواله السيئة، فكيف لا يستحي العبد من ربه، وهو يعلم سره وعلانيته.
وتقواه وفجوره.
والله تبارك وتعالى له الخلق والأمر وحده.
فله أوامر على الإنسان في جميع أحواله، وإذا امتثل الإنسان هذه الأوامر سعد في الدنيا والآخرة، وهذه الأوامر هي الدين.
وقد أمر الله عزَّ وجلَّ كل مسلم ومسلمة بعد الإقرار بالشهادتين بأربعة أشياء:
الأول: الصلاة، وفيها يتصل المخلوق بخالقه فيستفيد من خزائنه.
الثاني: الزكاة، وفيها مواساة المخلوق القادر للمخلوق العاجز.
الثالث: الصيام، وبه يتعود الصبر على الأوامر، والصبر عن الشهوات، فإذا انتصر على النفس أمكنه الانتصار على الغير من أعدائه.
الرابع: الحج، وفيه الخروج في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، وتذكير الإنسان بأنه غريب مسافر إلى دار أخرى.
وجميع أعمال الدين كملت في عهده - صلى الله عليه وسلم -، وخرجت من مسجده - صلى الله عليه وسلم -، وانتشرت في جميع أنحاء العالم.
فكان مسجده - صلى الله عليه وسلم - مدرسة فتحت أبوابها في جميع الأوقات لتعلم الدين.
والعمل به.
والدعوة إليه.
يتعلم فيها مختلف الأجناس من عرب وعجم.
ومختلف الألوان من بيض وسود.
ومختلف الطبقات من أغنياء وفقراء.
ومختلف الأسنان من شيوخ وشبان.
ومختلف الناس من سادة وعبيد.
وغيرهم.
فكانت حلقة العلم والتعلم في مسجده - صلى الله عليه وسلم - روضة من رياض الجنة.
مباركة نافعة.
تلقن العلم والعمل.
وتزكي الروح والبدن.
وتعنى بالتربية قبل التعليم.
وبتهذيب النفوس قبل حشو الرؤوس.
فكان هؤلاء الذين تخرجوا منها تاج خير أمة أخرجت للناس، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فرضي الله عنهم، ورضوا عنه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
ومن هؤلاء، وبهؤلاء ظهر نور العلم.
وظهر نور العمل.
وكان كمال الإخلاص والمتابعة.
(١) أخرجه مسلم برقم (٣٥).
مختارات

