خطر الشرك (٦)
وأهل الكتاب بعدما حرفوا كتابهم، وبدلوا شرائعه، هم كفار مشركون كما قال الله عنهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)} [التوبة: ٣١].
والأحبار: جمع حبر، وهو العالم من أهل الكتاب، وكثر إطلاقه على علماء اليهود.
والرهبان: جمع راهب، وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة، وهو عادة لا يتزوج، ولا يزاول الكسب.
واليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم، أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم، ومع هذا فقد حكم الله عليهم بالشرك والكفر، لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها.
وهذا وحده يكفي لاعتبار من يفعله مشركاً بالله.
والآية الكريمة تسوي في الوصف بالشرك بين اليهود الذين قبلوا التشريع من أحبارهم وأطاعوهم واتبعوهم، وبين النصارى الذين قالوا بألوهية المسيح اعتقاداً، وقدموا إليه الشعائر في العبادة.
فهذه كتلك في اعتبار فاعلها مشركاً بالله، الشرك الذي يخرجه من الإيمان إلى الكفر، ومن التوحيد إلى الشرك.
فالشرك بالله يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير الله من عباده، ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته، ولا تقديم الشعائر التعبدية له.
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالََ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ» وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:٣١] قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» أخرجه الترمذي (١).
إن دين الحق الذي لا يقبل الله ديناً غيره هو الإسلام، والإسلام لا يقوم إلا باتباع الله وحده في الشريعة، بعد الاعتقاد بألوهيته وحده، وتقديم الشعائر التعبدية له وحده لا شريك له.
فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة الله، صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى.
من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله.
لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكار منهم، يثبت منه أنهم لا يتبعونهم إلا عن إكراه واقع بهم، لا طاقة لهم بدفعه.
فالدين يتجلى في ثلاثة أمور:
إيمان في القلب.
وأداء الشعائر التعبدية لله.
وتنفيذ الشرائع التي أنزلها الله لعباده.
والذين يعتقدون بألوهية الله سبحانه، ويقدمون له وحده الشعائر، ويتلقون الشرائع من غيره، هم مشركون بنص القرآن.
وهذا أخطر شيء على الدين، وهو من أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه،الذين يخدعون بعض الناس على أنهم بهذا مسلمون.
والله سبحانه يقرر في أمثالهم أنهم مشركون، لا يدينون دين الحق، وأنهم يتخذون أرباباً من دون الله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)} [التوبة: ٣١].
وهؤلاء الأرباب يحلون لهم الحرام، ويحرمون عليهم الحلال، فيتبعونهم ويطيعونهم، فتلك عبادتهم إياهم.
والله تبارك وتعالى أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل المشركين عما يعبدونه من الشركاء، وماذا يملكون من الأمر الذي به يستحقون العبادة؟.
فقال له: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)} [يونس: ٣٥].
والمشركون مقرون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق، ولكنهم غير مسلمين بإعادته ولا بالبعث والنشور كما قال سبحانه: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)} [التغابن: ٧].
ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق، ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض، ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم، ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم.
إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم، وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة الخالق وتدبيره، وعدله ورحمته.
وإذا كان هؤلاء الكفار يؤمنون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق، فما لهم لا يؤمنون بأنه كذلك قادر على أن يعيده، وهذه الإعادة قريبة الشبه بإخراج الحي من الميت الذي يؤمنون به.
ثم يسألهم مرة أخرى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)} [يونس: ٣٥].
هل من شركائكم الذين أشركتموهم مع الله من ينزل كتاباً، ويرسل رسولاً؟
وهل فيهم من يضع نظاماً، ويشرع شريعة، وينذر ويوجه إلى الخير، ويكشف عن آيات الله في الكون والنفس، ويوقظ القلوب الغافلة، ويحرك المدارك المعطلة، كما هو معهود لكم من الله، ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله، وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق؟.
ولوضوح الحجة قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله يهدي للحق، ومن هنا تنشأ قضية جوابها مقرر: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)} [يونس: ٣٥].
فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالإتباع ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره، وهذا ينطبق على كل معبود من دون الله سواء كان حجراً أو شجراً أو كوكباً، أو كانوا من البشر بما في ذلك عيسى بن مريم عليه السلام، فهو ببشريته محتاج إلى هداية الله له، وإن كان هو قد بُعث هادياً للناس، فغيره من باب أولى.
فما أعجب حال أكثر البشر، كيف يحيدون عن الحق الواضح المبين، ويتعلقون بأوهام وظنون لا تغني من الحق شيئاً: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)} [يونس: ٣٦].
وعجيب أمر هؤلاء الكفار إنهم يقرون أن الله خالق السموات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، ولكنهم مع هذا يعبدون الأصنام أو الجن أو الملائكة، ويجعلونهم شركاء لله في العبادة، وإن لم يجعلوهم شركاء في الخلق، وهو تناقض عجيب.
فأنى يؤفكون عن الحق إلى هذا التخليط العجيب؟
وعجيبة أخرى تقع منهم، وفيها التناقض والاضطراب: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)} [العنكبوت: ٦٥].
فهم مضطربون متقلبون؟
إذا خافوا وحدوا الله في مشاعرهم وألسنتهم سواء.
وإذا أمنوا أشركوا مع الله غيره، وانحرفوا من التوحيد إلى الشرك.
وهذا الانحراف ينتهي بهم إلى الكفر بما آتاهم الله من النعمة، وما آتاهم من الفطرة، وما آتاهم من البينة، وأن يتمتعوا في الدنيا إلى الأجل المقدور، ثم تكون عاقبتهم الشر والسوء: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)} [العنكبوت: ٦٦].
والشرك: معناه أن تجعل لله شريكاً في ربوبيته أوألوهيته، أو أسمائه أوصفاته.
فإذا اعتقد الإنسان أن مع الله خالقاً أو معيناً فهو مشرك.
وإذا اعتقد أن أحداً سوى الله يستحق أن يعبد فهو مشرك.
وإذا اعتقد أن لله مثيلاً في أسمائه أو صفاته فهو مشرك.
والشرك بالله ظلم عظيم؛ لأنه اعتداء على حق الله تعالى الخاص به وهو التوحيد، فالتوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم، وأقبح القبائح؛ لأنه تنقص لرب العالمين، واستكبار عن طاعته، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، ولعظيم خطره فإن الله لا يغفره.
(١) حسن: أخرجه الترمذي برقم (٣٠٩٥)، صحيح سنن الترمذي رقم (٢٤٧١).
مختارات

