خطر الشرك (٥)
إن الله عزَّ وجلَّ فطر كل نفس على التوحيد، فتتوجه إلى بارئها عند الخوف، وعند الطمع، وعند الشدة.
وكثير من الناس يعترفون بالله رباً، ولكنهم ينبذون أوامره وشرائعه من ورائهم ظهرياً، بينما يجعلون أوامر الطاغوت مقدمة، تخالف في سبيلها أوامر الله وشريعته، بل تنبذ نبذاً، لاعتقادهم أنها سبب التخلف والمصائب: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)} [القصص: ٥٧].
والجاهلية القديمة على ما فيها من شرك أكثر أدباً مع الله، فقد كانت تتخذ مع الله آلهة أخرى لتقربها إلى الله زلفى.
فكان الله في حسها الأعلى.
فأما الجاهلية الحديثة، فهي تجعل الآلهة الأخرى أعلى من الله سبحانه عندها.
فتقدس ما تأمر به هذه الآلهة.
وتنبذ ما يأمر به الله نبذاً شنيعاً.
إن الله تبارك وتعالى يأمر المرأة بالعفة والحشمة، والفضيلة والقرار في البيوت، ولكن الوطن والإنتاج يأمرها بأن تخرج وتتعرى، وتعمل مضيفة سافرة على ظهور الطائرات، وصالات الفنادق، وساحات المصانع، وأماكن الرذيلة.
فمن الإله الذي تتبع أوامره؟
أهو الله سبحانه؟.
أم أوامر الطاغوت؟
والله سبحانه يأمر أن تكون رابطة التجمع هي العقيدة، ولكن الوطن والقومية تستبعد العقيدة، وتأمر أن يكون الجنس أو القوم هم القاعدة.
فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟
أهو الله جلَّ جلاله.
أم هي الآلهة المدعاة؟
والله عزَّ وجلَّ يأمر أن تكون شريعته هي الحاكمة، ولكن عبداً من العبيد أو مجموعة من الشعب تقول كلا، إن العبيد هم الذين يشرِّعون، وشريعتهم هي الحاكمة، وهذا كله قائم ظاهر في جميع بلاد الإسلام إلا ما شاء الله.
فمن هو الإله الذي تتبع أوامره؟
أهو الله سبحانه؟.
أم هي الآلهة المدعاة؟.
والقرآن الكريم يحاور المشركين، ويخاطب عقولهم البشرية لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري أياً كانت طفولته فيقول: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)} [الأعراف: ١٩١، ١٩٢].
إن الإله الذي يخلق هو الذي يستحق أن يُعبد، فكيف يشركون به من لا يخلق، بل هو مخلوق؟
والملك الذي يملك أن يرزق عباده، ويملك أن ينصر عباده بقوته ويحميهم، هو الذي يجب أن يعبد.
فالخلق والأمر.
والقوة والقهر.
والغنى والملك.
هي خصائص الربوبية.
وموجبات العبادة والعبودية.
وما يشركون به لا قوة لها ولا سلطان، لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا نصر غيرهم، فكيف يجعلونها شريكة لله؟.
يا حسرة على العباد كيف لعب الشيطان بعقولهم إلى هذا الحد؟.
إن العقل البشري لو خلي بينه وبين واقع الأمة اليوم، وما حل بها من شرك وظلم وفساد، فإنه لا يقره ولا يرضاه.
ولكنها الشهوات والأهواء، والتضليل والخداع، هي التي جعلت البشرية ترتد إلى هذه الجاهلية، فتشرك بالله ما لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون.
إن البشرية لفي حاجة اليوم، كما كانت في حاجة بالأمس، إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى، لتؤوب إلى ربها، وتسعد بهداه.
في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام، ويخرجها من الظلمات إلى النور، ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية، كما أنقذها الدين أول مرة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فهل من مشمر؟.
إن شرك تلقي الأحكام من البشر، مثل شرك عبادة الأوثان والأصنام سواء.
هذا شرك في العبادة.
وهذا شرك في الشريعة.
وهذا كله شرك، وخروج من التوحيد الذي يقوم عليه دين الله، والذي تعبر عنه شهادة (أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله).
والله تبارك وتعالى ينبه هؤلاء المشركين إلى سخف ما هم عليه من الشرك، إذ كيف يتخذون آلهة لا تخلق بل هي مخلوقة؟
ولا تنصر عبَادها، بل لا تملك لنفسها ولا لغيرها نصراً؟
أين عقول هؤلاء، كيف يدعون من دونهم أو أمثالهم؟
وكيف يدعون من لا يستجيب لهم؟.
وكيف يعبدون من هو غافل عنهم؟.
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)} [الأحقاف: ٥، ٦].
فما أعجب حال الإنسان إذا أضل؟
وما أخسر البشر الذين لا يستفيدون عن عقولهم؟
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)} [الأعراف: ١٩١ - ١٩٤].
إن هذه الأصنام التي يعبدها المشركون من دون الله أحجار هامدة، ليس لها أرجل ولا أيدي، وليس لها أعين ولا آذان، وليس لها عقول ولا إدراك.
هذه الجوارح التي تتوافر لهم هم، فكيف يعبدون ما هو دونهم من هذه الأحجار الهامدة؟: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)} [الأعراف: ١٩٥].
فلا بدَّ لصاحب الدعوة إلى الله أن يستهين بهذه الأسناد والأصنام، وأن يتجرد منها، فهي في ذاتها واهية واهنة، مهما بدت قوية قادرة.
وحتى لو قدرت على أذاه، فإنما تقدر على أذاه بإذن ربه، فليواجههم بقوة مولاه، وليتوكل على الله: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)} [الأعراف: ١٩٦].
إن صاحب الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان، لن يبلغ شيئاً إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزيمة، وإلا بمثل هذا اليقين: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)} [الحجر: ٩٤ - ٩٦].
ولقد كان مشركو العرب يعرفون أن الله هو خالق هذا الكون، فإن معرفتهم بالله لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة كما يظنه بعض الناس.
ولم يكن شرك العرب متمثلاً في إنكار الله سبحانه، ولا في عدم معرفتهم الحقيقة كما قال الله عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)} [الزمر: ٣٨].
إنما كان أكثر شركهم يتمثل في عدم إخلاصهم العبودية لله، وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره، وهو ما لم يكن متفقاً مع إقرارهم بألوهية الله ومعرفتهم له.
فأما الأصنام التي كانوا يعبدونها، فما كان ذلك قط لاعتقادهم بألوهيتها كألوهية الله سبحانه.
وإنما اتخذوا الشعائر والعبادة لها، لتكون مجرد شفعاء عند الله كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: ٣].
فلا يكفي للمسلم الاعتقاد وأداء الشعائر لله وحده فقط.
بل لا بدَّ مع ذلك من إقامة الحياة كلها على منهج الله.
وتحقيق التوحيد في شعب الحياة كلها.
ورفض العبودية لغير الله في كل عمل كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)} [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
مختارات

