خطر الشرك (٧)
وقد ذكر الله عزَّ وجلَّ للشرك أربع قبائح في أربع آيات وهي:
١ - قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)} [النساء: ٤٨].
٢ - وقال الله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)} [النساء: ١١٦].
٣ - وقال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)} [المائدة: ٧٢].
٤ - وقال الله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)} [الحج: ٣١].
والجبت: هو كل ما لا خير فيه من السحر والكهانة والعرافة وغيرها، وهو من الشرك.
والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود كالأصنام، أو متبوع كعلماء الضلالة، أو مطاع كالأمراء والرؤساء، وهو من الشرك.
والعيافة: هي زجر الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فإن ذهب يميناً تفاءل، وإن ذهب شمالاً تشاءم، وهي من الجبت.
والطرق: هو الخط على الأرض على سبيل السحر والكهانة، ثم يقول: سيحصل كذا، أو حصل كذا، وهو من الجبت.
والتطير: هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم كالأيام والشهور، وهي من الجبت، وأضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، وكان العرب يتشاءمون بالطير والمكان والزمان والأشخاص والنبات والحيوان، وهذا كله من الشرك.
والكهان: هم رجال أو نساء في أحياء العرب يتحاكم الناس إليهم، تنزل عليهم الشياطين التي تسترق السمع وتخبرهم، ثم يضيف الكاهن إلى هذا أخباراً كاذبة، فيقول: حصل كذا، أو سيقع كذا، فيصدقه الناس إذا وقع ما أخبر به، ويعتقدون أنه عالم بالغيب، وهذا من الشرك.
والعراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يستدل على معرفة الغيب بمقدمات يستعملها، ويخدع بها ضعاف العقول، وهذا من الشرك.
وهناك أقوال وأفعال من الشرك أو من وسائله ومنها:
لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه، وذلك شرك، وتعليق التمائم على الأولاد، سواء كانت من خرز أو عظام أو كتابة، وذلك اتقاء للعين، وذلك شرك.
والتبرك بالأشجار والأحجار والآثار والقبور ونحوها، فطلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء شرك؛ لأنه تعلق بغير الله في حصول البركة.
والسحر: وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به، وأدوية، فيؤثر في القلوب والأبدان، فيقتل أو يمرض أو يفرق بين المرء وزوجه.
وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك.
والسحر شرك؛ لما فيه من التعلق بغير الله من الشياطين، ولما فيه من ادعاء علم الغيب.
قال الله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: ١٠٢].
وقد يكون السحر معصية من الكبائر إذا كان بأدوية وعقاقير فقط.
والاستسقاء بالنجوم هو عبارة عن نسبة نزول المطر إلى طلوع النجم أو غروبه كأن يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، فينسب نزول المطر إلى الكوكب لا إلى الله، فهذا شرك؛ لأن نزول المطر بيد الله، لا بيد الكوكب ولا غيره.
ونسبة النعم إلى غير الله شرك؛ لأن كل النعم من الله، فمن نسبها إلى غيره فقد كفر، وأشرك بالله.
كمن ينسب نعمة حصول المال أو الشفاء إلى فلان، أو ينسب نعمة السير والسلامة إلى السائق والملاح والطيار.
وينسب نعمة حصول النعم، أو اندفاع النقم، إلى جهود الحكومة أو الأفراد أو العلم ونحو ذلك.
فيجب نسبة جميع النعم إلى الله كما قال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)} [النحل: ٥٣].
والله جل جلاله خلق الخلق لعبادته، المتضمنة لكمال محبته وتعظيمه، والخضوع له.
ولهذا خلق الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق السموات والأرض.
والله تبارك وتعالى يحب نفسه.
ويحمد نفسه.
ويقدس نفسه.
ويحب من يحبه.
ويحمده ويثني عليه.
بل كلما كانت محبة عبده له أقوى، كانت محبة الله له أكمل وأتم، فلا أحد أحب إليه ممن يحبه ويحمده ويثني عليه.
ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض شيء إليه، لأنه ينقص هذه المحبة، ويجعلها بينه وبين من أشرك به.
ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه التي يسقط بها من عينه، وتنقص بها مرتبته عنده، إذا كان من المخلوقين.
فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره في المحبة، والمخلوق لا يحتمل ذلك، ولا يرضى به، ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبداً؟.
ومتى علم بأنه يحب غيره كما يحبه لم يغفر له هذا الذنب، ولم يقربه إليه، هذا مقتضى الطبيعة والفطرة.
أفلا يستحي العبد أن يسوي بين إلهه ومعبوده، وبين غيره في هذه العبودية والمحبة؟.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: ١٥٦].
فما أجهل الإنسان وما أضله حين يعبد من دون الله أصناماً ناقصة في ذاتها وفي أفعالها، فلا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعاً ولا ضراً؟.
بل لا تملك لنفسها شيئاً من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، كما قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مهجناً لأبيه عبادة الأوثان: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)} [مريم: ٤٢].
فهذا برهان جلي يدل على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله وأحواله مستقبح عقلاً وشرعاً.
فهل يليق بالإنسان عبادته، وترك عبادة الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؟.
ومن شناعة الشرك وقبحه أن الحيوانات اشمأزت منه، فالهدهد جاء إلى نبي الله سليمان - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره بما رأى من الشرك، وصار داعياً إلى التوحيد، فقد ذهب الهدهد إلى مملكة سبأ، فلما جاء إلى سليمان قال له: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)} [النمل: ٢٢ - ٢٦].
فمتى يغار أهل التوحيد على البشرية من الشرك؟.
ومتى ينقذونهم من عدوهم الذي زين لهم الشرك والبدع والمعاصي؟.
ومتى يؤدوا أمانة الدعوة إلى التوحيد التي كلفهم ربهم بها؟.
{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
مختارات

