فقه النعم والمصائب (٦)
ونعم الله على عباده تفوت الحصر، وأعظمها نعمة الإسلام، وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في الدنيا قبل عقاب الآخرة، كما حصل لبني إسرائيل حين بدلوا نعمة الله، وأبوا الطاعة والاستسلام لله، وكانوا دائماً في موقف الشاك المتردد.
ونقضوا العهد والميثاق.
فماذا حصل لهم؟.
وماذا حل بهم؟.
لقد: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)} [آل عمران: ١١٢].
وأمم من المسلمين اليوم بدلوا نعمة الله، فحل بهم ما حل ببني إسرائيل، فهي تعاني العقاب الشديد، وتتمرغ في الشقوة والنكد، وتعاني القلق والحيرة، ويأكل بعضها بعضاً، ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه، والكل يعيش في حيرة قاتلة لا طمأنينة فيها ولا سلام.
وإن هو إلا عقاب الله لمن حاد عن منهجه ورد دعوته: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)} [البقرة: ٢١١].
ومن سافر بفكره أو ببصره في أحوال العالم الخاصة والعامة استغنى عن تعريف غيره له، وساءه انبطاح الأمة للشياطين والفجار.
وجميع المجتمعات البشرية المحرومة من نعمة الإسلام، مجتمعات بائسة، ولو غرقت في الرغد المادي، خاوية ولو تراكم فيها الإنتاج، قلقة ولو توفرت لها الحريات والأمن والسلام.
وهذه الأمم الكافرة تمضي في الأرض كالبهائم تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع، وقد تنطح وترفس كالبهيمة، أو تفترس وتنهش كالوحش، وتزاول الطغيان والجبروت، والبغي والبطش، وتنشر الفساد، ثم تمضي ملعونة من الله، ملعونة من الناس: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)} [آل عمران: ٨٧].
وما أعظم نعم الله علينا، حيث اختار لنا أفضل الأديان، وأفضل الشرائع، وأفضل الكتب، وأفضل الرسل، وجعلنا خير الأمم، وأكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً.
فهل فوق هذا من نعمة؟.
وهل يستطيع أحد أن يكافئ هذه النعم؟.
ومن يستطيع أن يعرف كل نعم الله؟.
ثم من يستطيع أن يحصيها؟.
ثم من يستطيع أن يقوم بشكرها؟.
ولكن رحمة الله واسعة، طلب منا القليل وأعطى الكثير، وإنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة، ومعرفة المنعم، وإدراك الواجب، ثم القيام بما يستطاع منه، ومعرفة الحرام ثم الحذر منه، وطلب المغفرة عن التجاوز أو التقصير:
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)} [التغابن: ١٦].
فما أنكد وما أحمق، وما أضل من يرفض ما رضيه الله له، ويختار لنفسه غير ما اختاره الله له.
وإنها لجريمة كبرى لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها ناجياً أبداً، وقد رفض ما ارتضاه الله له.
وقد يترك الله الذين لم يعرفوا الإسلام، أو لم يتخذوه ديناً لهم، يرتكبون ما يرتكبون، ويمهلهم إلى حين.
فأما الذين عرفوا هذا الدين، ثم أهملوه أو تركوه أو رفضوه، واتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه الله لهم.
فهؤلاء لن يتركهم الله أبداً، ولن يمهلهم أبداً، حتى يذوقوا وبال أمرهم، وهم مستحقون: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)} [النساء: ١٣٧].
والناس في الأرزاق التي قسمها الله لهم متفاوتون، وهم في وقت حصولهم على أرزاقهم مختلفون:
فمنهم من يجمع الله له رزقه في أول عمره، ومنهم في وسطه، ومنهم في آخره.
وهم في الحصول عليه متباينون:
فمنهم من يساق إليه عفواً بلا تعب.
ومنهم من يصل إليه بعد جهد وعناء.
وهم في طريقة الحصول عليه مختلفون:
فمنهم من يأخذه عن طريق الحلال حسب أمر ربه وهدى رسوله.
ومنهم من يأخذه عن طريق الحرام كالسرقة والربا والرشوة ونحوها.
ومكان أرزاق العباد مختلف:
فمنهم من يأخذه من تحت قدميه.
ومنهم من فرق الله رزقه في البلاد.
فهو يجمعه من الأمصار والبلدان، في البر والبحر.
وهم كذلك مختلفون في صرف هذه الأرزاق:
فمنهم من يصرفها فيما رضيه الله وأحبه وأمر به.
ومنهم من يبذرها فيما يغضب الله.
ومنهم من يستعين بها على طاعة الله.
ومنهم من يستعين بها على معصية الله.
إن الإسلام أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، والأموال والأعراض في الإسلام خادمة للعبد لا مخدومة، والإنسان فوقها ينتفع بها، ولا يكون عبداً خاضعاً لها.
والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها، إنما هو يزنها بوزنها، ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة، طلقاء اليد.
مطمحهم أعلى من هذه الأرض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم، لا سلطان لها عليهم.
فالنعمة الكبرى، والرحمة الواسعة، هي ما جاء من عند الله من موعظة وهدى.
فأما المال، وأما الثراء، وأما النصر ذاته، فذلك كله تابع.
وإذا حصل للأمة استخدمته في إعلاء كلمة الله ونشر دينه.
فالأرزاق ليست هي التي تحدد مكانة الناس في هذه الأرض، فضلاً عن مكانتهم في الآخرة، بل إنها يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية، لا في الآخرة المؤجلة بل في الدنيا المعجلة كما هو مشاهد اليوم.
{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)} [التوبة: ٥٥].
والذين يركزون على جمع الأموال، ويغفلون قيمة الدين، هم حقاً أعداء البشرية، الذين لا يريدون لها أن ترتفع عن مستوى الحيوان، ولا على مطالب الحيوان.
ويهدفون من وراء ذلك إلى القضاء على القيم الإيمانية، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان، دون أن تغفل ضروراتهم الأساسية من الطعام والشراب، واللباس والنكاح ونحوها.
وهذا الصياح والصراخ المستمر بكل وسيلة وبكل مكان، وفي كل وقت بتضخيم الأموال والإنتاج المادي، بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم ودينهم، ومتطلبات إيمانهم من العمل الصالح، والدعوة والجهاد.
وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء الدرهم والدينار، وتعدها قيمة الحياة الكبرى، وتنسى في عاصفة الصياح المستمر: الإنتاج.
الإنتاج.
الإنتاج.
تنسى كل القيم الروحية والأخلاقية، وتهمل الشعائر التعبدية، وتدوس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي.
هذا الصياح الذي عمّ وطمّ ليس بريئاً مراداً لذاته، إنما هو خطوة مدبرة محكمة لإقامة أصنام تعبد في الأرض، بدل أصنام الجاهلية الأولى، وتكون لها السيادة العليا على القيم جميعاً.
وعندما يصبح الإنتاج المادي صنماً يكدح الناس من أجله، ويطوفون به صباحاً ومساء، فإن الدين والأخلاق والقيم تداس في سبيله.
وتنتهك الأعراض والأخلاق والأسر والحريات، وتداس كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج.
وهذا ما حصل.
ولا يزال يحصل.
فماذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هذه البلوى، التي جعلت المال مكان الإيمان، والأشياء مكان الأعمال الصالحة؟.
وخدعت الناس بعمارة الدنيا، وتخريب الآخرة؟.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)} [لقمان: ٣٣].
مختارات

