انتقاء الكلمات وتطبيقات معاصرة
في حياتنا نحتاج إلى جملة من الأخلاق التي تساهم في زرع المحبة في المجتمع الذي نعيش فيه، ولعل من أرقى تلك الأخلاق " انتقاء الكلمات "، وأقصد به اختيار الكلمة الحسنة في تعاملنا مع الناس حتى مع أولئك الذين نختلف معهم عقدياً وفكرياً.
وبين يدي بعض المواقف والقصص الرائعة:
في قصة نوح عليه السلام مع قومه، ( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين )، يا ترى بماذا أجاب ؟
هل قال: بل أنتم على ضلالة ؟ لا، بل ( قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين )، إنه الأدب في الرد حتى على الكفار.
وفي قصة هود عليه السلام ( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين )، فكيف كان جواب هود عليه السلام ؟
( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ).
فانظر كيف كان جوابه بكل أدب ونقاء " ليس بي سفاهة " ولم يقل أنتم السفهاء والفجار.
وفي سيرة إبراهيم عليه السلام يخاطب والده الكافر ب ( يا أبت ) في أربع مواضع كما في سورة مريم.
وفيها من اللطف والرفق الشيء العجيب، ولكن والده قابله بالسوء ( لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً ) فيا ترى كيف كان جواب إبراهيم عليه السلام ؟ ( قال سلام عليك ).
يا الله، ما هذه الأخلاق التي تربى عليه الأنبياء ؟
وفي حياة نبينا صلى الله عليه تجد عشرات المواقف التي تظهر لك علو أخلاق النبي وخاصة في كلماته الرفيقة.
ومنها " لما مر عليه قوم من اليهود فقالوا السام عليك يا محمد " يعني الموت. فقال: وعليكم، ولم يزد على ذلك بعبارات السب والشتائم مع أنهم يستحقون، وصدق الله ( وإنك لعلى خلق عظيم ).
وفي سيرة عمر رضي الله عنه نجد نماذج رائعة ومنها:
أنه مر على قوم عندهم نار يستدفئون بها، فقال: يا أهل الضوء، ولم يقل يا أهل النار، حتى لا يكون في كلامه نوع من الوصف بأنهم من أهل النار.
أليس هذا رقي في الكلمات ؟.
وفي علم الجرح والتعديل في علوم الحديث تجد العجب من بعض الأئمة.
فهذا الشافعي سمع رجلاً يقول عن راوي " فلان كذاب " فقال الشافعي: اكس ألفاظك أحسنها، ألا قلت: فلان ليس بشيء.
وفي منهج البخاري تقرر عند علماء الحديث أنه إذا قال " فلان سكتوا عنه " أنه يقصد لاتحل الرواية عنه، ولم يقل البخاري: فلان أكذب الناس.
وحتى يكون هذا السلوك منهجاً عملياً سوف أذكر بعض التطبيقات المعاصرة:
- في كلامك مع زوجتك حاول أن تكون أرقى، مثال:
قل: لو سمحتِ اصنعي لنا شاي، ولاتقل: اصنعي شاي، هكذا بلفظ الأمر.
- حينما تقصر زوجتك في ترتيب البيت، قل لها: سأساعدك في ترتيب البيت، ولا تقل: أنت مهملة.
- مع زوجك، قولي: ماذا تحب أن تكون وجبتك هذا المساء لأصنعها لك. بادري أنت، ولاتقولي: أحضر معك عشاء من المطعم.
- مع صاحبك حينما يتأخر عليك في الموعد، قل له: لعل لك عذر نلتقي في موعد آخر، ولا تقل: أنت دائماً تخلف المواعيد.
- مع زميل العمل حينما يخطئ في كتابة معاملة، قل له: تعال لنصحح المعاملة، ولا تقل: أنت لا تعرف كتابة المعاملات.
- مع ولدك حينما لا يعرف يكتب الواجب المدرسي، قل له: تعال لأرى دروسك ونتعلم مع بعض، ولا تقل: أنت فاشل في كتابة الواجب.
- حينما تنصح ذلك الذي يسمع الغناء، قل له: إن الله يراك ولا يحب منك هذا العمل، ولا تقل: أغلق الغناء أنت ما تخاف من الله.
وهكذا تتعدد الفنون في اختيار الكلمات.
وقد يقول قائل: أنا لم أتعود على انتقاء الكلمات، وهذا صعب ونحن لم نتربى على ذلك.
فالجواب:
كل شيء يمكن التخلق به حينما نقتنع أنه مهم، وحينما نبدأ في التغيير سوف نجد العون من الله تعالى، وانظر في نفسك، فهل تحب أن يكون أن يكون الناس متميزين في كلماتهم معك ؟ فلتكن متميزاً.
مختارات