الخزانة الثالثة..
١ - صفة الوضوء
الوضوء هو التعبد لله باستعمال ماءٍ طهور في أعضاء الإنسان، على صفةٍ مخصوصة.
• فضل الوضوء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: «يَا بِلالُ، حَدِّثنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلامِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرَجَى عِنْدِيْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّي».
متفقٌ عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ».
أخرجه مسلم.
• فروض الوضوء:
فروض الوضوء ستة، وهي على الترتيب كما يلي:
الأول: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق.
الثاني: غسل اليدين مع المرفقين.
الثالث: مسح الرأس، ومنه الأذنان.
الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين.
الخامس: الترتيب بين الأعضاء السابقة.
السادس: الموالاة بين غسل الأعضاء.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
ومن فقد عضوًا من أعضاء الوضوء، سقط عنه فرضه إلى غير تيمم؛ لأنه فقد محل الفرض، وإن ركب مكانه عضوًا صناعيًا لم يجب عليه غسله ولا مسحه ولا التيمم عنه.
كل ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كالمناكير، والأصباغ، والأظافر الصناعية، فإنه لا يصح معها الوضوء، ولا الغسل، بل يجب إزالته حين يتطهر أو يغتسل.
• سنن الوضوء:
من سنن الوضوء: السواك ثلاثًا، والبدء بالمضمضة، ثم الاستنشاق قبل غسل الوجه، وتخليل الأصابع، والتيامن، والغسلة الثانية والثالثة، والدعاء بعد الوضوء، وصلاة ركعتين بعده.
• مقدار ماء الوضوء:
السنة في الوضوء أن لا يجاوز المسلم في غسل أعضائه أكثر من ثلاث مرات، وأن يتوضأ بمد، ولا يسرف في الماء، ومن زاد فقد أساء وتعدى وظلم، ومن احتاج إلى أنفٍ، أو إصبعٍ ذهب، أو ركب أسنانًا صناعيةً متحركة، فلا يشرع له إذا أراد الوضوء أو الغسل أن يخلعها أو يحركها، وكذا الخاتم والساعة.
• ما يفعله إذا قام من النوم:
من قام من النوم، وأراد الوضوء، فعليه أن يغسل كفيه ثلاثًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
متفقٌ عليه.
• صفة الوضوء المجزئ:
أن ينوي المسلم الوضوء بقلبه، ثم يتمضمض ويستنشق، ثم يغسل وجهه، ثم يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسح رأسه مع الأذنين، ثم يغسل رجليه مع الكعبين، مرةً لكل عضوٍ من أعضائه.
• صفة الوضوء الكامل:
أن ينوي المسلم الوضوء بقلبه، ثم يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق من كفٍ واحد، نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، يفعل ذلك ثلاثًا بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يغسل يده اليمنى مع المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك.
ثم يمسح رأسه بيديه مرةً واحدة من مقدمه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل سبابتيه في باطن أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجله اليمنى مع الكعب ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ويُسبِغ الوضوء، ويُخلل بين الأصابع، ثم يدعو بما ورد كما سيأتي إن شاء الله.
• صفة وضوء النبي ﷺ:
عن حمران مولى عثمان أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ دعا بإناءٍ، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
متفقٌ عليه.
• أنواع وضوء النبي ﷺ:
ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرةً مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وكل هذا سنة، والأفضل للمسلم أن يُنوِّع، فيأتي بهذا مرة، وبهذا مرة، إحياءً للسنة، ويداوم على الأكمل كما سبق.
عن ابن عباس ﵄ قال: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً».
أخرجه البخاري.
وعن عبد الله بن زيد ﵁ «أن النبي ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ».
أخرجه البخاري.
• حكم الوضوء لكل صلاة:
يجب على المحدث أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، ويسن تجديد الوضوء لكل صلاة فريضة، وله أن يصلي صلوات بوضوءٍ واحد كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
وعن عمرو بن عامر عن أنس ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺيَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُون؟ قَالَ:يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ».
أخرجه البخاري.
«وعن بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، قَالَ: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ».
أخرجه مسلم.
• صفة الدعاء بعد الفراغ من الوضوء:
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».
أخرجه مسلم.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيكَ، كُتِبَ في رَقٍّ، ثم طُبِعَ بِطَابَعٍ، فلم يُكْسَر إلَى يَومِ القِيَامَةِ».
أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة والطبراني في الأوسط بسندٍ صحيح.
• نواقض الوضوء:
نواقض الوضوء ستة:
الأول: الخارج من السبيلين كالبول، والغائط، والريح، والمني، والمذي، والدم ونحوها، أما الداخل فيهما كالتحاميل فلا ينقض الوضوء، ولا يفسد الصوم.
الثاني: زوال العقل بنومٍ مستغرق، أو إغماءٍ، أو مسكرٍ، أو جنون.
الثالث: مس الفرج باليد من غير حائل.
الرابع: كل ما أوجب غسلًا كالجنابة، والحيض، والنفاس.
الخامس: الردة عن الإسلام.
السادس: أكل لحم الجزور، ويشمل كل ما حمل خف البعير.
عَنْ بسرة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ».
أخرجه أحمد والنسائي بسندٍ صحيح.
وعن جابر بن سمرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ:«أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: «إَنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبْلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأ مِنْ لُحُومِ الإِبلِ».
أخرجه مسلم.
• متى يتوضأ من شك في الطهارة:
من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، بنى على اليقين وهو الطهارة، ومن تيقن الحدث، وشك في الطهارة، بنى على اليقين، وهو الحدث، فليتطهر.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا، فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
أخرجه مسلم.
ويستحب الوضوء كلما أحدث، وعند كل صلاة، ما لم يكن محدثًا فيجب، وإذا قَبَّل الزوج زوجته ولو بشهوة لم ينتقض وضوؤه إلا أن يخرج منه شيء.
• حكم إبقاء الأدهان على أعضاء الوضوء:
الكريمات، والدهونات إن كانت مجرد لون، أو رطوبة، أو دسومة، فهذه لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، فيجوز إبقاؤها، وإن كان لها كثافةٌ دهنية، أو طبقةٌ شمعية، ونحو ذلك مما يمنع وصول الماء إلى البشرة، فتجب إزالتها عند الوضوء أو الغسل؛ لأن الماء لا يتخللها.
• حكم وضوء من به حدثٌ دائم:
صاحب الحدث الدائم كمريضٍ احتاج إلى قسطرة لخروج البول بواسطة أنبوب بلاستيك يصب في كيسٍ خارجي، أو شرجٍ صناعي لخروج البراز بواسطة أنبوب، أو ريحٍ شديدة لا يمكن التحكم فيها، فهذا إذا توضأ طهر، ولا يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، وإن توضأ بعد دخول الوقت، فهو أفضل، ولا يجب عليه الوضوء، حتى يحصل له حدثٌ آخر غير حدثه الدائم، فمن به سلس البول إذا خرج منه برازٌ أو ريحٌ توضأ.
• حكم ما يخرج من الإنسان:
ما يخرج من الإنسان نوعان:
الأول: طاهر: وهو الدمع والمخاط، والبصاق والريق، والعرق والمني ونحوها، فهذا كله لا ينقض الوضوء إلا المني فيجب منه الغسل.
الثاني: نجس: وهو الغائط والبول، والودي والمذي، والدم الخارج من السبيلين، فهذا كله ينقض الوضوء.
• حكم الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة.
الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة لها حالتان:
الأولى: إن كانت الرطوبة تخرج من الرحم، فهي طاهرة لا تنقد الوضوء، وهذا هو الغالب.
الثانية: إن كانت تخرج من مخرج البول، فهي نجسة يجب منها الوضوء، فإن كانت مستمرة، فحكمها حكم من به سلس البول.
• حكم خروج الدم:
الدم الخارج من الإنسان نوعان:
الأول: الدم الخارج من السبيلين ينقض الوضوء.
الثاني: الدم الخارج من بقية البدن من الأنف، أو السن، أو الجرح، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا ينقض الوضوء، قليلًا كان الدم أو كثيرًا، لكن يحسن غسله من باب النظافة والنزاهة، وذلك لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون في المعارك في جراحاتهم، ولا يتوضؤون.
• حكم النوم والغيبوبة:
النوم المستغرق ينقض الوضوء، أما النوم اليسير من قائمٍ وجالسٍ ومضطجع فلا ينقض الوضوء.
أما الغيبوبة فإن كانت يسيرة لا يفقد معها الوعي والإحساس فلا تنقض الوضوء، وإن كانت تمنع شعوره بما يخرج منه كمريضٍ، ومصروعٍ، وسكران، فإنه ينتقض وضوؤه.
عَنْ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺيُنَاجِي رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
