الخزانة الثانية..
• فقه سنن الفطرة:
سنن الفطرة: هي الخصال التي فطر الله الناس عليها، واتفقت عليها الشرائع، بحيث يكمل بها المرء، ويكون على أفضل الصفات، وأجمل الهيئات، ومن ذلك:
الأول: السواك.
والسواك هو عودٌ لين من أراك، أو زيتون ونحوهما، والسواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرب، وعبادةٌ يثاب عليها العبد.
• صفة التسوك:
أن يمسك الإنسان السِّواك بيده اليمنى أو اليسرى ويمره على لثته وأسنانه، ويبدأ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر من الفم، وأحيانًا يجعل السواك على طرف لسانه.
• حكم السواك:
السواك مسنونٌ كل وقت.
ويتأكد السواك عند الوضوء، والصلاة، وقراءة القرآن، ودخول المنزل، وعند القيام من الليل، وعند تغير رائحة الفم.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي-أَوْ لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ».
متفقٌ عليه.
الثاني: من سنن الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية وتوفيرها.
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوْا المُشْرِكِينَ، وَوَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ».
متفقٌ عليه.
الثالث: الختان، وهو قطع الجلدة التي تغطي حشفة الذكر؛ لئلا يجتمع فيها الوسخ والبول، والختان واجبٌ في حق الرجال، ومكرمةٌ في حق النساء.
الرابع: حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الأظافر.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَارِبِ».
متفقٌ عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقِ العَانَةِ أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرْ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».
أخرجه مسلم.
وقَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقِ العَانَةِ لها ثلاثة أوقات:
الأول: وقت السنية، بأن تؤخذ متى طالت.
الثاني: وقت الكراهية، بأن تترك فوق أربعين يومًا.
الثالث: وقت التحريم، بأن تترك حتى تكثر وتتفاحش جدًا، فهذا محرم لما فيه من التشبه بالكفار والحيوانات:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الخامس: الطيب بالمسك أو غيره.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا».
أخرجه أبو داود والبيهقي.
السادس: تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما:
يسن صبغ الشعر الذي تغير لونه بشيبٍ أو غيره، ويجوز صبغ الشعر بالسواد في الحرب، أما صبغه بالسواد للزينة فالأفضل الابتعاد عنه، وإبداله بالحنة والكتم، أما صبغه بالسواد من أجل الخداع، فيحرم على الرجال والنساء.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبغُونَ فَخَالِفُوهُمْ».
متفق عليه.
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أُتي بأبي قُحافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ:«غَيِّرُوْا هَذَا بِشَيْءٍ».
أخرجه مسلم.
فيجوز تغيير الشيب بالسواد، ولكن الأفضل تغيره بالحنا والكتم:
عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ هَذَا الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ».
أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح.
• حكم إعفاء اللحية:
إعفاء اللحية وتوفيرها من سمة الأنبياء والمرسلين، وكان رسول الله ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الرجال، وأحسنهم صورة، وأحسنهم وجهًا، واللحية جمالٌ، وأعظم وسام يميز الرجال عن النساء.
والعجيب أن كثيرًا من المسلمين غرهم الشيطان، ومسخ ذوقهم، فحلقوا لحاهم، وغيروا خلق الله، وتشبهوا بالكفار والنساء، وعصوا رسول الله ﷺ، وصاروا يفرون من فحولة الذكورة، وشرف الرجولة، إلى نعومة الأنوثة، ومثَّلوا بوجوههم بحلق لحاهم، وأضاعوا أزمانهم وأموالهم وأوقاتهم في حلقها، وتشبهوا بالنساء اللاتي لعن رسول الله من تشبه بهن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فيجب إعفاء اللحية، والتعبد لله بإبقائها، ويحرم حلقها؛ طاعةً لله ورسوله ﷺ، واقتداءً برسوله ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ».
متفقٌ عليه.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ».
أخرجه مسلم.
• إكرام شعر الرأس ودهنه وتسريحه:
عن عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلَهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ».
متفقٌ عليه.
ويكره القزع، وهو حلق بعض الرأس، وترك بعضه، ما لم يتشبه بالكفار فيحرم؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ».
أخرجه أبو داود وأحمد.
• أحوال حلق شعر الرأس:
حلق شعر الرأس له ست حالات:
الأولى: طاعةٌ وقربى إلى الله، وذلك في أربعة مواضع، وهي الحج، والعمرة، وحلق رأس الصبي في اليوم السابع لولادته، والكافر إذا أسلم.
الثاني: شرك، وذلك كمن حلق رأسه تذللاً لغير الله ﷿ من وليٍ أو صنم ونحو ذلك.
الثالثة: بدعة، وذلك كمن حلق رأسه على سبيل التعبد والزهد في غير المواضع الأربعة السابقة، كما لو جعل حلق الرأس شعارًا للصالحين، أو من تمام الزهد كما كانت الخوارج تفعل، وكذلك حلق التائب رأسه بعد التوبة بدعة.
الرابع: محرمة، كحلق الشعر عند المصيبة بموت قريب ونحوه، وحلقه على سبيل التشبه بالكفار أو الفساق.
الخامسة: مباح، وهو أن يحلق رأسه لحاجة، كالتداوي من مرض، أو دفع أذى القمل، ونحو ذلك.
السادسة: أن يحلق رأسه من غير حاجة، ولا سببٌ من الأسباب المتقدمة، فهذا الأفضل عدم حلقه إلا عند الحاجة؛ لأن النبي ﷺ لم يحلق رأسه إلا في نسك حجٍ أو عمرة.
• صفة الاستنجاء والاستجمار:
الاستنجاء هو إزالة الخارج من السبيلين بالماء.
الاستجمار هو إزالة الخارج من السبيلين بحجرٍ أو ورقٍ أو قماشٍ ونحو ذلك.
• ما يقول ويفعل الإنسان عند دخول الخلاء والخروج منه:
يسن عند دخول الخلاء تقديم رجله اليسرى وقول:«اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ».
متفقٌ عليه.
ويسن عند الخروج من الخلاء تقديم رجله اليمنى وقول: «غُفْرَانَكَ».
أخرجه أبو داود.
• أحكام الاستنجاء والاستجمار:
الأول: يسن عند دخول المسجد، ولبس الثوب والنعل، والخروج من الحمام، تقديم رجله اليمنى، وعند الخروج من المسجد، ونزع الثوب والنعل، ودخول الحمام، تقديم رجله اليسرى.
ثانيًا: يسن لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء أو الصحراء بُعده عن العيون، واستتاره عن الناس، وارتياده مكانًا رخوًا لبوله؛ لئلا يتنجس.
ثالثًا: السنة أن يبول الرجل قاعدًا، ويجوز بوله قائمًا إن أمن تلوثًا، وأَمِنَ من الناظر إليه، أما المرأة فلا تبول إلا قاعدة في مكان مستتر.
رابعًا: يحرم على الذكر والأنثى كشف العورة أمام الناس.
خامسًا: يحرم الدخول بالمصحف إلى الحمام، فإن خاف أن يُسرق، فله أن يدخل به للحاجة، وإن وجد أحدًا يحفظه له حتى يخرج أعطاه إياه.
سادسًا: يجوز دخول الحمام بجهازٌ فيه قرآن، أو حديث، أو دروسً شرعية، من محمولٍ أو جوالٍ أو شريطٍ أو غيرهما؛ لأنه يشبه جوف الإنسان.
سابعًا: يجوز دخول الحمام بشيءٍ فيه ذكر الله تعالى عند الحاجة، والأفضل عدم الدخول به إلا عند الحاجة.
ثامنًا: يكره بول الإنسان في شق، ومس فرجه بيمينه، واستنجاؤه واستجماره بها، ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض في الفضاء، ويكره لمن يبول أو يتغوط أن يرد السلام، فإذا قضى حاجته تطهر، ثم رد.
تاسعًا: ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية، وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا.
• حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:
يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، في الفضاء أو البنيان، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال:قال رسول الله ﷺ: «إذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا.
قال أبو أيوب:فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيتْ قِبَل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى».
متفقٌ عليه.
• الأماكن التي يحرم قضاء الحاجة فيها:
يحرم البول والغائط في المسجد، والطريق، والظل النافع، وتحت شجرةٍ مثمرة، والموارد، والحدائق، ونحو ذلك من الأماكن التي يرتادها الناس كمياه الآبار، والبرك، والاستراحات، وأماكن البيع، ونحوها.
• صفة الاستجمار:
الاستجمار يكون بثلاثةٍ أحجار منقية، فإن لم تنق زاد، ويسن قطعه على وتر، كثلاثٍ أو خمسٍ ونحوهما.
ويحرم الاستجمار بعظمٍ، وروث، وطعامٍ، ومحترم.
ويزال الخارج من السبيلين بالماء، أو بالأحجار، أو المناديل، أو الورق، والماء أفضل؛ لأنه أبلغ في التنظيف.
ولا بأس بعد الفراغ من قضاء الحاجة من غسل اليدين بمطهر من صابونٍ ونحوه، ويجب غسل موضع النجاسة من الثوب بالماء، فإن خفي موضعها غسل الثوب كله.
والصحف والأوراق المكتوب عليها إذا حولت إلى عجينة، وأضيف إليها بعض المواد، ثم صنعت على شكل مناديل ورقية تستخدم في النظافة، أو إزالة النجاسة، فيجوز استعمالها.
أما أوراق المصاحف، وكتب العلم الشرعي، فيحرم ذلك لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
***
مختارات
