الذكر بعد الفراغ من الوضوء " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " إلى آخر الباب ..
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلم يزل الحديثُ متَّصلًا عمَّا يقوله المتوضِّئ بعد وضوئه، فهو بعد أن يذكر الشَّهادتين يقول فيما يقول: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين[1]، والعبد بحاجةٍ إلى الطَّهارتين دائمًا؛ ولهذا أُمِرَ المؤمنُ بعد أن يقضي نُسُكَه أن يذكر الله -تبارك وتعالى-، وأن يستغفره، والله يقول: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة:199]، وهكذا كما ذكرنا في مواطن أُخرى.
فهذه كما يقول الحافظُ ابن القيم -رحمه الله-: "توبةٌ بعد الوضوء: اجعلني من التَّوابين، وتوبةٌ بعد عبادةٍ، كما هو الشَّأن في الحجِّ، والصَّلاة، وقيام اللَّيل، ونحو هذا، فصاحب هذا المقام مُضطرٌّ إلى التوبة والاستغفار، فهو لا يزال مُستغفرًا، تائبًا، وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره، وبهذا لا يُستغرب من قول الـمُسلم بعد أن يفرغ من وضوئه: اللهم اجعلني من التَّوابين"[2].
هو كثير التَّوبة، فهل هذا يعني أنَّه كثير الذُّنوب؟
لا شكَّ أنَّ الجميع خطَّاؤون كما أخبر النبيُّ ﷺ، ولكن خيرَ الخطَّائين التَّوابون[3].
فيُكثر العبدُ من الاستغفار والتَّوبة، فدلَّ هذا الحديث على استحباب هذا الذكر بعد الوضوء: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المتطهرين".
وهكذا ذكر الإمامُ النَّووي -رحمه الله- أنَّه يُستحبُّ للمُغتسل أن يقول ذلك بعد اغتساله، يعني: الاغتسال الشَّرعي، وليس الاغتسال العادي، يعني: اغتسال التَّبرد والتَّنظف لا يُقال فيه هذا؛ لأنَّها ليست بطهارةٍ شرعيَّةٍ، لكن الاغتسال الشَّرعي مثل: الاغتسال من الحيض، والنِّفاس، والجنابة، وغُسْل الجُمعة.
فهذه أغسالٌ شرعيَّةٌ، فإذا فرغ منها فإنَّه يقول ذلك، سواء توضَّأ فيها -يعني مع الغُسْل- أو اكتفى بالمضمضة والاستنشاق وتعميم الماء على البدن؛ فإنَّ ذلك يجزيه على الرَّاجح، فيكون قد تطهر طهارةً شرعيَّةً يقول بعدها هذا الذِّكْر.
إذن، هذا يُقال بعد الطَّهارة الشَّرعية: الطَّهارة الكُبرى، والطَّهارة الصُّغرى، وهذا أيضًا –يعني- حينما يذكر الشَّهادتين بعد الوضوء، أو بعد الغُسْل، فإنَّ هذا فيه إشارة إلى الإخلاص كما يذكر بعض أهل العلم كالطِّيبي[4]، إنَّ هذا العمل خالصٌ لله -تبارك وتعالى-؛ لأنَّ هذه كلمة الإخلاص، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، ولا يُلتفت إلى معبودٍ سواه، وفي ذلك طهارة القلب من الشِّرك والرِّياء بعد طهارة الأعضاء من الحدث والنَّجاسة، مَن قال ذلك قال: إلا فُتحت له أبوابُ الجنَّة الثَّمانية يدخل من أيِّها شاء[5].
بمعنى أنَّه يُخيَّر، وهذا التَّخيير يدل على مزيد شرفه وعلو مرتبته، يدل على التَّنويه به بين الخلائق، إذا كان الناسُ كما يقول ابنُ سيد الناس[6] -رحمه الله-: إذا كانوا يُدعون من بابٍ واحدٍ، والجنَّة لها أبوابٌ، فتُفتح أبوابها لهذا، ويُدْعَى من جميع هذه الأبواب في الموقف، فهذا ليس كمَن يُتلقَّى من بابٍ واحدٍ، مَن تُفتح له جميع الأبواب ويُقال: ادخُل من حيث شئتَ، تُفتح له أبوابها، فهذا لا شكَّ أنَّه شرفٌ عظيمٌ لهذا الذي قيل له ذلك، لاحظ: مع أنَّه على عملٍ يسيرٍ، ما قال مثلًا: مَن قُتِلَ في سبيل الله دُعِيَ من أبواب الجنَّة الثَّمانية.
أو قال: أنفق جميع ماله في سبيل الله دُعِيَ من أبواب الجنَّة الثَّمانية، لا، توضَّأ وقال هذا الذكر.
وقد ذكر أيضًا بعضُ أهل العلم: كالحافظ ابن رجب -رحمه الله- أخذًا من هذا الحديث بعض الأوجه في كون الطَّهور شطر الإيمان[7]، فهنا ذكره مع الشَّهادتين، وضوءٌ مع الشَّهادتين يُوجِب فتح أبواب الجنَّة الثَّمانية، فذكر أوجهًا في معنى كون الوضوء شطر الإيمان، وهذا واحدٌ منها هو الذي نحتاج إليه في هذا المقام؛ لئلا نخرج عن الموضوع.
ولا شكَّ أنَّ الوضوء من خصائص الإيمان وأعمال الإيمان الخفيَّة التي لا يُحافظ عليها إلا مؤمنٌ، فإذا ذُكِرَ مع الشَّهادتين فُتحت له أبواب الجنة الثَّمانية؛ لأنَّ هذه الشَّريعة شعائر وأمانات، فالشَّعائر هي الأمور الظَّاهرة: الأذان، صلاة الجماعة، التَّكبير في الأعياد، وفي العشر، ونحو ذلك، كل هذه الأمور الظَّاهرة هي من قبيل الشَّعائر.
والأشياء الخفيَّة –كالصيام- تكون بين العبد وبين ربِّه -تبارك وتعالى-، هي أمانات.
فالوضوء: لو أنَّه صلَّى من غير وضوءٍ هل يشعر به أحدٌ؟ هل يطَّلع عليه أحدٌ؟
الجواب: لا، يذهب ويُصلِّي مع الناس، ولكنَّه من غير وضوءٍ، تكون عليه جنابة ولا يغتسل! هذا لا يعلم به إلا الله، فهذه أمانةٌ من الأمانات، مع أنَّ مفهومَ الأمانة أوسع كما تحدَّثتُ في بعض المناسبات عن قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ [الأحزاب:72]، ما المقصود بها؟
وقلنا: يدخل فيها -في الآية- جميع التَّكاليف الشَّرعية، لكن هنا حينما يُقسم ذلك للتَّعليم والتَّوضيح إلى شعائر وأمانات يكون المقصودُ بالأمانات ما ذُكِرَ، كما ذكر ذلك بعضُ أهل العلم، إذا قال هذا، هل هناك شيءٌ آخر يُقال في الوضوء؟
هنا ذكر المؤلفُ ذكرًا آخر من حديث أبي سعيدٍ الخدري ، وفيه: مَن توضَّأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كُتِبَ في رقٍّ، ثم جُعِلَ في طابعٍ، فلم يُكسر إلى يوم القيامة[8].
وفي لفظٍ: ثم طُبِعَ بطابعٍ[9]، وهذا قريبٌ من الأول.
وفي لفظٍ: خُتِمت بخاتمٍ، ثم رُفِعَتْ تحت العرش، فلم تُكسر إلى يوم القيامة[10].
جاء هذا من حديث أبي سعيدٍ الخدري ، وقد رُوِيَ مرفوعًا وموقوفًا من طُرقٍ مُتعددةٍ، وله شواهد، ولا تخلو من ضعفٍ، ورجَّح جمعٌ من أهل العلم وقفَه على أبي سعيدٍ ، ولكنَّهم قالوا في الوقت نفسه بأنَّ هذا لا يُقال من جهة الرأي، يعني: هنا الأذكار توقيفيَّة وما رُتِّب عليه.
كُتِبَ في رقٍّ، ثم جُعل في طابعٍ، فلم يُكْسَر إلى يوم القيامة، وفي اللَّفظ الآخر: ثم رُفِعَتْ تحت العرش، هذا لا يمكن أن يُقال من جهة الرأي، فدلَّ ذلك على أنَّه تلقَّاه من رسول الله ﷺ.
ومن هنا رجَّح جمعٌ من أهل العلم وقفَه، قالوا: هو ثابتٌ عن أبي سعيدٍ ، لكنَّه من قبيل الموقوف، وإن كان له حكم الرَّفع، لكنَّهم رجَّحوا الرِّواية الموقوفة، وقد قال بهذا النَّسائي[11]، والدَّارقطني[12]، والبيهقي[13]، والدّمياطي[14]، وقبله الطَّبراني يقول: "لم يروِ هذا الحديث مرفوعًا عن شعبةَ إلا يحيى بن كثير"[15]، وكذلك الشَّيخ ناصر الدين الألباني من المعاصرين[16]-رحم الله الجميع-.
وقد جاء أيضًا نحو هذا الحديث من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ومن حديث أنس بن مالكٍ -رضي الله عن الجميع-.
ممن حكم على صحّة الحديث بشواهده: ابنُ الملقن، قال: صحيحٌ، أو حسنٌ[17].
وكذلك أيضًا المنذري، وآخرون[18].
وأمَّا ما ذكره النَّووي[19] -رحمه الله- من أنَّ إسنادَه غريبٌ ضعيفٌ، فهذا بالنَّظر إلى الإسناد المعين، لكن مجموع الشَّواهد تدل على أنَّ الحديثَ ثابتٌ، لكن موقوفٌ، وليس بمرفوعٍ.
إذا عرفنا هذا القدر بعد ذلك يأتي الكلامُ على المعنى:
قول النبي ﷺ: مَن قال إذا توضَّأ، وفي بعض الرِّوايات: بسم الله يعني: ذكر التَّسمية، وعرفنا أنها ثابتةٌ.
سبحانك اللهم وبحمدك يعني: إذا فرغ من الوضوء، يُسمِّي في أوَّله، ويقول بعد ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، وفي بعض الألفاظ: لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وفي بعضها: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، يقول هنا: سبحانك اللهم وبحمدك، ما معناها؟
"سبحان" بمعنى التَّسبيح والتَّنزيه لله -تبارك وتعالى-، فالسّبحان يقولون: هو اسمٌ أُقِيم مقام المصدر، المصدر: سبَّح يُسبِّح تسبيحًا.
فإذا قلتَ: "سبحان" فهذا اسمٌ أُقيم مقام المصدر، يقولون: منصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ تقديره: أُسبِّحك تسبيحًا.
إذا قلت: "سبحان الله" أُسبِّحك تسبيحًا، أو أُسبِّح الله تسبيحًا، أُنزِّهك تنزيهًا، ونحو ذلك من المعنى، نُنَزِّه الله -تبارك وتعالى- من كلِّ نقصٍ وعيبٍ وسُوءٍ.
وإذا قلتَ: "سبحانك اللهم وبحمدك" يعني: أُسبِّحك تسبيحًا مُقترنًا بحمدك، أو مُتلبِّسًا بحمدك.
والتَّسبيح والتَّحميد والتَّوحيد لله -تبارك وتعالى-، كل ذلك مُستحقٌّ له؛ لأنَّه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السَّيئات إلا هو .
والاستغفار كما يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: "من ذنوب النَّفس التي منها تأتي السَّيئات"[20]، والله -تبارك وتعالى- يقرن في كتابه في مواضع بين التوحيد والاستغفار، كقوله -تبارك وتعالى-: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، وفي قوله -تبارك وتعالى-: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود:3]، فذكر هذا وهذا.
وفي قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:6]، فذكر الوحدانيَّة، وذكر الاستغفار: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ.
وكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تقتضي الإخلاص وما يدخل تحته: كالتَّوكل على الله -تبارك وتعالى-، وما إلى ذلك، والإخلاص يقتضي الشُّكر، فهي أفضل الكلام كما قال شيخُ الإسلام[21]-رحمه الله-، وهي أعلى شُعب الإيمان كما يدل عليه قولُ النبي ﷺ: الإيمانُ بضعٌ وسبعون شُعبةً، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطَّريق[22].
فالعبد دائمًا بين نعمةٍ من الله -تبارك وتعالى- تحتاج إلى شكرٍ، وذنبٍ يحتاج معه إلى الاستغفار، وهذا حال العبد، يتقلَّب بين هذا وهذا، يتقلَّب بين نِعَمِ الله وآلائه، وفي الوقت نفسِه لا يزال محتاجًا إلى التَّوبة والاستغفار؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يستغفر الله دائمًا في جميع الأحوال كما في الصَّحيح: أيُّها الناس، توبوا إلى ربِّكم، فإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرَّةً[23].
وفي "صحيح مسلم": إنَّه ليُغَان على قلبي، وإني لأستغفر اللهَ في اليوم مئة مرة[24].
وقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: "كنا نعدّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد يقول: ربِّ اغفر لي، وتُبْ عليَّ، إنَّك أنت التَّواب الغفور مئة مرة"[25].
ومن هنا جاء تشريع الاستغفار بعد الأعمال الصَّالحة كما سبق.
وقد بسط هذا المعنى شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وما ذكرتُه هو من مضامين كلامه.
ومن هنا -كما يذكر- فإنَّ قوامَ الدِّين هو التوحيد والاستغفار، والآيات السَّابقة يمكن أن يُستدلّ بها على ذلك، ونحن نقول في كفَّارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك[26]، فلاحظ مجيء التوحيد والاستغفار في هذه المواضع كلِّها.
وقوله ﷺ باعتبار أنَّ هذا الحديثَ له حكم الرَّفع: أنَّ ذلك يُطبع، أو يُكتب في رقٍّ ثم يُطبع بطابع الرّق، هو ما يُكتب فيه من الجلد أو غيره.
والطَّابَع -ويُقال بالكسر أيضًا: الطَّابِع- هذا هو الخاتم، المعنى: أنَّه يُختَم على ذلك المكتوب في الرَّق، فلا يتطرَّق إليه تغييرٌ ولا تبديلٌ ولا إبطالٌ حتى يُوافى العبدُ به، ويلقى جزاءه عليه تامًّا، وافيًا، كاملًا، فهذا من فضل الله -تبارك وتعالى- علينا أن يسَّر هذه الأعمال، وهدانا إليها، ثم بعد ذلك يجزي عليها هذا الجزاء الأوفى.
أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعيننا وإيَّاكم على ذكره، وشُكره، وحُسن عبادته.
اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دُنيانا، والله أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.
مختارات

