الخزانة السابعة..
• فقه مكارم الأخلاق:
الأدب هو استعمال ما يُحمد وما يحسن من الأقوال، والأعمال، ومكارم الأخلاق.
ومكارم الأخلاق هي مجموع الصفات الحسنة التي يتزين بها الإنسان، ابتغاء وجه ربه، ويتميز بها عن غيره، فيحبه الله، ويحبه الناس بسببها كالإيمان بالله، وكمال الطاعة لله ورسوله، والعمل بشرعه، والإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم، واستعمال الأخلاق الكريمة معهم، والصفح عن عثراتهم، وحسن الخلق معهم، وبذل الندى، وترك ما تهوى لما تخشى.
وأن لا يشهد العبد لنفسه فضلاً، ولا يرى له حقاً، يعم الناس بفضله، ونصحه، وبره، كما تعم الشمس بنورها سائر الخلق، فهم يحبونها لنورها ونفعها، ومن لا نور فيه ولا نفع فمن ذا يحبه؟
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
• ومكارم الأخلاق على ثلاث درجات:
الأولى: ترك خصومة الخلق، والتغافل عن زلاتهم، ونسيان أذاهم، فلا ينصب نفسه خصماً لأحد غير نفسه، فلا يخاصم بلسانه، ولا بقلبه، ولا يخطر على باله، هذا في حق نفسه.
وأما في حق ربه فيخاصم لله، وفي الله، ويحاكم إلى الله، وإذا رأى من أحد زلة أظهر أنه لم يرها؛ لئلا يعرض صاحبها للوحشة، ويريحه من تحمل العذر أمامه، ومن أحوج عدوه إلى الشفاعة، ولم يخجل من قيامه بين يديه معتذراً، لم يكن له في الفتوة نصيب.
والتغافل عن الزلات أكمل وأرفع من الكتمان مع الرؤية، وينسى أذية من ناله بأذى؛ ليصفو قلبه له، ولا يستوحش من آذاه.
ومن مكارم الأخلاق نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه، كأنه لم يصدر منك، وهذا النسيان أكمل من الأول:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
الثانية: أن تكرم من يؤذيك، وتقرب من يقصيك، وتعتذر إلى من يجني عليك، وتعطي من حرمك سماحة لا كظماً، ومودة لا مصابرة، فتُحسن إلى من أساء إليك، وتعامله بضد ما عاملك به، فتنقلب عداوته لك صداقة، وبغضه محبة، وأذاه إحساناً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
ومن أراد فَهم هذه الدرجة العالية فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس، يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه، ثم للناس منها بحسب إيمانهم، ويقينهم، ومجاهدتهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن مكارم الأخلاق أن يُنزل العبد نفسه مع الناس منزلة الجاني لا المجني عليه، والجاني خليقُ بالعذر، والله سلطه عليك بذنبك، وإذا علمت أنك بدأت بالجناية، فانتقم الله منك على يده، كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار له، وتفعل هذا كله عن سماحة نفس، وانشراح صدر، لا عن كظم، وضيق، ومصابرة، فإن هذا دليلًا على أن هذا ليس في خلقك، وإنما هو تكلف يوشك أن يزول إذا فقد سببه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
الدرجة الثالثة: أن يسير العبد إلى الله على قدم اليقين، وطريق البصيرة، والمشاهدة، ولا يتعلق في سيره بدليل، فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب سبحانه، ولا يستغني طرفة عين عن الدليل الذي يوصله إلى المطلوب، وهو الرسول ﷺ، فيقتدي بسننه، وآدابه في جميع أحواله، لتحصل له محبة الله، ومغفرة ذنوبه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
وأحسن أحوال العبد أن يكون ذاكراً لربه في كل حال، مقدماً لمحبته على كل محبوب، ويرجوه ويخافه وحده لا شريك له، ويتقيه ويخشاه، والله ﷿ لا يدخل حبه في قلب العبد، حتى يخرج العبد حب غيره من قلبه، ولا يدخل عظمته في قلبه، حتى يخرج العبد عظمة غيره من قلبه:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١].
• فقه الخشية:
خشية الله تحصل بأمرين:
العبادة.
الدعوة.
فالدعوة: كما قال سبحانه عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
والعبادة: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
والعبادة والدعوة قائمة على الأصل، وهو العلم بالله ﷿،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن مكارم الأخلاق حسن ظن العبد بربه، وحسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حَسَّن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر، والمعاصي، والظلم، فإن وحشة ذلك تمنعه من حسن الظن بربه، فالمسيء مستوحش بقدر أساءته،وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
فالمؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، والفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل، كما قال سبحانه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].
• فقه المروءة:
المروءة هي استعمال كل خُلق حسن، واجتناب كل خُلق قبيح، واستعمال ما يجمل العبد ويزينه، وترك ما يدنسه ويشينه.
وفي نفس كل إنسان ثلاثة دواع متجاذبة:
أحدها: داعِ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشياطين من الكبر والحسد، والبطر والعلو، والبغي والشر، والظلم والفساد، والغش والأذى، ونحو ذلك: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
الثاني: داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الحيوان، وهو داعي الشهوة والحرص والطمع: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
الثالث: داع يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الملائكة من الإحسان والنصح، والبر والعلم، والعبادة وحسن الطاعة،وكمال الاستقامة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
فحقيقة المروءة بغض الداعيين الأولين، وإجابة الداعي الثالث، وقلة المروءة إجابة زينك الداعيين، وترك الثالث:﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
• أقسام المروءة:
المروءة لها ثلاث مراتب
المروءة مع النفس.
والمروءة مع الخلق.
والمروءة مع الحق سبحانه.
الأولى: المروءة مع النفس: تكون بحملها على ما يجمل و يزين، وترك ما يدنس ويشين؛ ليصير لها ملكة في العلانية، فمن أراد شيئاً في سره وخلوته ملكه في جهره وعلانيته، فلا يفعل خالياً ما يستحي من فعله في الملأ إلا ما حضره الشرع والعقل كالجماع، والتخلي، ونحو ذلك.
الثانية: المروءة مع الحق سبحانه بالاستحياء من نظره إليك، وإصلاح عيوب النفس قدر الإمكان، فإن الله قد اشتراها منك، وليس من المروءة تسليم المبيع على ما فيه من العيوب، وتقاضي الثمن كاملاً.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
ما هي صفاتهم؟.
قال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
الثالثة: المروءة مع الخلق، بأن يستعمل معهم الحياء والخلق الجميل، وحسن الأدب، ومكارم الأخلاق، ولا يُظهر لهم ما يكرهه هو من غيره.
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وحقوق المروءة كثيرة، وشروطها في نفس الإنسان مع الاستقامة ثلاثة:
الأول: العفة، وهي نوعان:
العفة عن المحارم.
والعفة عن المآثم.
الثاني: النزاهة، وهي نوعان:
النزاهة عن المطامع الدنيوية.
والنزاهة عن مواقف الريبة.
الثالث: الصيانة، وهي نوعان:
١ - صيانة النفس بالتزام كفايتها.
٢ - وصيانتها عن تحمل المنن من الناس؛ لأن المنَّة تحدث للعبد ذلة.
• أما شروط المروءة في الغير فهي ثلاثة:
المؤازرة: وهي نوعان:
الأول: الإسعاف بالجاه، ويكون من الأعلى قدراً، وربما كان أعظم من المال نفعاً، ومن بخل به فهو أسوأ من البخيل بماله، والإسعاف في النوائب.
الثانية: المياسرة، وهي نوعان:
العفو عن الهفوات.
والمسامحة في الحقوق.
قال النبي ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ رجلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى».
أخرجه البخاري.
الثالثة: الإفضال، وهو نوعان:
١ - إفضال اصطناع: وهو ما أسداه إلى غيره جوداً، وكرماً.
والفرق بين العقل والمروءة، أن العقل يأمرك بالأنفع،والمروءة تأمرك بالأجمل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والمروءة صدور الأفعال الجميلة الممدوحة شرعاً، وعقلاً، وعزماً من الإنسان لكافة المخلوقات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال رسول الله ﷺ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».
متفق عليه.
• فقه الإيثار:
الإيثار: أن يؤثر الإنسان غيره بالشيء المحبوب مع حاجته إليه من مالٍ، أو طعامٍ، أو مكان: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
وعكس الإيثار الأثرة: وهي استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه.
والفرق بين الإيثار، والأثرة: أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك، والأثرة اختصاصك به على الغير.
• أحوال الإيثار:
الإيثار له حالتان:
إما أن يتعلق بالخلق.
وإما أن يتعلق بالخالق.
فإن تعلق بالخلق، فكماله أن تؤثرهم على نفسك، بما لا يضيع على الإنسان وقتاً، ولا يفسد عليه حالاً، ولا يهضم له ديناً، ولا يسد عليه طريقاً، ولا يمنع له وارداً، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن المؤمن حقاً من لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً كائناً من كان:﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على أهله، الإيثار بالدنيا من طعام، ومال، ومسكن، ومركب، ومكان، ونحو ذلك، لا بالوقت، والدين، وما يعود بصلاح القلب، كما وصف الله الأنصار بذلك، ومدحهم به بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
والله ﷿ أمر المسلمين بالمسابقة في أعمال البر والخير، والمسارعة إليها، والمنافسة فيها، والقرعة عند التزاحم عليها، وهذا ضد الإيثار بها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فلم يجعل الله الطاعات والقربات محلاً للإيثار، بل محلاً للتنافس والمسابقة، فلا يستحب الإيثار بالقربات؛ لأن الإيثار بها قد يُشعر بالزهد فيها، والاستغناء عنها، وعدم الحاجة إليها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
كما أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذي يضيق عن الاشتراك فيه كالطعام والشراب، واللباس والمركب والمجلس ونحو ذلك.
أما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشتركت الألوف المؤلفة في الطاعة الواحدة كالصلاة، والصوم، وقراءة القرآن لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم، و وسعتهم كلهم، وإن قدر التزاحم في عمل واحد، فإن في العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله.
وأيضاً فالمقصود رغبة العبد في التقرب إلى الله، والمنافسة في محابه، والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه، وعدم المنافسة فيه، وهذا غير مناسب، بل المناسب المسابقة والمسارعة إلى طاعة الله ﷿ في كل حال، وبكل طاعة، كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
• وإيثار المحبوب نوعان:
إيثار معاوضة ومتاجرة.
وإيثار حب وإرادة.
فالأول: يؤثر محبوبه على غيره، طلباً لحظه منه.
والثاني: يؤثره إجابة لداعي محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائماً إلى إيثار محبوبه بكل ما يحب، فإيثاره هو أجل حظوظه، فحظه في نفس الإيثار، لا في العوض المطلوب بالإيثار.
وهذا مطلب عالِ لا تفهمه إلا النفس اللطيفة المشرقة الورعة، وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فلتدرج.
والدين كله، والمعاملة كلها، في الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره، والنفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار:﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
ولكن الذي يسهل على النفس هذا الإيثار أمور:
أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الإنسان وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما جبلها على بُغض المستأثر، ومقته، لا تبديل لخلق الله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
الثاني: النفرة من خلق اللئام، ومقت الشح، وكراهته له.
الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله لبعض المسلمين على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف على حده، بل لا بدَّ من مجاوزته إلى الفضل، أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق، والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه من البركة، وفيضان الخير عليه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ [سبأ: ٣٩].
أقسام الأخلاق:
الأخلاق ثلاثة أقسام:
١ - خلق الإيثار، وهو خُلق الفضل.
٢ - خلق التسوية، وهو خُلق العدل.
٣ - خلق الاستئثار والاستبداد، وهو خُلق الظلم.
فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه، والتسلط عليه، ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وصاحب الاستئثار، النفوس إلى آذاه والتسلط عليه أسرع من السيل في حدوره، وهل أزال الممالك وقلعها من جذورها إلا الظلم والاستئثار والاستبداد، فإن أصعب شيء على النفوس هذه الصفات، فإنه لا صبر لها عليها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
وقال الله ﷿: «يا عبادى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا».
أخرجه مسلم.
• مراتب الإيثار:
الإيثار ضد الشح، ومراتبه ثلاثة:
أحدها: أن يعطي غيره الأكثر، ويبقى له شيئاً، فهو الجود.
الثاني: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه، فهو السخاء.
الثالث: أن يؤثر غيره بالشيء المحبوب مع حاجته إليه، فهو الإيثار، وهو أعلى المراتب.
فهذا الإيثار المتعلق بالخلق.
وأما الإيثار المتعلق بالخالق فهو أجلّ من هذا وأفضل، وهو إيثار حب الله على حب غيره، وإيثار رضاه على رضا غيره، وإيثار خوفه على خوف غيره، وإيثار رجائه على رجاء غيره، وإيثار الذل له سبحانه، والخضوع له والاستكانة، والضراعة والتملق، على بذل ذلك لغيره، وإيثار الطلب منه، والسؤال له، وإنزال الفاقات به وحده دون غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر الله على نفسه وغيره من الأغيار، فآثره الله عليها، وترك محبوبها لمحبوب الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
علامة هذا الإيثار شيئان:
الأول: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه.
الثاني: ترك ما يكرهه الله إذا كانت النفس تحبه وتهواه.
فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار.
ومؤنة هذا الإيثار شديدة؛ لغلبة الأغيار، وقوة داعي العادة والطبع، ولا تتم سعادة العبد وفلاحه إلا به،وإنه ليسير على من يسره الله عليه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
وقال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى،والذي يسهله على العبد أمور:
أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة.
الثاني: أن يكون إيمانه راسخاً، ويقينه قوياً، فإن الإيثار ثمرة الإيمان.
الثالث: قوة صبره وثباته.
والإيثار ضد الشح، فإن المؤثر على نفسه تاركًا لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شح به على غيره، وبخل بإخراجه.
فالبخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل كما قال النبي ﷺ: «وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ».
أخرجه مسلم.
وقد وصف الله ﷿ الأنصار بالإيثار، وأخبرهم أنهم سيلقون بعده أثرة فليصبروا، كما قال ﷺ للأنصار:«إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، وَمَوْعِدُكُمُ الْحَوْضُ».
متفق عليه (١).
وقد وقع ما قال ﷺ من استئثار الناس على الأنصار في الدنيا، وهم أهل الإيثار؛ ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس.
فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم، ودرجته، ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة، فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار، فاعلم أنه لخير يراد بك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
• درجات الإيثار:
الإيثار على ثلاث درجات:
الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك، فيما لا يخرم عليك ديناً، ولا يقطع عليك طريقاً، ولا يفسد عليك وقتاً، كأن تطعمهم وتجوع، وتسقيهم وتظمأ، وتريحهم وتتعب، بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب ما لا يجوز في الدين، ولا يقطع عليك طريق الطلب والمسير إلى الله تَعَالَى، مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك لربك، ومثل أن يؤثر بوقته غير ربه، فهذا منهي عنه.
فكل سبب يعود على الإنسان بصلاح قلبه، ووقته، وحاله مع الله، فلا يؤثر به أحداً من الناس، فإن آثر به فإنما يؤثر الشيطان على الله، وهو لا يعلم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله عن المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
الثانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، ولو غضب الخلق كلهم، وهي درجة الأنبياء، والمرسلين، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا ﷺ فإنه قاوم العالم كله، وتجرد للدعوة إلى الله، واحتمل عداوة القريب والبعيد في الله، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، وصبر على كل ذلك، ولم يأخذه في إيثار رضا ربه لومة لائم حتى أظهر الله دينه.
وقد جرت سنة الله التي لا تتبدل أن من آثر مرضاة الله على مرضاة الخلق أن يرضى الله عنه، ويرضى عنه الخلق، فتنقلب مخاوفه أماناً، وتعبه راحة، وبليته نعمة.
ومن آثر مرضاة الخلق على مرضاة الرب، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، خاصة من آثر رضاه من الناس، ويخذله من جهته، ويجعل محنته على يديه.
فيعود حامده ذاماً له، ومن آثر مرضاته ساخطاً عليه، وتلك سنة الله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢].
ورضا الخلق لا مقدور، ولا مأمور، ولا مأثور، فهو مستحيل، فلأن يسخطوا عليك، وتفوز برضوان الله ﷿عنك، أحسن لك من أن يرضوا عنك كلهم، والله غير راض عنك، وكل من آثر رضا الله، فلا بدَّ أن يعاديه أراذل العالم، وجهالهم، وأهل البدع، والفجور منهم، وأهل الرياسات الباطلة،وكل من يخالف هديَه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
الثالثة: أن ينسب العبد إيثاره إلى الله دون نفسه، وأنه سبحانه هو الذي تفرد بالإيثار دون الإنسان، فهو المؤثر حقيقة، إذ هو المعطي حقيقة، والمالك لكل شيء، والمعين لكل أحد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والناس صنفان:
منهم من يؤثر الدنيا على الآخرة، ويختار نعيمها المنغص المكدر على نعيم الآخرة، وهم الكفار: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
ومن يؤثر الآخرة على الدنيا، ويؤثر نعيمها، وسرورها الدائم الكامل على نعيم الدنيا الناقص الزائل، وهم المؤمنون الذين وعدهم الله على أعمالهم الصالحة الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨
والمؤمن العاقل يختار الآخرة؛ لأنها خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى لكونها دار خلد، وبقاء وصفاء،والدنيا دار فناء وزوال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وحب الدنيا، وإيثارها على الآخرة، رأس كل خطيئة، وذلك ثمرة فساد العقل والقلب: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
***
مختارات

