الخزانة السابعة..
• فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله:
الله ﷿ عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، خبير بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو ﷿مع عباده أينما كانوا في برٍ أو بحرٍ أو جو، في ليل أو نهار، في نور أو ظلام، فهو معهم في أي مكان كانوا، وفي أي زمان كانوا، وفي أي حال كانوا: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وذلك لكمال علمه وإحاطته بالخلق علمًا وقدرة، وسلطانًا وتدبيرًا، لكنه ﷿ ليس معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأنه سبحانه هو الكبير المتعال فوق كل شيء، مستو على عرشه، عالٍ على خلقه، ولا يمكن أن يحيط به شيء من خلقه، لأنه هو المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط ﷻ، ولا يمكن أن يسعه شيء من مخلوقاته، بل: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
لكنه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فهو العلي في دنوه، والقريب في علوه ﷻ.
فلا إله إلا الله، ما أعظم علمه وقدرته: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ [الحديد: ٣ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
فيجب أن نعلم أن الله ليس في الأرض بذاته، لأننا لو توهمنا هذا لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه، وإحاطة خلقه به، وسعة خلقه له، وهذا باطل، فالله هو الكبير المتعال، المحيط بكل محيط، وكل ما سواه صغير ودونه:﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
هو الله العلي الأعلى، الذي أحاط بكل خلقه، وهو الواسع الذي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالله مع الخلق، لكنه فوق عرشه، لأن الله ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا منافاة بين العلو والمعية، حتى في المخلوق، فنحن نسير على الأرض والقمر معنا ونسير على الأرض والشمس معنا، فنحن في الأرض والشمس والقمر معنا، وهما في السماء؛ لأن كلاً منهما معنا، لأنه ما غاب عنا، والله أعظم من ذلك وأعلى وأجل:﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وهو العلي العظيم، وهو العلي الأعلى، فالله سبحانه فوق عرشه، فوق جميع مخلوقاته، مع جميع خلقه أينما كانوا، يحيط بهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، وثمرة هذه المعية أن تراقب الله، وتخاف منه، وتعبد الله وكأنك تراه، وتقوم بطاعته، وتحذر من معصيته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
• أقسام المعية:
المعية التي أضافها الله إلى نفسه تنقسم إلى أقسام:
فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق، علمًا وقدرة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وسمعا وبصرًا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
وتارة يريد الله بها التهديد والإنذار كما قال سبحانه:﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
فهذا تهديد لهم يظنون أن الله لا يعلم بعملهم والله بكل شيء عليم.
وتارةً يراد بالمعية النصر والتثبيت والتأييد.
وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:
الأول: تارة يضاف إلى المخلوق بالوصف كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
فأي مؤمن يكون متقيًا محسنًا فالله معه.
الثاني: وتارة يضاف إلى المخلوق بالعين؛ أي الشخص نفسه، كما قال سبحانه عن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
وكما قال سبحانه عن موسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
فهذه معية خاصة مقيدة بالشخص، والتي قبلها مقيدة بالوصف.
والله ﷿ له أسماء الجلال والجمال، فهو العزيز الجبار، وهو الرحمن الرحيم، ففي مقام التهديد والوعيد يقدم الله صفات الجلال كما قدم ذكر شدة العقاب في قوله سبحانه:﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩].
وإذا تحدث الله ﷿ عن نفسه ليبين صفاته، قدم صفات الجمال على صفات الجلال كما قال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣].
وهو ﷻ الرحمن الرحيم، والرحمن ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقين في الدنيا من مسلم وكافر وحيوان، فنعمه على الخلائق لا تعد ولا تحصى، لأنه لا خالق غيره، ولا رازق سواه، والرحيم هو الذي يرحم عباده المؤمنين في الآخرة، كما قال سبحانه:﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فالله ذو رحمة واسعة، حيث أمهل البشر في الدنيا مع معاصيهم، وأغدق عليهم نعمه التي لا تعد ولا تحصى:﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وأعطاهم الأمن والعافية، وهم يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه، ويخالفون أوامره، ويعصونه بنعمه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام: ١٤٧].
وربوبية الله ﷿ لعباده نوعان:
الأول: ربوبية عامة لجميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فهو رب جميع العوالم، هو الذي خلقها، وهو الذي أبقاها، وهو الذي يحركها ويسكنها.
الثانية: ربوبية خاصة لمن شاء من عباده، وهي تقتضي عناية خاصة من الله لعبده المؤمن كما قال سبحانه عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وقال عن موسى ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وقد اجتمع النوعان في قول سحرة فرعون لما آمنوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢].
• أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله ﷿ كلها حسنى كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• وأسماء الله ﷿ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الأسماء الحسنى المطلقة كالعزيز، القوي، الرحمن، الرحيم.
الثاني: الأسماء الحسنى المقيدة كغافر الذنب، وقابل التوب، وفاطر السماوات والأرض، وفالق الإصباح ونحوها.
الثالث: الأسماء المتقابلة: كالمقدم والمؤخر، والقابض والباسط ونحوها.
والله ﷿ بيده ملكوت السماوات والأرض، فبيده العطاء والمنع، والبسط والقبض، فالعطاء من الله خير، والمنع منه خير، والبسط خير، والقبض خير، والإعزاز خير، والإذلال خير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فهذه الأسماء المتقابلة والصفات لا تذكر وحدها، بل تذكر مقترنة بما يقابلها؛ لأن الكمال في الاتصاف بهما معًا، لأن الله متصف بهذا وهذا.
الله سبحانه حكيم عليم ما منع إلا ليعطي، وما ابتلى إلا ليعافي، وما قبض إلا ليبسط، لأنه الرب الرحيم الحكيم الذي يربي عباده بما يصلحهم.
فسبحان ربنا العلي الأعلى الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السماوات والأرض: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
• أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله الحسنى أربعة أقسام:
الأول: اسم ذات، وهو اسم الله.
الثاني: أسماء تنزيه كالقدوس والسبوح.
الثالث: أسماء صفات كالقوي والرحمن والرحيم وأمثالها.
الرابع: أسماء أفعال كالعزيز والرزاق والخالق، فالعزيز الذي لا مثل له من أسماء التنزيه، والعزيز الذي لا يغلب من أسماء الصفات، والعزيز القوي من أسماء الصفات، والعزيز الذي يعز من شاء من أسماء الأفعال وهكذا في بقية الأسماء نتعلمها، ونتعبد لله بموجبها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فالله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، لهذا استحق العبادة لجلاله وجماله وكماله، فالله ﷻ هو الخالق لكل شيء القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، المالك لكل شيء: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
والعالم العلوي، والعالم السفلي، كله في قبضته، وتحت قهره، فكل ذرة في الكون لا توجد إلا بأمره، ولا تبقى إلا بأمره، ولا تتحرك إلا بأمره، ولا تسكن إلا بأمره، ولا تنفع إلا بإذنه، ولا تضر إلا بإذنه، ولكل ذرة في الكون سجل عند العليم الخبير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
والكون كله مظهر لقدرة الله، فيه جميع المخلوقات العلوية والسفلية، ومظهر لقدرة الله في كل وقت: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسبحان الملك القادر الذي يحرك مليارات الذرات والنجوم والذوات في آن واحد، ويبقي هذا الملك العظيم بقدرته، ولو شاء الله ﷿ لرفع عنه أمر البقاء ففني كله في لحظة واحدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
فهو سبحانه الخالق الذي خلق هذه الخلائق العظيمة شاهدة له بالوحدانية، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والله ﷿ هو المعبود بحق، والله وحده هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له؛ لأنه الخالق البارئ المصور، الملك القدوس، الرحمن الرحيم، فهو الإله العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، القوي الذي لا أقوى منه، القادر الذي لا أقدر منه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٦ - ٢٨].
هو الرب العظيم الذي حارت في عظمة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الألباب والعقول والأفئدة فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، فلا يعطي ولا يمنع إلا الله، ولا يعز ولا يذل إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله وحده لا شريك له:﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
ومن أيقن أنه لا اله إلا الله وحده، عبده وحده، وأطاعه وحده، ورجاه وحده وخافه وحده، وأحبه وحده: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فلا إله للرغبة إلا الله، ولا اله للرهبة إلا الله، فإذا رغبت فلا ترغب إلا في الله، وإذا خفت فلا تخاف إلا من الله، هو وحده الذي يزيل الغمة، ويكشف الكربة، ويعطي النعمة، والموحد حقًا من أيقن أن أمره كله بيد ربه، لا بيد غيره:﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فإذا أردت أن تحب فالحب الذي يدفع الإنسان للتذلل والانكسار بين يدي الله هو حب الله، فلا تحب إلا الله،وإذا أردت أن تثق بأحد فلا تثق إلا بالله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وإذا أردت أن تتوكل فلا تتوكل إلا على الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والإنسان قد يغره منصبه أو ماله أو أعوانه، فيعرض عن ربه، فإذا وقع في محنة مهلكة، عاد إلى فطرته، وفزع إلى ربه بالتوحيد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠].
فنهاية العلم الإلهي التوحيد، ونهاية العمل التقوى.
وعبادة الله ﷾ لا تسمى عبادة إلا مع كمال الحب والتعظيم وكمال الذل لله ﷿ ومن أحب أحدًا، أو شيئاً، وعصى الله من أجله، فقد عبده: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
وعبادة الشيطان هي طاعته: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
***
مختارات

