الخزانة السادسة..
• علامات حسن الخلق:
كما أن للمؤمنين علامات، وللكفار علامات، وللحي علامات، وللميت علامات، فكذلك أهل الأخلاق الحسنة لهم علامات، وأهل الأخلاق السيئة لهم علامات.
أما علامات حسن الخُلق، فقد يجاهد الإنسان نفسه حتى يترك الفواحش والمعاصي، ثم يظن أنه قد هذب نفسه، واستغنى عن المجاهدة، وليس كذلك، فإن حسن الخُلق هو مجموع صفات المؤمنين التي وصفهم الله بها حين اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم فقال في صفاتهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وغير ذلك من الصفات، والأخلاق التي يحبها الله، وهي مذكورةٌ في القرآن.
ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول الله ﷺ:
محبة الله، ورسوله، ومحبة دينه، ومحبة المؤمنين، وإكرام الجار، وإكرام الضيف، والقول الحسن، والعفو، وكف الأذى، والصبر، واحتمال الأذى، وصلة الرحم، والحلم والأناة، والرفق والسماحة، والعدل والإحسان، والرحمة والشفقة، وحفظ اللسان، والسمع، والبصر.
ومن لم يجد في نفسه هذه الصفات، أو بعض هذه العلامات، فليجاهد نفسه حتى تصير صفة له.
وقد بعث الله رسوله محمداً ﷺ متمماً لمكارم الأخلاق، فكان خلقه القرآن، وكان أحسن الناس خَلْقاً، وخُلُقاً، يأمر بكل خير، ويكون أسبق الناس إليه، وينهى عن كل شر، ويكون أبعد الناس منه، جمع مع جمال الباطن جمال الظاهر، فكان قدوة للناس وأسوة للبشرية إلى يوم القيامة في الإيمان، والعبادات والمعاملات، والمعاشرات والأخلاق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقد أمرنا الله ﷿ بالاقتداء به ﷺ في سائر أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فنقتدي بالنبي ﷺ في جميع أحواله، في نيته وفكره، وفي توحيده وإيمانه، وفي عبادته ودعوته، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفى أخلاقه الكريمة:﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
• أقسام الأدب في الإسلام:
كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها له أدب مع الله، ومع كتابه، ومع رسوله، ومع نفسه، ومع غيره من الخلق.
فأدبه مع الله: يكون بالإيمان بالله، وتوحيده، وتعظيمه، ومحبته، وطاعته، وعبادته، وحمده، وشكره، والتوكل عليه، والحياء منه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وأدبه مع كتاب الله: يكون بحسن تلاوته، وسماعه، والعمل بما فيه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وحسن تدبره، وإبلاغه للناس،والإعراض عما سواه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].
وأدبه مع رسول الله ﷺ: يكون بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وأدبه مع نفسه: يكون بحملها على تعلم العلم الشرعي، و طاعة الله ورسوله، وامتثال جميع أوامر الله على طريقة رسول الله، وفعل الخيرات، واجتناب المنكرات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وأدبه مع غيره: يكون بالعدل والإحسان، وحسن الخلق، والتوقير والإكرام، والإحسان إلى إخوانه المسلمين، وجيرانه، ووالديه، وأقاربه، وسائر الناس، وسائر المخلوقات، فالمؤمن كالغيث أينما حل نفع، وكالشمس حيث سار أنار، وكاليدين تغسل إحداهما الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
متفقٌ عليه.
وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تَقْوَى الله، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ فَقَالَ: «الْفَمُ، وَالْفَرْج».
أخرجه الترمذي وابن ماجه.
وإذا تحلى الإنسان بهذه الصفات، وهذه الأخلاق، أثمرت له مكارم الأخلاق، ومحبة الله ورسوله للعبد، وكثرت الأجر والثواب، وحفظ الأعمال الصالحة، ومعية الله للعبد، ومحبة الناس له، وجلب الناس إلى الدين، ومحبتهم له، ودخولهم فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
كل عبدًا عليه حقان:
حق الله ﷿.
وحق للعباد.
فالحق الذي عليه لا بدَّ أن يخل ببعضه أحياناً إما جهلاً أو نسياناً أو تهاوناً، إما بترك مأمور، أو فعل محظور، فأمره الله ﷿، بتقوى الله ﷿.
كما قال النبي ﷺ حين سئل عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فقال: «تقوى الله و حُسْنُ الخُلُق».
أخرجه الترمذي وأبن ماجة.
والمسلم يعمل، ويخطئ عمداً وسهواً، فأمره بفعل الحسنات التي تزيل السيئات وتمحوها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
وبهذا وذاك يكون قد قضى حق الله من العمل الصالح، وإصلاح الفاسد، ثم قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران/ ١٣٣ - ١٣٤].
حق الله عبادته وحده لا شريك له، وحق الناس الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم.
وجماع ذلك أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له، وتعطي من حرمك من العلم والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم، أو مال، أو عرض، وتحسن إلى من أساء إليك، ومعية الله ونصرته ومحبته تكون لمن اتصف بالصفات الإيمانية كالإيمان، والتقوى، والتوكل، والصبر، والإحسان، وغيرها:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
فمن اتصف بهذه الصفات أحبه الله، وكانت معه نصرة الله، ومعيته، واستفاد من قدرة الله، كما قال سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
فهنا نوعان:
الأول: الصفات الإيمانية، ومن اتصف بها حصلت له نصرة الله، ومعيته، ومحبته كالإيمان، واليقين، والتوكل، ونحوها.
الثاني: الأعمال الإيمانية كالصلاة، والصوم، والحج، ونحوها، فهذه على قسمين:
الأول: أعمال مقبولة، وهي المقرونة بالصفات الإيمانية،كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
الثاني: أعمال غير مقبولة، وهي الخالية من الصفات الإيمانية، كما قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
والأعمال التي فيها شرك أو رياء غير مقبولة، والرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ومن يجاهد ليقال جريء، أو يقرأ ليقال قارئ، أو ينفق ليقال جواد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].
والصفات الإيمانية محلها القلب، والأعمال محلها الجوارح، وأعمال الجوارح مبنية على ما في القلوب من الإيمان أو عدمه.
وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع، وعلو الهمة، وأصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة.
فالفخر، والبطر، والأشر، والظلم، والبغي، والتجبر، والعجب، والخيلاء، والحسد، وإباء قبول النصيحة، وطلب العلم، وحب الرئاسة، والجاه، كلها أمراض قلبية ناشئة من الكبر.
والكذب، والمكر، والخسة، والخيانة، والرياء، والحرص، والخديعة، والطمع، والجبن، والبخل، والعجز والكسل، والفزع، والذل لغير الله، ونحوها، كلها أمراض قلبية ناشئة من المهانة، والدناءة، وصغر النفس؛ فما أجل مكارم الأخلاق! وما أحسن التحلي بها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
وما أعظم أجرها، وثوابها، وما أخفها على نفوس الكرام، وما أثقلها على نفوس اللئام، وهي بحار مختلفة لا يقدر عليها كل أحد، فهى بحر الصبر، وبحر التقوى، وبحر الحلم، وبحر العفو، وبحر الإيثار، وبحر الإحسان، وبحر الصدق، وبحر العلم، وبحر العدل.
فلهذا قَل واردها، وندر من أبحر فيها، وهي تقسم كما تقسم الأرزاق والآجال، ولها أهل، ولضدها أهل، والله أعلم حيث يجعل رسالته: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال سبحانه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
إن العاقل حقاً من أرضى ربه قبل أن يلقاه، وبني قبره قبل أن يدخله، وترك الدنيا قبل أن تتركه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ومن استطاع أن يتحلى بمكارم الأخلاق، ويترقى فيها حتى يكون إماماً لحيه، وإماماً للناس، فليفعل، فإن له من كل عمل مقتدٍ به من الناس، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».
أخرجه مسلم.
• أقسام حسن الخلق:
حسن الخُلق قسمان:
حسن الخُلق مع الله.
وحسن الخُلق مع الناس.
وقد جمع الله بينهما في قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وحُسن الخُلق مع الله: أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله تَعَالَى ونواهيه، يفعل ما أمره الله به، راضياً به، فرحاً بأدائه، مستبشراً بطاعة ربه، مجتنباً ما نهى الله عنه، وأن يعلم أن كل ما يكون من نفسه يوجب عذراً، وأن كل ما يأتي من الله يوجب شكراً، فلا يزال شاكراً لربه، معتذراً إليه من تقصيره، سائراً إليه بين مطالعة منة الله، وشهود عيب نفسه، فهو ناظر إلى عزة الربوبية، وإلى ذلة العبودية:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وحُسن الخُلق مع الناس جماعه أمران:
أحدهما: بذل المعروف قولاً، وفعلاً.
الثاني: كف الأذى قولاً، وفعلاً.
ففي المعاملات مع الناس يكون سمحاً بحقوقه، لا يطالب بها غيره، ويوفي ما يجب عليه لغيره منها.
فإن مُرض ولم يعده أحد، أو قدم من سفر فلم يزره أحد، أو ضاف فلم يكرم، أو أحسن فلم يُشكر، أو تكلم فلم ينصت له، أو استأذن فلم يؤذن له، أو خطب فلم يُزوج، وما أشبه ذلك، لم يغضب ولم يعاقب، ولم يتنكر من حاله حال، ولا يقابل ذلك بمثله، بل يؤمن أنه لا يعتد بشيء من ذلك،ويقابل كل ذلك منه بما هو أحسن وأفضل وأقرب منه إلى البر والتقوى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
ثم يكون في إيفاء ما يكون عليه أفضل وأحسن وأجمل، فإذا مُرض أخوه المسلم عاده، وإن استمهله في قضاء دين أمهله، وإن جاء في شفاعة شفعه، وإن احتاج منه إلى معونة أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح، ولا ينظر ولا يلتفت إلى سوء معاملته له فيما خلا من قبل.
إنما يتخذ الأحسن إماماً لنفسه، ويسبق إلى كل فضيلة، ويأنف من كل رذيلة، ويتجاوز لإخوانه عن كل سيئة،ويعفو ويصفح ويتبع السيئة الحسنة تمحها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وبحسب قوة إيمان العبد، وكمال تصديقه بالجزاء، ومعرفة حسن موعود الله وثوابه، يسهل على العبد تحمل ذلك، والقيام به، ويلذ له الاتصاف به: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وحُسن السمت من أخلاق الأنبياء والصالحين، وهو دليل على كمال الإيمان، ورجاحة العقل، وهو حُسن المظهر الخارجي للإنسان من طريقة الكلام، والصمت، والحركة، والسكون، والدخول، والخروج، وحسن الهيئة، وحسن السيرة العملية بين الناس، وحسن المعاشرة مع الأهل.
عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: كَانَ النبي ﷺمَرْبُوعاً، وَقَدْ رَأيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأيْتُ شَيْئاً أحْسَنَ مِنْهُ».
متفق عليه.
وحسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة.
قال النبي ﷺ: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُّحْسِنُ الظَّنَّ بِالله ﷿».
أخرجه مسلم.
وعن أبي بكر ﵁ قال: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأبْصَرَنَا، فَقال: مَا ظَنُّكَ يَا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا».
متفق عليه.
والأخلاق غرائز كامنة، وحُسن الخُلق ميل النفس نحو الأرفق الأحمد الأحسن من الأقوال والأفعال، والتخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله التي ذكرها الله ﷿ في كتابه، وفى سنة رسوله.
وإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر محبوه، وقلّ معادوه:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
فسهلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب، ونبتت على جوارحه المحاب، وسال لسانه بكل ما لذ وطاب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فحسن الخلق ذهب بخيري الدنيا بالآخرة، وخيار الناس أحاسنهم أخلاقاً، وأحسن البشرية أخلاقاً على الإطلاق سيد الأولين والآخرين، وسيد ولد آدم،وسيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي قال عنه ربه مثنيًا عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ولحسن خلقه ﷺ وكمال أدبه، فهو محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وما فيه من صفات الكمال محمود عند كل عاقل، وهو أحمد الخلق لربه، فصلوات الله وسلامه عليه.
وهو محمود بما يملأ به الأرض من الهدى والإيمان، والعلم النافع، والعمل الصالح، فتح الله به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين، ومن الشرك بالله، والكفر به، والجهل به، ونال أتباعه شرف الدنيا والآخرة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
أغاث الله به البلاد والعباد، و أحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، فعرف الناس ربهم و معبودهم، عرَّفهم بربهم، وعرَّفهم بالطريق الموصل إليه، وعرَّفهم بما لهم بعد القدوم عليه، لم يدع حسناً إلا أمرهم به، ولا قبيحاً إلا نهاهم عنه، ولم يدع باباً من أبواب العلم النافع المقرب إلى الله إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بيَّنه وشرحه، ولا خيراً إلا رغَّب فيه، ولا شراً إلا حذرهم منه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، أرسله الله رحمة للعالمين، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ؟.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فمحمد ﷺ أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً، وأجودهم، وأسخاهم، وأصبرهم، وأعظمهم عفواً، ومغفرة، ورحمة، وأعظم الخلق نفعاً للعباد في دينهم، ودنياهم، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، ولما كانت هذه صفاته وهذه أخلاقه، أمرنا الله ﷿أن نقتدي به، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
***
مختارات

